First Published: 2015-12-15

فرنسا: تنويم في الدورة الثانية لما استيقظ بقوة في الأولى!

 

تصويت اليسار لصالح اليمين منعا لوصول اليمين المتطرف يلخص الأزمة السياسية والاجتماعية في فرنسا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

غداة الدورة الثانية للانتخابات المحلية الفرنسية أبكَرَ مجهول في الاعتداء صباحاً على معلّم في مدرسة للأطفال في ضواحي باريس. قيل أن الرجلٓ، الذي استخدم آلات حادة وجدها في عجالة في الصفّ الذي صادف فيه ضحيته، قد ذكر أن عمله مرتبط بتنظيم داعش. انشغلت فرنسا بالقضية على مستوي الأمن والسياسة (رغم أنه ثبت في ما بعد أن المعلم قد اخترع تلك القصة وهي من خياله)، ذلك أن تنظيم البغدادي كان قد توعّد المعلمين الفرنسيين قبل ذلك متهماً إياهم بتلقين العلمانية في المدارس الفرنسية.

الإرهابُ وأشباهُه أو مدّعيه ما زال يضربُ في فرنسا بعد مرور شهر ونيف على اعتداءات الجمعة الأسود (13 نوفمبر) والتي أودت بحياة 130 شخصاً. على هذا فسّر المراقبون الصعود اللافت الذي حققه حزب "الجبهة الوطنية" اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبن في الدورة الأولى للانتخابات المحلية، ذلك أن أطروحات لوبن وحزبها لقيت من يشتريها في ظلّ عجز النُخب السياسية التقليدية، يميناً ويساراً، عن تقديم أجوبة على أسئلة الراهن المتعلقة بالوضع الاقتصادي وتفاقم البطالة، ناهيك عن أسئلة الأمن والهوية ومكافحة الإرهاب.

تحرّكت فرنسا في الدورة الثانية لتلك الانتخابات على منوال ما فعلت عام 2002 حين أزاح جان ماري لوبن، (والد مارين) رئيس الحزب المتطرف آنذاك ومرشحه للرئاسة، المرشح الإشتراكي ليونيل جوسبان في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، ليخوض غمارها في الدورة الثانية ضد اليميني الديغولي جاك شيراك. في تلك الفترة دبّ قلق كبير لدى الرأي العام الفرنسي أدى إلى قيام ما يطلق عليه عرفاً "الجبهة الجمهورية" بحيث احتشدت أصوات اليمين واليسار لدعم شيراك الذي هزم خصمه لوبن وانتخب رئيساً بنسبة تاريخية وصلت إلى 82 بالمئة.

يروي الشيوعيون والاشتراكيون وبقية القوى اليسارية الصعوبة الأخلاقية التي عانوا منها جراء توجيه أصواتهم نحو معسكر خصمهم التقليدي لإنقاذ الجمهورية من الوقوع في براثن يمين متطرف ينهل أدبياته من نازية وفاشية نوستالجية بالية. أعاد معسكرُ اليسار هذه المرة ممارسة نفس التمرين والتصويت بقوة لصالح خصومهم في اليمين والوسط في الدوائر التي يتقدم فيها حزب "الجبهة الوطنية"، فيما سحب الحزب الإشتراكي (حزب الرئيس فرانسوا هولاند) لوائح مرشحيه من تلك الدوائر لتحاشي تشتت الأصوات لصالح حزب لوبن. بالمقابل رفض نيقولا ساركوزي، رئيس الجمهورية السابق ورئيس الحزب الجمهوري اليميني، جرّ حزبه لممارسة نفس التمرين فتمسك بلوائحه وتكتيكاته الانتخابية، ولم يسحب أي منها، ما جعل "فضيلة" الإنقاذ حكراً على اليسار دون اليمين.

لم يمرّ التطرف في مجالس المناطق الفرنسية، وصوّت الفرنسيون بكثافة، إذا ما قورن حجم المشاركة الانتخابية بتلك في الدورة الأولى (55-47 بالمئة)، لمنع صعود لوبن وفريقها لقيادة المجالس المحلية الفرنسية. لم يمرّ التطرف في وقت توفّرت له ظروف ذلك منذ أن قدم داعش للتطرف أطباقاً جاذبة. أثبتت العجينة الفرنسية أنها مرنة تستطيع امتصاص الكوارث وقذف عللّ الخوف والكراهية وما ينتج عنهما. كما أثبت الناخب الفرنسي أن الغلبة ما زالت للعقل على الرغم من أن الصوت الغرائزي بدأ يجتاحُ شرائح إجتماعية، بعضُها كان ينتمي للكتل اليسارية وحتى اليسارية المتطرفة.

تنفست فرنسا الصعداء وأبعدت كأس التطرف المرّ عنها، وأبعدت بذلك سلوكاً كان من شأنه تشويه سمعة وقيّم لطالما دافعت عنها وافتخرت بها منذ الثورة الفرنسية. وإذا ما كانت الأحزاب السياسية التقليدية قد أعادت في الدورة الثانية يوم الأحد الماضي اقتسام المناطق بين يمين (7 مناطق) ويسار (5 مناطق)، كما سيطرة الانفصاليين لأول مرة على إدارة جزيرة كورسيكا، فإن الجميع اعتبر أن العبرة ما زالت في نتائج الدورة الأولى والتي وجّهت صفعة لمجمل الطبقة السياسية في البلاد وأطلقت إنذاراً جدياً بنزوع البلد نحو خيارات التطرف.

يعتبرُ المراقبون أن "الجبهة الوطنية" استعادت في السنوات الأخيرة رشاقة بقيادة لوبن الإبنة بعد إبعاد لوبن الأب (وبينهما دعاوى قضائية في هذا الشأن)، وأن الحزب يحقق انجازات حثيثة في خط بياني صاعد مسجّلاً اختراقات غير مسبوقة في تاريخ "الجمهورية الخامسة". لا تعوّل لوبن على حججها التبسيطية الشعبوية التي تنهلُ منها أحزاب التطرّف فقط، بل تستفيدُ بخبث من فشل الأحزاب التقليدية في توفير الحلول الناجعة، كما من رتابة خطاب تلك الأحزاب ورمادية طروحاتها، مقابل اللهجة الواضحة الحاسمة التي يطلقها اليمين المتطرف. ففي موسم الأزمات الإقتصادية والأمنية يسهّل على التطرّف تمرير أفكار عنصرية كارهة للأجنبي عامة وللمهاجرين المسلمين خاصة، كما تمرير أخرى ضد "هيمنة" الإتحاد الأوروبي و"السطوة "الأميركية.. إلخ.

أبعدت الانتخابات الأخيرة حزب "الجبهة الوطنية" عن سدّة قيادة المناطق الفرنسية، لكنها حوّلته إلى الحزب المعارض الأول من خلال انتخاب حوالي 358 عضواً له داخل مجالس تلك المناطق. تستطيع مارين لوبن أن تبتسم أنها أضحت زعيمة للحزب البديل للفرنسيين في كل مرة تتعثر فيها أرجل الأحزاب التقليدية، وانها شخصياً لن تجد صعوبة في إيجاد التواقيع اللازمة (500 منتخب) لرفد ترشّحها للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في ربيع عام 2017. وتستطيع زعيمة اليمين المتطرف أن تشعرَ بتفاؤل مردّه تلك البيئة الدولية التي تتنفسُ الحرب والإرهاب على نحو يغذي أطروحات لوبن ويروّج لسعيّها. وتستطيع لوبن أن تبتسم لموجات اللاجئين التي تدقُّ أبواب أوروبا كما موجات الإرهاب الداعشي الذي يحملُ ماءً غزيراً إلى طاحونتها.

يبقى أن الفرنسيين الذين أفاقوا من همروجة الإنتخابات، يساورهم قلقٌ آخر على نظامهم الديمقراطي وأدواته الإنتخابية، ذلك أنهم اكتشفوا أن جهدهم الإنتخابي، في عصر لوبن وحزبها، يذهب باتجاه ردّ "الخطر المتطرف" فقط، ما يحرمهم من اختيار ممثليهم وفق البرامج الأجدى والأفضل. يأتي قلق الفرنسيون من أن التطرف لا يؤدي فقط إلى تهديد المجتمع والقيّم، بل يؤدي إلى تسطيح النقاش الديمقراطي وإفقار أعمدته، بحيث يتحوّل إلى جدل ثنائي متعجّل للاختيار بين السيء والأقل سوءاً.

في فرنسا، ورغم انتصار الاعتدال، من يرى أن الواقعية تفرضُ الإعتراف بأنه أصبح لـ "لجبهة الوطنية" بقيادة لوبن أكثر من موطئ قدم في البلاد، وأن لوبن الأب الذي قرع باب قصر الأليزيه قبل ذلك، أضحى سابقة حقيقية توفّر للإبنة قرعه بقوة بعد عامين. وإذا ما أيقظ اليمينُ المتطرف فرنسا بغتة، فإن نتائج الدورة الثانية قد لا تكون إلا عملية تنويم موضعي لمارد قد توقظه من جديد آفات هذا العالم من شرقه إلى غربه.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
لا إصلاحيون في إيران.. نعم لرئيس محافظ!
2017-05-01
هل تتطلب 'التسوية الكبرى' زعامة مروان البرغوثي؟
2017-04-28
نعم مارين لوبن تقترب جدا من أبواب الاليزيه!
2017-04-21
روسيا ترد على الغرب بدبلوماسية 'قلة الفهم'!
2017-04-14
توماهوك الشعيرات: قراءة بيتية أميركية!
2017-04-10
المزيد

 
>>