First Published: 2015-01-05

كي لا نترحّم على 2014

 

هل يختار النظامان الإيراني والروسي العقلانية أم الجنون؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

من أحبّ احداث السنة 2014، سيقع في غرام السنة 2015. فالمتوقّع أن تكون السنة الجديدة حبلى بكلّ التغييرات والمفاجآت والإثارة، أقلّه في الشرق الأوسط.

من كان يتصوّر على سبيل المثال وليس الحصر، بعد ظهور "داعش" بالشكل الذي ظهرت به، هذا التدهور الكبير في اسعار النفط، وهو تدهور يشكل تحدّيا مباشرا للنظامين الروسي والإيراني؟

مثل هذا التحدي ستكون له انعكاساته على كلّ المستويات، خصوصا أن ايران تمتلك مشروعا توسّعيا في المنطقة مبنيا على وهم الدور الإقليمي المهيمن، فيما روسيا ـ فلاديمير بوتين تحلم باستعادة بعض امجاد الإتحاد السوفياتي...

لا يمكن الإستخفاف بهذا الحدث الكبير المتمثل في انهيار اسعار النفط. إنّه حدث ضخم بكل المقاييس نظرا إلى أنّه يكشف النظامين في ايران وروسيا. بدأ الحدث يأخذ ابعاده. تحاول روسيا التقاط انفاسها بعد السقوط المريع للروبل ولإقتصادها. أمّا ايران، فلا شكّ أنّها باشرت الرد من أجل اظهار نفسها في مظهر القادر على الصمود والتحدّي.

من الواضح، أن هناك ما يشير إلى رغبة ايرانية في اثبات الوجود وممارسة سياسة ذات طابع هجومي. المكان الأقرب لإيران هو البحرين. هل تنجح ايران في اعادة التوتر إلى المملكة الصغيرة الساعية إلى ترتيب أوضاعها الداخلية؟

كذلك، بدا ملفتا التمدّد الحوثي المستمر في اليمن. فبعدما بدا أنّ "انصار الله" سيأخذون فترة راحة قبل متابعة مسيرتهم في اتجاه الوسط والجنوب، إذا بهم يطوقون تعز. ليس سهلا اتخاذ قرار بحجم تطويق تعز والسيطرة عليها، على غرار ما حصل في صنعاء. ولكن ما العمل عندما تريد ايران تأكيد أن لا حدود لشهيتها في اليمن وأنّ الحاجز الشافعي لا يمكن أن يقف في وجهها؟ باختصار، تسعى ايران إلى الإيحاء بأنّه لم يتغيّر شيء في سياستها وأن انهيار اسعار النفط يجعلها أكثر شراسة.

الواقع، أنّ 2014 شهدت تطورات في غاية الخطورة على غير صعيد. تغيّرت خريطة المنطقة. لم يعد اليمن الذي عرفناه موجودا. هناك مخاض يمني معروف كيف بدأ وليس معروفا كيف يمكن أن ينتهي، خصوصا بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء واعلانهم صراحة قيام نظام جديد في البلد. كم عدد الدول أو الكيانات التي سنراها على أرض اليمن؟ هذا السؤال يحتاج إلى بضع سنوات كي يكون هناك جواب عنه.

لا جواب واضحا في ما يتعلّق بمصير العراق. فحيدر العبادي حلّ مكان نوري المالكي. هل تغيّر شيء في العراق؟ هل في استطاعة التحالف الدولي المساعدة في استعادة الموصل من "داعش"؟

سيل الأسئلة لا يمكن أن يتوقّف في 2015، خصوصا أنّ سوريا تتفتت في اسرع مما يعتقد وأنّ الإدارة الأميركية، التي على رأسها باراك اوباما، تبدو مهتمّة أكثر من أيّ وقت في الإنتهاء من هذا البلد، كي لا تقوم له قيامة يوما. الدليل على ذلك ترك النظام السوري يمعن في قتل السوريين وتدمير المدن والقرى والبنية التحتية للبلد... وتهجير السوريين من بلدهم أو داخل سوريا نفسها.

كانت السنة 2014 سنة تفوّق الرابط المذهبي على كلّ ما عداه. سقطت الحدود بين الدول، بعدما قرّر "حزب الله" التدخل عسكريا في سوريا بناء على طلب ايراني وذلك من منطلق مذهبي بحت. استدعت ايران "داعش" إلى لبنان. لكنّ الأهمّ من ذلك، أنّ الردّ على الدخول الإيراني إلى سوريا، عبر الميليشيات المذهبية اللبنانية والعراقية، جاء بشكل إزالة الحدود بين السنة في العراق والسنّة في سوريا. كان هناك الغاء للحدود بين العراق وسوريا على اساس مذهبي ايضا. هذا ما استفادت منه "داعش" التي وجدت حاضنة لها.

من الصعب عودة العراق ومن الصعب إيجاد صيغة تنقذ ما بقي من سوريا. من الصعب عودة اليمن بلدا طبيعيا في منطقة ذات اهمّية استراتيجية للعالم...

هذا غيض من فيض ما شهدته السنة 2014، هذا من الحديث عن المأساة الليبية. لكن جديد نهاية السنة هو ما سيؤسس لأحداث 2015. ماذا ستفعل ايران؟ ماذا ستفعل روسيا عندما يصبح النظامان في البلدين مهدّدين ومصيرهما على بساط البحث؟

يمكن لإيران وروسيا الذهاب بعيدا في ردود فعلهما على انهيار اسعار النفط. النظامان قائمان على النفط والغاز. عندما انتصرت الثورة في ايران في العام 1979، كان الشعار الذي رفعه قائد الثورة آية الله الخميني ومسؤولون في البلاد أن ايران ستنوع، من الآن فصاعدا، اقتصادها حتّى لا تعود اسيرة النفط. تبيّن مع مرور الوقت أنّ ايران غير قادرة على الإستغناء عن النفط. باتت مع مرور السنوات اسيرة النفط اكثر من أيّ وقت. لم تتمكّن حتّى من بناء مصاف للنفط. على ايران في أيّامنا هذه استيراد النفط المكرّر باسعار السوق العالمية. نحن امام بلد نفطي يستورد النفط المكرّر!

أمّا روسيا، فتبدو معتمدة على النفط والغاز وتجارة السلاح ولا شيء غير ذلك. ما الذي ستفعله بعدما اشتدّ الخناق على النظام الذي لم يتعلّم شيئا من تجربة الإتحاد السوفياتي؟ في طليعة الدروس التي كان مفترضا في بوتين تعلّمها أنّ ليس في الإمكان بناء دولة تتمتع بوضع القوّة العظمى من دون اقتصاد متين ومتنوع.

هناك فشل روسي على كلّ صعيد بدءا بمكافحة الفساد وصولا إلى تطوير النظام مرورا بمشكلة النمو السكّاني. صارت روسيا بلدا يتراجع عدد سكّانه ويزداد عدد المتقدمين في السنّ فيه.

من جديد 2014، أي من انهيار اسعار النفط وانعكاسات ذلك على ايران وروسيا يمكن الإنطلاق في التكهن بما ستكون عليه 2015. هل يتصرف النظامان بعقلانية، أم أن الجنون سيغلب على ردود فعلهما.

العقلانية تعني انصراف كلّ من النظامين إلى الداخل ومعالجة شؤون شعبين مظلومين. ايران مريضة وروسيا مريضة، لكنّ أياً من النظامين لا يريد الإعتراف بذلك... ولا يريد الإعتراف بحجمه الحقيقي.

ليس لدى النظامين من نموذج يقدّمانه لا للشعبين الإيراني والروسي ولا لمحيطهما. ليس مستبعدا الآن تصدير ازمتهما للخارج. تصدير الأزمة لا يحلّ أي أزمة. في مرحلة معيّنة لا يمكن للهارب من الأزمة، بدل السعي إلى حلها، أقلّه لمعالجتها، سوى أن يجد نفسه في مواجهة أزمة أكبر من تلك التي تفاداها.

هل يختار النظامان الإيراني والروسي العقلانية أم الجنون؟ الجنون هو ما اختاره النظام السوري الذي ظلّ يصدّر أزماته إلى خارج هربا من قدرته على مواجهة الواقع الداخلي. الخوف كلّ الخوف من الجنون، أي مما يجعلنا في 2015 نترحّم على 2014.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
الانتصار على لبنان عبر المتاجرة بالقدس
2017-12-13
من صنعاء... الى جنوب لبنان
2017-12-11
قمة الكويت... فرصة لمجلس التعاون
2017-12-10
ما سقط مع علي عبدالله صالح
2017-12-08
الفصل الأخير الذي لم يكتبه علي عبدالله صالح
2017-12-06
ايران ووقاحة البقاء في سوريا
2017-12-04
الاستقلال... فرصة ضائعة في الجنوب اليمني
2017-12-03
كذبة اسمها 'سلاح حماس'
2017-12-01
العالم كلّه في أبوظبي
2017-11-29
محمد بن سلمان وسعد الحريري... ولبنان وايران
2017-11-27
المزيد

 
>>