First Published: 2016-04-21

خاطرة في الحياة والكتابة

 

فعل الكتابة الذي كان نشاطا في سبيل الحرية، قد يتحول الى فخ في بعض الأحيان.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

لنتحدث عن شيء صغير صادفته اليوم. فتى من باكستان يعمل في متجر، لحية كبيرة سوداء ويبدو في العشرينات. استوقفني وجهه النضر، فأنا معتاد على وجوه المهاجرين المتعبة والكالحة. قال لي انه مهاجر جديد سنة واحدة فقط، ويدرس الهندسة الألكترونية، ثم سألني ببراءة هل انت مسلم؟ قلت: نعم. فاستبشر ورحب بطريقة غريبة، نصحته بما أعرف وشجعته على الدراسة.

حين قلت له هناك مغريات كثيرة قد تزلقه من الجامعة قال لي لا تخف ووضع يده على قلبه وقال "إيمان... إيمان" لم يستوقفني هذا الموضوع، الا أن النضارة في وجوه المهاجرين الجدد لا مثيل لها الا في وجوه الكنديين البيض الذين يعيشون خارج المدن الكبرى. يمكنك القول إن المدينة كما وصفها السياب "تحجّر كلّ قلب بالضغينة".

أعتقد بأن هذه النضارة في الوجه، ودورة العيون الواثقة المرتاحة في المحجرين هي "الوطن" فهو يمنحك هذه الثقة بالأشياء. الوطن يوحد بينك وبين عقلك وروحك، يجعلك تشعر بأنك ثابت وأبدي ولا تحتاج مبررات كثيرة لوجودك.

بعد سنوات تشرب الغربة دماغ هذا الفتى، وسيشعر بأن عليه اكتشاف سبب ومبرر لكل شيء. ستتحرك العيون في المحجرين، وتفقد هذا الاستقرار الكوني على الوجه، والحركة التلقائية المصحوبة بالفخر والفرح بالاستقامة حين عصر على قلبه وقال "إيمان" ستتحول الى حسرات وعصرات. وعن تجربة اكتشفت بأن الله "وطن" ثان، والشيء الجيد أن الله ليس له حدود، تأخذه معك في كل مكان.

دخلت المقهى الايطالي العريق ولم أستطع قراءة شيء. كيف تأخذ كتابا الى أجمل الشوارع ومقاهيها وتقرأ؟ هل أنت عديم الإحساس الى هذه الدرجة؟ ان يقظة الروح تتناقض مع هذا الفعل المشين، وما في الشارع والمقهى من حياة واثارة يفوق بكثير ثرثرة هذا الكاتب الاميركي. وكما يقول محمد السوداني إن ما في الحياة من جمال، ليس اكبر بكثير مما نستحق فقط، بل اكبر من قدرتنا على الاحتمال.

شيء عجيب هذا السوداني الاستاذ محمد، مثقف عربي جيد وقارئ نهم. حين أُعيره كتابا يعيده في اليوم التالي وقد قرأه. الرجل يساري ماركسي غاضب من الحكومات العربية لكن الغريب هو انبهاره بمظفر النواب، انه يبكي في المقهى ويقول كيف يمكن لشاعر أن يقول "يا نهدا يحكم أكثر من كسرى في الليل".

هكذا هو الأمر أحيانا نكتب عن أشياء صغيرة في حياتنا الا أنها تبدو مثيرة لدى القارئ رغم أنه يعيشها أيضاً كل يوم. الشاعر العجوز الأميركي جون آشبري يقول إن الأسباب لم تعد كما كانت في الماضي، ولكنها طبيعة الأشياء التي يمكن لنا رؤيتها مرة واحدة فقط، بالرغم من أنها تحدث أمامنا باستمرار.

أي أن الدهشة في رؤية الشيء للمرة الأولى قبل أن يتكرر أمامنا، أما التحليل المنطقي والسببية فلم تعد هذه الأشياء تحظى بالتقدير كما هو الحال في العصور القديمة، لأن المتعة بطبيعة الأشياء أهم من مبرراتها العقلية.

الشاعر ربما يتحدث عن شيء بسيط جدا في الحياة الجديدة. وهو أن هذا العصر يضعك في الطبيعة وليس في الآيديولوجيا، الحياة أصبحت سببا كافيا لنفسها وليس لها معنى. إن المأساة في أنها تتكرر ويصيبها الضجر.

أعتقد بأن الوعي يحول بين الجسد والطبيعة في معظم الثقافات، ومنها ثقافتنا العربية. أي أننا نعاني من عناد الثقافة نفسها ضد الطبيعة. إن الانسان في النهاية لا يختلف ولا يتغير في جوهره، والذي يعتبر حاسما هو قدرته على التخلص من عادات التفكير المؤذية، والخروج من عقله العذابي.

كل كاتب له طريقته وبصمته لا يمكن لك أن تتقمصه لفترة طويلة حتى لو كان الدافع هو الإنبهار أو العشق. في فلم دراكولا مينا تقول له: أريد أن أكون مثلك، أرى ما ترى، وأحب ما تحب. وهو يجيبها: لكي تكوني قادرة على السير معي، عليك أن تموتي في حياتكِ، وتولدي من جديد في حياتي.

ومهما يكن من أمر فان فعل الكتابة الذين كان نشاطا في سبيل الحرية، قد يتحول الى فخ في بعض الأحيان. حين تشعر بأنك محاصر ولو من قبيل الوهم، حين يكون كل ما تكتبه يتم تصويره والاحتفاظ به، حين تتم مصادرة افكارك واسلوبك، حين يتم إغلاق صفحتك باستمرار على التواصل الاجتماعي، حين تشعر بذلك الخوف الغامض من أنك واهم، ولا أهمية فعلية لما تقوم به. وحين تصمت تخاف أن تفقد صوتك في بئر السكوت.

في النهاية أدخلت الناس الى عقلك متوهما بأنك تقتحم عقولهم، تشعر بأنك أصبحت مأساة، وأن الحياة لا ينبغي لها أن تُعاش هكذا، الا أنك ترى الأشياء بطريقة مختلفة. الحياة قد تم عصرها بعضلات الأمم القوية، أصبح الإنسان ينتظر النقود ولا شيء حقيقي، كأنه محفظة قديمة متجولة في جيب شبح يعمل وينام.

أود أن أصمت كما يفعل الموتى، أن أتدحرج كدمعة من عيون الزمن، أن أتشبث بنفسي وبسري وبأشيائي، ولأنك أنت أيضا حين تتكلم تتألم، ربما لهذا كانت الجراح "كلوم" من الكلام. ان الحياة مهنة صعبة حقا، والبعض يفضّل أن يقطعها كتابة.

حتى الغضب؛ هو الشعور بأن شيئا ما مفقود، وهذا واضح حين يتشبث الناس برجل دين أو حبيبة. شيء مفقود لان الوعي صار وسيلة ايذاء في بلادي، صرنا نستخدم الوعي لإيذاء بَعضنا البعض، في حين أنه كان فيما مضى عزاء وسلاما.

 

أسعد البصري

الاسم نسيم
الدولة العراق

زين ماكو وباء مناصرة للسنة ومعاداة للشيعة هذه المرة كما هي القصة المكررة المملة التي لا يخلو منها سطر من سطورك وفوقها انت تحدثنا عن الثقافة والغرب وكندا المتحضرة فماذا تعلمتم منهم وانتم تحملون كل تلك العقد ، سبحان الله.

2016-04-21

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
نداء عربي إلى كردستان المحاصرة
2017-10-01
هل السنة العرب مع الأكراد؟
2017-09-30
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
المزيد

 
>>