First Published: 2015-01-15

موقع إيران في زيارة العبادي

 

المسكوت عنه في العلاقات بين مصر والعراق، يتعلق بالجزء الإيراني الغاطس تحت لهيب الأزمات الإقليمية المتراكمة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الرؤية التي تدير بها مصر السياسة الخارجية حاليا، حققت نجاحا كبيرا خلال الفترة الماضية، وأعادت الاعتبار لدورها في المحيط الإقليمي، وأكدت صواب الاتجاه في تبني طريقة هجومية، للحد من تصاعد بعض الأزمات، والبناء على المساحة المشتركة من المصالح، وتنحية الخلافات. وكانت واحدة من أهم ثمار هذه السياسة، التطور اللافت في العلاقات مع العراق.

زيارة حيدر العبادي رئيس وزراء العراق للقاهرة أخيرا، كانت نقلة نوعية، ليس فقط على المستوى الثنائي، بل على المستوى الإقليمي. فالحفاوة التي استقبل بها الرجل، والحرص على توفير منابر وحوارات مباشرة له، مع نخبة دينية وثقافية وصحفية، حملت رسالة انفتاح غير خافية على كثيرين، وعززت انطباعات سابقة بأن مصر عازمة على فتح صفحة جديدة مع دول كثيرة، في مقدمتها العراق. وقد ظهرت تجليات هذه المسألة، في رسائل متبادلة متعددة. أبرزها زيارة سامح شكري وزير الخارجية، الخاطفة لبغداد في شهر ديسمبر الماضي، وما صاحبها من تفاهمات حول سلسلة من الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

المعلومات التي رشحت من قبل العبادي، جميعها مهمة، وكشفت عن تعاون وتنسيق كبيرين بينه والقيادة المصرية، وكان الكلام عن السعي الحثيث لتسوية الأزمة السورية، الأكثر إثارة، لأنه تضمن إشارات إيجابية، بشأن نقلات كبيرة في مواقف بعض القوى الإقليمية والدولية من نظام بشار الأسد، تساعد على المضي قدما في طريق الحوار السياسي، بين دمشق والمعارضة السلمية، قد تفك ألغازا وعثرات كثيرة، وقفت دوما ضده، وبدا من الحصيلة النهائية لمعلومات وتقديرات السيد العبادي، أن القاهرة وبغداد سوف يلعبان دورا محوريا في هذه الأزمة، خلال الأيام المقبلة. وهو ما يتطلب مراعاة المطبات التي يمكن أن تتناثر على جانبي هذا التحرك.

معروف أن علاقة الحكومة العراقية، التي يرأسها العبادي، جيدة بإيران، وهي دولة تهيمن على مقاليد أمور مختلفة في العراق. ومعروف كذلك أن علاقة رئيس الوزراء جيدة بالولايات المتحدة، التي تتحكم في جانب كبير من مفاتيح الحل والعقد، ليس في العراق فقط، لكن أيضا في دول كثيرة. لن أخوض في تناقض هذه الازدواجية، لأن واشنطن وطهران درجتا على التفاهم سرا، في وقت بدت فيه علاقتهما المعلنة عدائية. ما يستوجب الوقوف عنده، هل ينصرف حديث السيد العبادي عن الحل السياسي للأزمة السورية، إلى أنه جاء بناء على تنسيق مع كل من إيران وأميركا، أم يتصرف بعيدا عنهما؟

إذا كان الاحتمال الأول صحيحا، يمكن أن يتحرك قطار الأزمة السورية من محطته السياسية المتعثرة، لأن التحالف الاستراتيجي الذي يربط بين طهران ودمشق ليس بخاف على أحد، كما أن الارتباك الأميركي الذي أحرج واشنطن في الأزمة السورية، يمكن أن يكون مبررا لتوكيل العبادي، باعتباره يترأس حكومة دولة حليفة استراتيجيا للولايات المتحدة، ولها باع في الإلمام بالتفاصيل السورية على الأرض، وتستطيع واشنطن وحلفاؤها في المنطقة ضبط إيقاع المعارضة، الرافضة للدور الإيراني. ويبدو الأفق أكثر انفتاحا على ضوء تلميحات رئيس الوزراء العراقي في القاهرة، والتي أشار فيها إلى تغيرات جوهرية في المواقف الثابتة لقوى لعبت دورا أساسيا في الأزمة.

النتيجة التي يخلص إليها المراقب من تفاصيل المعادلة السابقة، أن العلاقات إيجابية بين مصر وكل من الولايات المتحدة وإيران. وقد تكون هناك مقاطع كبيرة مفهومة في علاقة مصر مع أميركا، بعد أن أدخلت الأخيرة تعديلات كبيرة على موقفها من ثورة يونيو والرئيس عبدالفتاح السيسي، لكن بالنسبة لطهران، الشائع للرأي العام أن العلاقة معها متوترة، وفي تقدير آخر ساكنة.

لذلك فالمعلومات التي أشار إليها العبادي، بخصوص دور مصري – عراقي لحل الأزمة السورية، يعني أن هناك خطا ساخنا بين القاهرة وطهران، يمر عبر بغداد، وأن العلاقة بين مصر وإيران ربما تتطور، بصورة يمكن البناء عليها في المستقبل، لمناقشة أزمات إقليمية تلعب فيها طهران دورا سلبيا، يضر بمقتضيات الأمن القومي العربي. الأمر الذي لا ينسجم مع التوجهات المصرية الجديدة، التي تمنحه (الأمن العربي) أولوية في تصوراتها. والمرجح أن تتعامل مع هذه المشكلة من خلال الوسائل الدبلوماسية، التي تتقدم على الأدوات الصدامية، وكانت معالم هذه السياسة الهادئة واضحة في التعامل مع أزمة سد النهضة.

المسكوت عنه في العلاقات بين مصر والعراق، يتعلق بالجزء الإيراني الغاطس تحت لهيب الأزمات الإقليمية المتراكمة. وإذا كانت بغداد، كما قال العبادي ليست وكيلة عن أحد، في إشارة إلى طهران، فمعني ذلك أن أي تحركات عراقية، لن تحظى بمباركة من إيران، محكوم عليها بالفشل، لأنها ستواجه بمجموعة من العراقيل، كفيلة بكبح الطموحات الخارجية لحكومة العبادي، أما إذا كان الغرض، ينطوي على نفي تلقائي لتهمة أصبحت تلاحق كل رئيس وزراء منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، فهذا يعني، أن الكوابح سوف تأتي من جهات دولية وإقليمية أخرى، لمنع تطوير العلاقات بين مصر والعراق، لديها حسابات لا ترتاح إلى استعادة العلاقات بين القاهرة وطهران لأدنى عافية سياسية.

الولايات المتحدة في مقدمة هذه الجهات، ومارست ضغوطا شديدة على الرئيس الأسبق حسني مبارك، لمنع تطبيع العلاقات مع طهران، وكانت تستخدم أدوات وحيل مختلفة، لفرملة كل تحرك في هذا المسار، وتصرفت بغطرسة، وكشرت عن أنيابها، كلما ظهرت ملامح إيجابية، بما كان يعيدها إلى المربع السابق. ولأنها لن تستطيع تكرار اللعبة ذاتها مع الرئيس السيسي، الذي يصر على استقلالية القرار الوطني، سيكون العراق هو الحلقة الأضعف لمنع قيامه بدور "العراب" بين مصر وإيران.

بعض الدول الخليجية، تأتي في المرتبة التالية لأميركا، سوف تشعر بالقلق، إذا تأكدت أن نمو العلاقات بين مصر والعراق، قد يكون مدخلا لنمو مماثل مع إيران. وربما تكون هذه الحساسية المفرطة، واحدة من الاعتبارات الأساسية، التي فرضت على مصر إدارة علاقتها مع طهران بطريقة حذرة الفترة الماضية، بشكل لا يضر بمصالحها مع دول خليجية مهمة، ناهيك عن الانزعاج من تنامي تدخلات طهران في المنطقة، والذي لا تصلح المواجهة المفتوحة لوقفه في الوقت الراهن، لكن قد تؤدي التفاهمات إلى تسويته سياسيا في المستقبل، بالتالي فمعرفة موقع إيران في زيارة العبادي، أشد أهمية من الكلام الذي جرى الترويج له بصورة إعلامية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>