First Published: 2017-01-11

العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب

 

انضمام سلطنة عمان للتحالف الاسلامي لمحاربة الإرهاب خطوة متأخرة ولكنها أعادت مسقط إلى النسق المنطقي في الاتحاد في مواجهة الأخطار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: عيد الظفيري

لا شك من أن انضمام سلطنة عمان مؤخراً إلى دول التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب أسعد الكثيرين من أبناء المنطقة رغم أن هذه الخطوة تأخرت لمدة زمنية لم تكن مبررة على الإطلاق لسبب جوهري وهو أن التحالف الإسلامي هذه المرة لم يكن ضد دولة بعينها بل هو تحالف ضد أكبر خطر يهدد استقرار الدول وأمنها ألا وهو الإرهاب. لذلك كان عدم انضمامها منذ البدء مثار تساؤلات وتخمينات حول السبب الحقيقي الذي جعل الأشقاء العمانيين يتأخرون كل هذا الوقت مما فتح باب التأويل على مصراعيه في ظل غياب الأسباب المنطقية لهذا التأخير، خاصة أن الموقف من الإرهاب محسوم لدى الجميع ولا يختلف اثنان على مدى خطورته ووجوب محاربته بكافة الوسائل والطرق.

ربما أن هناك ثمة أسباب منطقية دفعت الأخوة العمانيين لتريث في الانضمام إلى التحالف الإسلامي، لكن كان من الواجب إعلانها على الملأ طالما أنها أسباباً مقنعةً من وجهة نظرهم كي لا تبدو - على الاقل- في نظر المجتمعات المجاورة كالطائر الذي يغرد خارج السرب على الدوام.

أتفهم أنه من حق الشقيقة عمان أن ترفض قيام الاتحاد الخليجي واعلانها عدم الانضمام إليه في حال قيامه وأتفهم كذلك تحفظها على الانضمام إلى العملة الخليجية الموحدة في حال اقرارها وغيرها من المواقف الطبيعية لدولة ذات سيادة لديها رؤية مختلفة عن بقية الدول الأخرى، لكن في مسألة مكافحة الإرهاب لا أعتقد أن الاختلاف من الأمور الواردة، لأنه لا توجد خيارات أخرى لمواجهة الإرهاب غير مكافحته ومحاربته بلا هوادة في كل مكان. وهذا لا يتعارض مع السياسة العمانية المشهورة بمبدأ الحياد، لأنه ليس من المفترض أن يكون هناك ثمة حياد في مسألة الصراع بين الخير والشر كقضية محسومة منذ الأزل إما مع أو ضد، لذلك كان الموقف العماني من التحالف الإسلامي مثار استغراب واستياء شعوب المنطقة بأسرها، الأمر الذي أدى إلى توجيه انتقادات حادة تجاه السياسة العمانية التي يصفها البعض بأنها سياسة يكتنفها الغموض على اعتبار أن الحياد في بعض القضايا المصيرية وجه من أوجه التنصل من المسؤوليات التي يحتمها الموقع الجغرافي والقواسم المشتركة التي تربطها بدول الجوار، بل إن البعض ذهب في وصف مبدأ الحياد العماني إلى أبعد من ذلك حيث اعتبره ذريعة يتم اللجوء إليها بهدف الاستفادة من كافة الأطراف المتنازعة دون ترجيح كفة على أخرى.

الحقيقة أن سلطنة عمان استطاعت على مدى عقود بأن تحافظ على حياديتها بشكل جيد تجاه مختلف القضايا والأزمات التي مرت بها المنطقة دون أن تخسر علاقاتها مع دول الجوار، رغم أن بعض مواقفها السياسية -وإن كانت حيادية نوعاً ما- قد أثارت كثيراً من الغضب والاستياء لدى النخب الخليجية والعربية لكن لم تصل الأمور في كل منعطفاتها إلى إعلان القطيعة لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي، مع أن المنطقة ينقصها الكثير من الوعي السياسي لفهم مجريات الأحداث المتشابكة والمعقدة في الصراعات الإقليمية والدولية، ويعزو الفضل في ذلك إلى حكمة قادة دول مجلس التعاون الخليجي واللذين يتفهمون أن النهج الحيادي في السياسة العمانية واضح وصريح وليس كما تصوره بعض التيارات العروبية بأنه تخاذل وانكفاء على الذات في عالم تمور فيه الصراعات والأزمات بوتيرة متسارعة.

في المقابل يرى أغلب المنتقدين للسياسة العمانية استحالة التشبث بمبدأ الحياد في كل الظروف والأزمات استناداً على منطقية امتداد الصراعات والنزاعات من بقعة جغرافية إلى أخرى كما يحدث في أغلب مناطق النزاع في العالم. والشواهد على صحة هذا القول كثيرة، خذ على سبيل ما يحدث في بعض دول أميركا الجنوبية أو في بعض الدول الأفريقية حيث امتدت النزاعات المسلحة من دولة إلى أخرى بسبب غياب التنسيق والتعاون بين تلك البلدان، فالدول مهما كانت مسالمة ومحايدة لا يمكن لها أن تعيش بمعزل عما يدور ويحدث في دول الجوار من اضطرابات ونزاعات ستنعكس سلباً على أمنها واستقرارها عاجلاً أو آجلاً.

لذلك من غير المقبول مثلاً حين تتعرض سلطنة عمان إلى اعتداء أو تعدي على سيادة أراضيها أن تلتزم دول الجوار الصمت بحجة الحياد وتترك جارتها المسالمة تواجه الأخطار لوحدها وكأن الأمر لا يعنيها بشيء.

أدرك جيداً أن سلطنة عمان الشقيقة تلتزم بأعلى معايير الحياد في سياستها الخارجية وبأنها لم تقف طوال تاريخها مع أعداء جيرانها من دول الخليج حتى لو حافظت على علاقاتها على سبيل المثال مع إيران التي تحاول منذ ثورتها المشؤومة تصدير الفكر الخميني إلى منطقتنا سعياً وراء أطماعها التوسعية إلا أن ذلك لم يأت على حساب روابط الأخوة التي تتقاسمها مع شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي حتى لو بدى ذلك في نظر الكثيرين نوعاً من التناقض والغموض، لكن نحن الآن في زمن تكالبت فيه المحن والمصائب على المنطقة بصورة مأساوية بحيث أن الأوضاع لم تعد تحتمل أي موقف حيادي يمكن أن يوتر علاقاتها مع شركائها في المصير والجغرافيا.

 

عيد الظفيري

كاتب سعودي مهتم بالشؤون الدينية والسياسية

 
عيد الظفيري
 
أرشيف الكاتب
العودة العمانية: لا حياد في الإرهاب
2017-01-11
عادل الجبير.. القوي الأمين
2016-12-28
مَن يتصدى للحشد الطائفي؟
2016-11-27
الوطنية السعودية بين الإفراط والتفريط
2016-11-21
من المسؤول عن انخفاض انتاجية موظفي الدولة السعودية؟
2016-10-24
منظمة العار ترحب بإسرائيل!
2016-08-17
ظاهرة الانغلاق الفكري
2016-07-25
التطرف في سبيل الله!
2016-07-02
سيلفي.. الحكاية التي فهمها الجميع
2016-06-23
التعايش بين طليطلة وكتالونيا
2016-05-30
المزيد

 
>>