First Published: 2016-03-11

جامعة الدول العربية... كأنّ شيئا لم يكن!

 

فشلت جامعة الدول العربية على كلّ الصعد. فشلت في العراق اوّلا وفي سوريا واليمن. هناك عجز عربي يتفاقم بشكل يومي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ليس طبيعيا وضع جامعة الدول العربية. تأكّد ذلك في مناسبة اعلان الامين العام الدكتور نبيل العربي عدم رغبته في تجديد ولايته التي تنتهي في اول تمّوز ـ يوليو المقبل.

ما ليس طبيعيا التصرّف وكأنّ شيئا لم يكن وان ترشيح الدكتور احمد ابوالغيط وزير الخارجية المصرية السابق للحلول مكان العربي يحلّ مشاكل الجامعة ويخرجها من ازمتها العميقة التي جعلتها تعيش على هامش الاحداث المصيرية التي تمرّ بها المنطقة.

هل صارت جامعة الدول العربية مجرّد مكان يتقاعد فيه وزراء الخارجية السابقون في مصر؟

هناك ازمة عربية. تعبّر جامعة الدول العربية عن عمقها. بدل التصرّف بطريقة توحي ان الوضع داخل هذه المؤسسة عادي وطبيعي، كان يفترض طرح سؤال حقيقي من نوع هل جامعة الدول العربية قادرة على تجديد نفسها وايجاد دور لها ام لا كي تكون في مستوى الاحداث؟

من شروط استمرار جامعة الدول العربية البحث جدّيا في ما اذا كان في الامكان اعادة الحياة اليها في منطقة تغيّر كلّ شيء فيها من جهة وفي وقت لم تعد هناك دول معيّنة قادرة على ان تكون ما كانت عليه في الماضي، بما في ذلك ان تكون عربية، من جهة اخرى.

على سبيل المثال وليس الحصر، كيف يمكن لوزير الخارجية اللبناني جبران باسيل ان يكون شيئا آخر غير وزير خارجية لبنان، اي ان يكون وزيرا للخارجية الايرانية في لقاء عربي. من يسمع كلام باسيل يكتشف الى ايّ حد لم يعد لبنان ذلك البلد الذي عرفناه.

هذا لا يعني ان صوت ايران لا يجب ان يكون مسموعا، خصوصا ان ايران دولة كبيرة لها نفوذها في المنطقة. لكنّ من غير الطبيعي تحوّل لبنان الى مستعمرة ايرانية بكلّ ما في كلمة مستعمرة من معنى. كان الموقف السليم يقضي بدعوة مسؤول ايراني لعرض وجهة نظره في اجتماع لمجلس الجامعة على اي مستوى كان بدل ان تجتمع الدول العربية وان يخرج صوت ايران عبر لبنان الذي رفض ادانة الاعتداء على سفارة المملكة العربية السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد...

يشير الواقع المتمثّل في انّ دولة عربية صارت صوت ايران في اطار جامعة الدول العربية الى عمق التحولات التي شهدتها المنطقة، خصوصا منذ العام 2003، عندما شنّت ادارة جورج بوش الابن حربها على العراق بدعم ايراني مباشر وغير مباشر بدأ مسؤولون اميركيون سابقون، مثل زلماي خليلزاد، يتحدّثون عنه علنا الآن، اي بعد خروجهم من السلطة.

في قمّة شرم الشيخ التي انعقدت في آذار ـ مارس 2003، عشية بدء الحملة العسكرية الاميركية في العراق، تلهى معظم الحاضرين بالبحث في كيفية تفادي الحرب، علما ان جميعهم كانوا مقتنعين بانّ الحرب صارت امرا واقعا.

كان الصوت الاماراتي الصوت العاقل، شبه الوحيد وقتذاك. سعت دولة الامارات العربية المتّحدة في اثناء القمّة الى البحث في مرحلة ما بعد الحرب وما سيتوجب على المجموعة العربية عمله في العراق، كما اقترحت استقبال صدّام حسين وعائلته بعد تخليه عن السلطة بموجب شروط معيّنة.

لم يكن هناك من يريد الاستماع الى المنطق. وجدت الامانة العامة للجامعة كلّ الوسائل التي تسمح باخفاء الاقتراح الاماراتي، وصولا الى خروج القمّة بقرارات لا علاقة لها من قريب او بعيد بالواقع. هل من يستطيع القول اليوم ما هو الآن العراق العضو المؤسس لجامعة الدول العربية؟

منذ ترك هوشيار زيباري، وهو كردي، موقع وزير الخارجية العراقي، لم يعد العراق في السرب العربي. كان الكردي العراقي قادرا اكثر من غيره على التعبير عن دور العراق في اطار جامعة الدول العربية. وهذا يعكس ايجابية كبيرة واهمية للدور الذي كان يمكن ان يلعبه الاكراد على صعيد ايجاد توازن داخلي في بلد عربي مهمّ طغت فيه المذهبية وصار يُدار مباشرة من طهران.

فشلت جامعة الدول العربية على كلّ الصعد. فشلت في العراق اوّلا وفي سوريا واليمن. هناك عجز عربي يتفاقم بشكل يومي. لم تستطع جامعة الدول العربية ايجاد حلّ لايّ مشكلة مطروحة، خصوصا في سوريا التي هي ايضا عضو مؤسس للجامعة.

هل المطلوب الاعلان رسميا عن نهاية جامعة الدول العربية التي لم تستطع يوما اتخاذ قرار واضح يساعد الفلسطينيين على استعادة الوحدة الوطنية ومساعدتهم في التحلي بالواقعية السياسية، عندما كان ذلك اكثر من ضرورة؟

من الباكر الاعلان عن افلاس جامعة الدول العربية كلّيا. لكنّ ذلك لا يمنع باي شكل البحث منذ الآن عن صيغة جديدة للجامعة تشمل طريقة التصويت على القرارات بما يمكن الجامعة من اتخاذ مواقف واضحة من الازمات المطروحة.

لا تتحمّل المرحلة الراهنة التسويات التي لا مضمون لها والكلام الذي يصدر عن هذا البلد او ذاك. لا مكان للحلول الوسط التي تعبّر عن مقدار كبير من الميوعة.

يُفترض في "عاصفة الحزم" التي كانت قرارا عربيا واضحا بمنع سقوط اليمن تحت الهيمنة الايرانية ان تنسحب على جامعة الدول العربية ايضا. ليس معقولا ان تستمرّ الامور على حالها. ما كان يصلح للعام 1945، لم يعد يصلح للعام 2016. تغيّر كلّ شيء في الشرق الاوسط. اضافة الى ذلك، ان الخليج مهدّد بشكل يومي بعدما تبيّن ان الدواعش الشيعية لا تقلّ خطورة عن "داعش" السنّية وان الحرب الشيعية ـ السنّية دائرة على قدم وساق في المنطقة، خصوصا ان الاستثمار في الغرائز المذهبية جزء لا يتجزّأ من المشروع التوسّعي الايراني.

لم يعد هناك مفرّ من مؤسسة، تجمع بين ما بقي من عرب، تسمّي الاشياء باسمائها، تماما كما حصل لدى التعاطي مع الازمة اليمنية. في نهاية المطاف، هل جامعة الدول العربية تريد ان تكون في قلب الاحداث ام على هامشها؟ هل يعتقد العرب، او ما بقي منهم، ان لديهم دورا في المنطقة ام ان القرار فيها للدول المحيطة بها مثل ايران وتركيا واسرائيل؟

يبقى سؤال في غاية البساطة: من هي الجهة القادرة على تجديد الجامعة؟ الثابت ان على مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعب دوره. انّه التجربة الوحيدة شبه الناجحة، وهو تجربة قديمة اذا اخذنا في الاعتبار انّه تاسس في العام 1981.

من الطبيعي البحث في الاستفادة من تجربة مجلس التعاون والسعي الى تعميمها. فالقرار بالتدخل في اليمن اتخذ على الرغم من تحفظ سلطنة عُمان. لكنّه اتخذ وبدأ التنفيذ لحظة اتخاذ القرار. اضافة الى ذلك، ليس المجلس اسير دولة معيّنة، فالامين العام يمكن ان يكون من احدى الدول الاعضاء، وهو بحريني الآن.

هل من امل في تجديد جامعة الدول العربية... ام ان الاحداث تجاوزت هذه المؤسسة التي لم تعد قادرة على ان تقول لمن يتجاوز كلّ الاعراف المتبّعة ان كفى تعني كفى.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>