First Published: 2016-02-11

قبل أن تصبح إسرائيل ضيفا دائما

 

لماذا هذا الاهتمام المبالغ فيه باسرائيل وربط كل شيء بها، من الثقافة إلى الأمن إلى سد النهضة؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

قد تكون الأزمات والحروب الدائرة في المنطقة أنست البعض، ثوابت إستراتيجية يقوم عليها الأمن القومي المصري، وقد يكون تزايد المشكلات وتراكم التحديات الداخلية، أبعد آخرين عن قضايا ذات أولويات مصيرية، لكن من المؤكد أن الشواغل والهموم المتعددة، لن تغير رؤية كثيرين حيال طبيعة الصراع مع إسرائيل، لأنها لن تتحول بين يوم وليلة إلى حمامة سلام واستقرار في المنطقة.

المكاسب التي حققتها إسرائيل خلال السنوات الماضية ليست هينة، ربما تفوق في أهميتها مجمل ما حققته منذ الإعلان عن قيامها قبل نحو 68 عاما، لذلك تعد أبرز الرابحين من وراء الخراب الذي ضرب أجزاء كثيرة في المنطقة، وتتمنى استمراره لمزيد من الوقت لحصد أرباح جديدة، فقد تحولت من عدو إلى صديق لدى بعض الدول، وحليف عند آخرين، وعلى استحياء يأتي الكلام عما تقوم به من تسلط وانتهاكات.

إذا كان للسياسة منطق وأحكام عميقة، وللأمن مقاييس ومعايير حاسمة، فإن لهذين المحددين (السياسة والأمن) أيضا ضوابط صارمة عند النخبة الثقافية، والتي تعتبر ثرمومترا أو بوصلة لحركة الشعوب، ومهما تغيرت التقديرات والحسابات، فإن الوجدان الشعبي يظل يتحكم في كثير من المعطيات، التي يمكن أن تكبح جماح صاحب القرار، وتمنعه من الإقدام على خطوات، ربما يظن أنها مفيدة، أو مضطرا للإقدام عليها درءا لبعض الأزمات، كما أن الرافد الشعبي الغزير والمؤيد يمثل غطاء مهما للحاكم، ويمنحه جرأة للمضي قدما نحو هدفه الوطني، خاصة في اللحظات الفارقة، أو القرارات التي تخالف المزاج المعتاد.

وفي حالة رفض الشعب أو عدم ارتياحه للقرارات الفارقة، تفرمل العناصر الحية من المواطنين الاتجاه نحو تقديم مزيد من التنازلات، التي قد يكون الحاكم مجبرا عليها، باعتبارها مدخلا لتخفيف ضغوط، أو وسيلة لتوفير مكاسب في نواح أخرى غير معلومة للعامة.

هذه المعادلة المعقدة يمكن تطبيقها على الموقف من السلام مع إسرائيل، الذي أصبح شعارا لعدد كبير من الدول، فقد وقعت مصر معها اتفاقا للتسوية السياسية، قبله البعض ولفظه كثيرون في حينه، وفي ظل تطورات حرجة، غالبيتها مال ناحية سقوط قناعات وأفكار مناهضة، تغيرت جملة كبيرة من التوازنات، جعلت الآية تصبح معكوسة تماما، بمعنى أن كثيرين أيدوه، وبقيت قلة قابضة على الجمر.

لن أدخل في جدل، من بقي ومن خرج ولماذا ومتى وكيف؟ ومن أيد أو قاوم، وما هي دوافعه؟ ولماذا تغير من تغير وما هي أسبابه؟ وأترك هذه الأسئلة للفطنة، لأن معظم القراء يعلمون إجابتها مسبقا.

فقط أريد أن ألقي الضوء على أهمية استمرار النخبة في عدم التفريط في ممانعتها التطبيع، والتي قد يعتبرها البعض تحلق في الخيال، وإذا افترضنا أنها كذلك، فهو خيال صحي ووطني ومفيد للدولة المصرية وصناع القرار فيها، لأن هذه الورقة يمكن توظيفها سياسيا، ومن خلالها تتحقق مجموعة من المكاسب، وزادت أهميتها في الآونة الأخيرة، بعد أن اختلطت بعض الأوراق، ولجأت دوائر إسرائيلية إلى الامعان في تكثيف ضغوطها، الأمنية والسياسية الإعلامية والثقافية، ومحاولة تصوير الموقف على أنها صاحبة اليد الطولى، التي تملي أوامرها على كثير من الدول العربية.

ليعذرني البعض في كلامي الصريح، لأن ما يجري يبدو مقدمة لعملية تغيير واسعة، في التوجهات والتصورات والسياسيات، يتم التمهيد لها بعناية، مع توظيف دقيق لجميع الإمكانيات المتوافرة، منها كلام صدر عن يوفال شطاينتس وزير البنى التحتية الإسرائيلي يوم السبت الماضي، مفاده أن "مصر تعمل على هدم الأنفاق، بناء على طلب تل أبيب".

ومع أن الرجل تراجع عن تصريحه الخبيث، غير أن العبارة أحدثت صداها، وجرى استغلالها، لتشويه الدور الوطني الذي يقوم به الجيش المصري، سواء لجهة حماية وضبط الحدود، أو مكافحة فلول الإرهابيين القادمين من غزة.

الأخطر أن هذا التصرف تزامن مع نبرة بدأت تنتشر، تزعم أن حل جزء من أزماتنا الأمنية في سيناء، لن يتم بدون المزيد من التفاهمات مع إسرائيل، وتقديم عناصر متباينة من الإغراءات المادية والمعنوية لها، لاسيما تلك التي تتعلق بالثوابت، أي التطبيع وخلافه.

زد على ذلك أنه يتم الآن تصوير الأمور في أزمة سد النهضة على أنها في يد إسرائيل ولن تحل عقدتها إلا عبر إحياء مشروعها السابق المتعلق برغبتها توصيل مياه النيل إليها.

طبعا لا أحد ينكر الدور المريب الذي تلعبه منذ فترة طويلة حكومات إسرائيل المتعاقبة في منطقة حوض النيل، لكن الرضوخ لمطامعها لن يفيد، ومن الصعوبة أن يتوقف عند حدود معينة، بل سوف يجعلها تواصل ضغوطها للحصول على المزيد من الثمار، وتوسيع رقعة الاختراق للمحرمات الوطنية.

لذلك يعد موقف عشرات المثقفين المصريين الذين رفضوا عرض كتاب جاكي حوجي "ألف ليلة وليلة دوت كوم- العالم العربي اليوم، ثقافة ودين وسياسة" في معرض القاهرة الدولي للكتاب، موقفا وطنيا بامتياز، وينم على أن مسيرة المقاطعة مستمرة، حتى لو تساقط منها كثيرون في الطريق، بحجة أن الأوضاع تغيرت وإسرائيل أمر واقع، أو بذريعة أن العالم أصبح مفتوحا، والمنع بات موضة مرفوضة، وما إلى ذلك من مبررات تنم عن قصور في الوعي السياسي والإدراك الثقافي، فإذا كانت المسألة بسيطة على هذا النحو، لماذا تجهد إسرائيل نفسها وتحاول حشر إنتاجها الفكري رسميا في مصر وغيرها من الدول العربية؟

مؤكد لا أدعو إلى راديكالية (يسارية) جديدة، أو مزايدات أو تبني خطابا "حنجوريا"، لكن أي قراءة سريعة للتطورات الراهنة، تفرض على النخبة الحقيقية أن تكون داعمة للدولة المصرية، وتتمسك أكثر من ذي قبل بالممانعات التقليدية، وتضخ الدماء في التيار المقاوم للتطبيع، لأن مردوداته السياسية مهمة لصانع القرار، الذي يعض بالنواجز على الثوابت التاريخية، ويصد الضغوط، حتى لا تكون إسرائيل ضيفا دائما علينا، يطمع في السيطرة على الدار.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>