First Published: 2017-01-14

الاقتصاد الليبي وخمس سنوات عُجاف

 

كيف تسير الحياة الاقتصادية في ليبيا ما بعد الربيع العربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: هدى عيسى الغول

يشاطر الاقتصاد الليبي الاقتصاديات النامية في معاناته من إرث ثقيل من الاختلالات الهيكلية والتي تمخضت عن هيمنة القطاع النفطي على المساهمة الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي وفي حجم الصادرات وذلك على حساب التخلف النسبي في الأنشطة الإنتاجية الأخرى خصوصاً الصناعة وضعف الكفاءة الإنتاجية لعنصر العمل (ندرة اليد العاملة الماهرة) وإن هذا الضعف في قطاع الصناعة أتاح الفرصة لقطاع الخدمات في استيعاب الجزء الأعظم من المشتغلين في الأنشطة الهامشية المنخفضة أو المنعدمة الإنتاج.

لماذا تصنف ليبيا كدولة نامية وعلى أي أساس؟

يصنف علماء وخبراء الاقتصاد الدول النامية بأنها هي تلك الدول التي تعتمد في اقتصادها على قطاع واحد كمصدر للناتج المحلي أو الدخل القومي وتشير هذه الظاهرة إلى وجود اختلال في صادرات الدول النامية حيث تحتل سلعة واحدة وهي سلعة أولية عادةً نسبة كبيرة من إجمالي حجم الصادرات وأن هذه السلعة تتأثر كثيراً بتغيرات أسعارها في السوق العالمية. ومن المعروف بأن النفط هو تلك السلعة الرئيسية في ليبيا والتي تشكل نسبة 70-75% من إجمالي الصادرات، هذا فضلاً عن تدني مستوى معيشة الفرد الذي ينعكس في انخفاض متوسط دخل الفرد والذي يعتبر المقياس الأهم في تصنيف الدول بين نامية ومتقدمة.

هل تأثر الاقتصاد الليبي بظاهرة ما عرف بالربيع العربي؟ ولماذا؟

اقتصاد ليبيا ونظام القذافي

يرتبط اقتصاد أي دولة بالنظام السياسي القائم فيها وقد عانت ليبيا طيلة 42 عاماً من نظام سياسي دكتاتوري ومتعجرف أدى إلى تدهور وضعها الاقتصادي بين باقي الدول النفطية وتأخرت عجلة التنمية فيها حتى وإن حققت فترات من النمو والانتعاش اقتصادي ويرجع ذلك لاعتماد منهجية جعلتها تعتمد على سلعة واحدة رئيسية وهي النفط كمصدر للدخل، وعلاوةً على ذلك تهميش الموارد الاقتصادية التي يمكن أن تدر دخلاً على الدولة وتساهم في عملية التنمية كالصناعات التحويلية والموارد البشرية.

في نهاية السبعينيات اعتمد الاقتصاد الليبي على الاشتراكية وسياسة هيمنة الدولة على الحياة الاقتصادية بشكل مباشر فهي المتحكم الرئيسي في الإنتاج والتوزيع وسيطر القطاع العام على مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن خلال هذه النظرية تأممت كل الشركات والمؤسسات وأصبحت ملكيتها للدولة واستمر هذا الوضع الذي اضر بالأنشطة الاقتصادية وتسبب في تأخر التنمية إلى أن أعلنت اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء ) في سنة 2003 عن قرار خصخصة ما يزيد عن 360 شركة تابعة للقطاع العام اعتباراً من أول يناير 2004 وهو تحول اقتصادي كبير للدولة الليبية.

ورغم هذه التغيرات الجذرية إلا أن ليبيا ظلت متأخرة اقتصادياً ويعزى ذلك لانخفاض مستوى المعيشة وتدني مستوى الخدمات العامة فضلاً عن ضعف السلم الإداري وتفشي الفساد الإداري والمالي في مؤسسات الدولة وارتفاع معدلات البطالة والبطالة المقنعة. بيد أن هذه التركة راكمت الكثير من المشاكل الاقتصادية التي أوصلت النشاط الاقتصادي إلى حالة من الشلل كان لها الأثر الأكبر في سوء الأوضاع المعيشية للمواطنين أثناء وبعد سقوط نظام القذافي.

اقتصاد ليبيا ما بعد الثورة

شكل النفط في ليبيا عام 2010 نحو 94% من عائدات ليبيا من النقد الأجنبي و60% من العائدات الحكومية و30% من الناتج المحلي الإجمالي حيث كانت ليبيا تنتج 1.65 مليون برميل يوميا من معدل احتياطي قدره 41.5 مليار برميل. وكانت تعتزم في خطة 2011 زيادة إنتاجية بحوالي 3 ملايين برميل يومياً، وكان معدل دخل الفرد في تلك الفترة هو 4400 دينار. ولكن ما حدث في فبراير 2011 فاق التوقعات ففي مطلع الثورة كان الليبيون يحلمون بمستقبل زاهر وحياة اقتصادية مرفهة، ولكن في ظل النزعات التي نشبت قبل مقتل القذافي والتي كان لها أثرها على إنتاج قطاع النفط والذي تعطل لشهور مما أدى إلى تدهور الأوضاع المعاشية ونقص السيولة في المصارف. غير أن هذا الوضع تغير بعد مقتل القذافي وسيطرة قوى الثورة على الموانئ النفطية في شرق البلاد، وإعلان التحرير عاد تصدير النفط الليبي بمستويات قريبة من فترة ما قبل الحرب بحلول الربع الثالث من سنة 2012 وأنفقت السلطات وقتها إلى أعادة الإعمار بعد الحرب والرعاية الصحية للثوار المتضررين من الحرب، وتم رفع الأجور والمرتبات ودعم القطاع العام. ولكن ميزانية الحكومة ارتفعت إلى الضعف في السنوات الثلاث الأولى.

إن التفاؤل بتحقيق الانتعاش الاقتصادي بعد الثورة كان جداً وجيزاً. ففي نهاية عام 2012 بدأت الاحتجاجات والنزاعات الإدارية في التأثير على الإنتاج وبحلول يوليو 2013 تم إغلاق بعض المنشآت النفطية والغازية وانخفضت الصادرات إلى أقل من 200 ألف برميل نفط يومياً في أبريل 2013. ومع احتدام الصراعات وخروج الشركات الأجنبية من البلاد ومن ذلك الحين والقطاع النفطي يشهد تقلبات جراء الفوضى الأمنية والسياسية التي تشهدها ليبيا ففي عام 2014 توقف إنتاج النفط رغم محاولات الحكومات في المفاوضات وفك الحصار عن الموانئ التي أضحت تحت سيطرة المليشيات التي تمارس بدورها ضغطاً على الحكومة لإعادة توزيع ثروة النفط، وعلى الصعيد نفسه النزعات السياسية بين المؤتمر العام في طرابلس والبرلمان في طبرق والذي ولد تنافس على المؤسسات المالية والإدارية في الدولة ومنها المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار، وفي الوقت التي ضعفت فيه القدرات الإنتاجية وانخفاض الإيرادات وتزايد الإنفاق وانخفاض عرض النقود وانخفاض المستوى المعيشي للفرد.

في أوائل سبتمبر 2014 أقالت حكومة الثني الخاضعة لسلطة البرلمان محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير واستبداله بعلي الحبري. واحتج الكبير واحتفظ بقواعد البيانات المالية وأرقام الحسابات في طرابلس، وتوصل الطرفان (البرلمان والمؤتمر) إلى إرساء ترتيب للعمل يتعامل مصرف ليبيا المركزي في طرابلس مع متطلبات التمويل من قبل البرلمانين والحكومتين فيما يتعامل الثني مع المليشيات الفيدرالية للإبقاء على المواني الشرقية مفتوحة، وكان لذلك منفعة متبادلة. فبالنسبة لمجلس النواب وحكومة الثني مكنهم ذلك من الحصول على طلبات التمويل وبالنسبة لمصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط مكنهم ذلك من الزيادة في العائدات النفطية من الحقول الشرقية.

ولكن هذا الترتيب لم يدم طويلاً. فبحلول أكتوبر 2014 ساهمت ثلاثة عوامل مترابطة في تصعيد السيطرة على المؤسسات الليبية الثلاث:

أولاً: رفض المصرف المركزي صرف التمويلات المطلوبة باستثناء الرواتب والدعم مباشرة للحكومة في الشرق ما دفع حكومة الثني إلى البحث عن طرق بديلة شملت إنشاء إدارة جديدة لمصرف ليبيا المركزي مستقلة عن طرابلس لكنها لم تنجح في السيطرة على أرصدة المصارف وفي غضون ذلك بدأت حكومة الثني في الاقتراض من المصارف التجارية في الشرق.

ثانياً: دعت حكومة الثني إلى إجراء تغيير في إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار وعينت عضو مجلس الإدارة حسن بو هادي ليحل محل بن يزة واعتبرت حكومة طرابلس ذلك غير قانوني، وبذا اندلع صراع مواز حول المؤسسة أدى إلى معركة قانونية لتبادل الاتهامات بين حكومتين وإدارتين.

ثالثاً: حكم المحكمة العليا لصالح مؤتمر طرابلس بعدم شرعية انتخابات 2014 وبذلك اعتبر المؤتمر أن البرلمان غير شرعي ولا يحق له السيطرة على هذه المؤسسات.

أرى بأن سنة 2014 هي سنة مالية كبيسة من بين أربع سنوات عجاف فإن ما شهدناه من فوضى سياسية وسوء إدارة للبلاد ساهم في تفاقم الوضع الاقتصادي في ليبيا والذي أثر وبشكل مباشر على الدخول وضعف من حركة النشاط الاقتصادي العام ودخوله في حالة ركود، حيث بلغ العجز المالي في ليبيا آنذاك حوالي 22.8 مليار دينار (16.04 مليار دولار) أي بنسبة 44% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن جهته خفض مصرف ليبيا المركزي أجور القطاع العام وميزانية الدعم وجمد معظم نفقات التنمية والبنية التحتية ولكن هذا لم يوقف استنزاف احتياطات العملة الأجنبية والتي تحافظ بدورها على استقرار الدينار الليبي وصندوق الواردات، وحسب تقدير البنك الدولي فإن إنتاج النفط بلغ خمس ما كان عليه سابقاً أي معدل 335 ألف برميل يوميا في النصف الأول من السنة اقتراناً بالهبوط في أسعار النفط عالمياً مما أدى لعجز في الميزانية العامة الليبية وتراجع عائدات النفط بحوالي 2.25 مليار دولار وهي مستويات تاريخية في الاقتصاد الليبي.

وفي ظل تصاعد المنافسة بين الحكومتين الليبيتين المتناحرتين للسيطرة على الثروة النفطية، وبحلول منتصف 2015 تعطل الإنتاج بسبب الصراع والانقسام السياسي الشامل واستمر عند المستوى 400 ألف برميل يومياً أي ما يقارب ربع الإنتاج عام 2011، وفي غياب المؤسسات الدفاعية في الدولة (الجيش والشرطة والأمن القومي) تعرضت خطوط أنابيب النفط والغاز والمنشآت النفطية إلى هجمات وأجبرت على الإغلاق وبقيت المنشآت البحرية في الغرب لفترات طويلة تعمل دون انقطاع وقد وفرت بدورها الجزء الكبر من عائدات ليبيا عام 2015. والجدير بالذكر أن سوء الإدارة والفساد وتمويل المليشيات وبعض الصفقات المشبوهة لقادة الأحزاب أدى للمزيد من استنزاف الموارد المالية وتبديد الثروة في ليبيا، وقد تمكن رجال الأعمال المشبوهون من تأمين خطوط ائتمان من البنوك المحلية لاستيراد البضائع التي غالباً لا يتم تسليمها أو تسلم بكميات أقل مما هو منصوص عليه بالتواطؤ من مسئولين في الجمارك الليبية.

كل ما سلف ذكره ادخل الاقتصاد الليبي في حالة ركود عام مما أضعف جانب العرض الذي انكمش بنسبة 10% في 2015 واستمر ضعف القطاعات غير النفطية بسبب اختلالات في سلاسل توريد المستلزمات المحلية والأجنبية ونقص التمويل، وتسارعت وتيرة التضخم ليصل معدله إلى 9.2% في 2015 فيما يرجع أساساً إلى زيادة نسبتها 13.7% في أسعار الغذاء، وأدى نقص التمويل -لا سيما الأغذية المدعومة - أربعة أضعاف، وأضر الجمود السياسي بالمالية العامة حيث انخفضت إيرادات الميزانية العامة للدولة من القطاع النفطي إلى خمس مستواها قبل الثورة وظل الإنفاق العام مرتفعاً وبلغت فاتورة أجور موظفي القطاع العام من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي مستوى قياسياً نحو 59.7%، وفي الوقت نفسه كانت الاستثمارات غير كافية لتوفير الخدمات العامة وبوجه عام ارتفع عجز الميزانية من 43% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في 2014 إلى 75% من الإجمالي في 2015 وتم تمويل معظم العجز من ودائع الحكومة في البنك المركزي الليبي، وتدهور وضع ميزان المدفوعات في 2015 فقد انخفضت صادرات النفط إلى 300 مليون برميل يومياً في نهاية العام وتشير التقديرات من البنك الدولي بأن عائدات تصدير النفط وصلت إلى أقل من 15% عن مستواها في 2012 في الوقت الذي ظل مستوى الواردات التي يحركها الاستهلاك مرتفعاً وانتقل رصيد ميزان الحساب الجاري من التوازن في 2013 إلى عجز يقدر بنسبة 75.6% من إجمالي الناتج المحلي في 2015. ولتمويل هذا العجز يجري استنفاد صافي احتياطات النقد الأجنبي بسرعة وانخفضت الاحتياطات من 107.6 مليار دولار في 2013 إلى ما يقدر بنحو 56.8 مليار دولار بنهاية عام 2015.

وواصل سعر صرف الدينار الرسمي للدينار الليبي مقابل الدولار تراجعه إذ سجل هبوطاً آخر يزيد 9% في 2015 وفي السوق الموازية انخفضت قيمة الدينار نحو 160% بسبب القيود على معاملات النقد الأجنبي التي ينفذها البنك المركزي الليبي والذي أدى بدوره إلى تفاقم مشكلة السيولة في المصارف التجارية الليبية وضعف احتياطاتها، وعلى الصعيد نفسه انخفض نمو الناتج المحلي الحقيقي بنحو 10.2%.

وفي تقرير للبنك الدولي أكد فيه أن الاقتصاد الليبي على شفا الانهيار فيما يحول الجمود السياسي والصراع الأهلي دون استغلال البلد لمورده الطبيعي الأساسي وهو النفط. ففي ظل انخفاض إنتاج النفط إلى خمس أضعافه في السابق هبطت الإيرادات وتفاقم عجز الميزانية وعجز الحساب الجاري بأرقام قياسية تاريخية في اقتصاد ليبيا. ومع فقدان الدينار السريع لقيمته أمام الدينار وتسارع معدل التضخم مما أدى إلى تآكل الدخل الحقيقي وتدني مستوى المعيشة للمواطن، ومع المضاربة والقيود المفروضة على صرف العملة، دخل الاقتصاد الليبي حلقة مفرغة ونشطت السوق الموازية التي لجأ إليها الليبيون لعقد كل صفقاتهم التجارية تقريبا، وقد فقدوا ثقتهم في المصارف، وأدى هذا الوضع إلى إفراغ رفوف المتاجر، إذ عمد التجار إلى الحد من البضائع المستوردة خشية تكبد خسائر في سوق عملات متقلب للغاية وتفاقمت أزمة السيولة بسبب عجز الحلول السريعة والاقتراحات غير المجدية لحلها.

بحلول الربع الثاني من السنة المالية 2016 كشف علي الحبري محافظ مصرف ليبيا المركزي في مدينة البيضاء أمام جلسة مجلس النواب بأن خزانات البنوك التجارية في المنطقة الشرقية تكاد أن تكون خالية من الأموال حيث صرح "لا نملك المال.. إن الأموال في ليبيا تخضع للسيطرة السياسية وسلطة المليشيات ولا أملك حلاً سحرياً في المدى القصير ولكننا نؤمن بأننا بالعلم والمعرفة يمكننا الوصول إلى حل المشكلة الاقتصادية." وأشار إلى أن المصرف المركزي يملك حلولاً على المدى المتوسط والطويل، داعياً إلى مصارحة الشعب الليبي بحقيقة أن المشكلة الاقتصادية تكمن في اعتماد الاقتصاد الوطني على ريع النفط قائلاً "منذ 42 عاماً.. ومعها 5 سنوات بعد الثورة ونحن في غيبوبة النفط!" وأضاف أنه ضد الاعتماد على النفط، ذلك أن للاقتصاد الريعي عواقب مؤلمة ويجب البحث عن بدائل.

وعن طباعة العملة في روسيا أوضح الحبري أن طباعة العملة الليبية بشكل متكرر، لا يحل الأزمة بشكل نهائي، قائلًا "احتياطياتنا من السيولة يكفى لستة أشهر، وخلال هذه المدة نسعى بوضع حلول لحل أزمة السيولة في المنطقة الشرقية، ولولا طباعة العملة لهاجم المواطنون المرافق التي تمارس الأنشطة الاقتصادية في مدنهم."

ولكن ما الذي حدث ولماذا لم تحل الأزمة ولم تتوفر السلع الضرورية كما صرح المحافظ؟

من منطق "الأزمة فرصة للمخاطرة" وبأن النصر في الحرب قد يأتي رهناً بالظروف وليس بالإستراتجية توقع علي الحبري بمقترحه فيما يخص السيولة وبطباعة عملة جديدة بأنه سوف يتمكن من القضاء على الأزمة وامتصاص الخطر المحيط بالعملة الليبية. فما رسمه الحبري من أوهام وما مارسه من سياسة لتخدير المواطنين وإبعادهم عن المشهد الحقيقي للأزمة المتفاقمة والطويلة المدى واعتماده على تفسيره العلمي بأن أزمة تصدير النفط هي السبب الوحيد في أزمة السيولة وغضه الطرف عن الثروة التي تتسرب وبشكل شبه يومي من خزانات رؤوس أموال ورجال أعمال إلى بنوك بعيدة عن الوطن وعن يد العدالة الوطنية والدولية بالإضافة إلى تبديد مليارات الدولارات التي اعتمدت كميزانيات للحكومات المتعاقبة منذ خمس سنوات وتسرب جلها في مقتنيات شخصية لأصحاب الوزارات ووكلائهم، فضلاً عن تسريب النقد الأجنبي من موظفي المصارف وبيع العملة في السوق السوداء منذ سقوط القذافي إلى اللحظة الآنية.

وكل ما اتخذته الحكومتان من قرارات لحل الأزمة المالية لم يكن سوى بمثابة مسكنات ومهدئات مؤقتة للمواطنين ولم تحظَ بالنجاح أو القبول نتيجة لتفضيل كلا الطرفين المصلحة الخاصة على المصالح العامة للدولة.

في منتصف الربع الثالث من عام 2016 استطاع المشير خليفة حفتر وقواته السيطرة على المواني النفطية وارتفع نتيجةً لذلك إنتاج النفط إلى 600 ألف برميل يومياً ولكنه يظل منخفضاً عما كان عليه في 2011 إذا كان بحوالي 1.6 مليون يومياً، ومع تواصل حالة الركود في إنتاج القطاعات غير النفطية انخفض معدل النمو في الدخل القومي وانخفض الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد من ذلك الناتج إلى حوالي 4458 دولار وقفز معدل التضخم إلى 24% الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 31% وهبطت إيرادات النفط إلى حوالي 302 مليار دينار في الشهور السبعة الأولى لسنة 2016 مما أدى لانخفاض الإنفاق على الدعم نتيجة لانخفاض أسعار المحروقات المستوردة وإلغاء دعم السلع الغذائية،وانخفضت الأجور بنسبة 8.7%، وانخفض الإنفاق الرأسمالي إلى 14% عما كان عليه قبل الثورة، مع ازدياد متسارع للدين المحلي إلى ذروته ليبلغ 110% من الناتج المحلي الإجمالي في 2016، واستمر العجز المالي وعجز الحساب الجاري ليصل عجز الموازنة إلى حوالي 60% من إجمالي الناتج المحلي وعجز الحساب الجاري إلى 70% وزاد معدل الركود الاقتصادي بمعدل 26%. بيد أن ليبيا بلد معظم سكانه من فئة الشباب دون سن العمل حيث تتجاوز معدلات البطالة 30% لعام 2016 بعد أن كانت 15% وفقاً لعام 2010، وارتفع حجم الإنفاق العام إلى حوالي 45% من إجمالي الناتج المحلي..

الخاتمة

من قبضة القذافي الفولاذية سقطت ليبيا في أحضان الفوضى السياسية والصراع الميداني بين المليشيات العسكرية والتنظيمات المتطرفة والتي كانت بمثابة العدو الداخلي الذي ناهض تطور الدولة وتحقيق أهداف الرفاهية والنمو الاقتصادي وتحطيم طموحات الشعب الليبي، وأدخلت على إثرها ليبيا أزمة اقتصادية تاريخية ترنحت فيها عائدات النفط وتناقصت بشكل مخيف ومتسارع لتشهد هبوط بنحو 307 مليار دينار في عام 2016 بعد أن كانت 770 مليار دينار في عام 2011 وقفزت فيها معدلات التضخم من 9.5% إلى 24% خلال الفترة نفسها، إن كل هذه العوامل أسهمت بشكل أساسي في تدهور الوضع الاقتصادي

وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية وبخاصة الصناعة التحويلية وقطاع الزراعة والبناء والتشييد وقطاع السياحة وتدهور قطاع التعليم والصحة فضلا عن تدهور مستوى إنتاج النفط نتج عنه انخفاض حاد في إجمالي الصادرات وتآكل الاحتياطي الأجنبي، لقد أسهمت كل تلك العوامل في انخفاض مستوى الناتج المحلي وتدهور مستوى معيشة السكان فضلا عن تدهور قيمة الدينار الليبي، الذي فقد جزء كبير من قيمته أمام العملات الأجنبية، كما أسهم نقص السيولة في المصارف ولجوء المصارف والتجار إلى التعامل بالصكوك والتي تعتبر أوراق نقدية بديلة للعملة في كثير من الحالات وأدى ذلك بدوره إلى إنعاش السوق السوداء وتراجع القدرة الشرائية للمستهلك واختفاء قسم كبير من السلع في السوق، مما أثرت سلباً في الأوضاع المعيشية التي يعاني منها المواطنين خصوصاً من فئات الطبقة الوسطى، التي حملت على عاتقها الكثير من الديون مما هدد معظم تلك الفئة بالفقر والإفلاس فضلاً عن سوء الوضع الإنساني في البلد، الأمر الذي يجعل النظرة ضبابية للأفاق الاقتصادية المستقبلية في المدى المتوسط، مع الظروف المحيطة بالدولة نحتاج إلى عودة تصدير النفط بسرعة قصوى وتوجيه الموارد الاقتصادية بالطريقة السليمة، وإرساء إستراتيجية لنبذ العنف ونزع السلاح ونشر السلام وإصلاح قطاع الدفاع والأمن علاوةً على الاتفاق والإصلاح السياسي لبلد باتت على شفير الانهيار، فالوضع التي تمر به ليبيا اليوم بعيداً عن التزييف والخداع والسياسات الوهمية لحل أزمتها الاقتصادية والمالية والذي تحاول الحكومة المزدوجة ترويجها.

أن الخروج من النفق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي دخلته ليبيا بعد سقوط القذافي يتطلب العمل بما يأتي:

توحيد إدارة البلاد سياسياً وعسكرياً.

زيادة إنتاج النفط وتسريع تصديره لرفع مستوى العائدات.

زيادة الإيرادات من الضرائب.

اتخاذ الإجراءات الرشيدة الكفيلة بحل مشكلة السيولة المالية.

المصادر:

موقع البنك الدولي.

موقع مصرف ليبيا المركزي

موقع ليبيا الخبر.

موقع عين ليبيا.

موقع قناة العربية.

المنظمة الليبية للسياسات والاستراتجيات.

وكالة الأنباْ الليبية.

صحيفة ليبيا المستقبل.

موقع أخبار ليبيا

منظمة الأمم المتحدة.

صحيفة المستقبل العربي.

كتاب التنمية والتخطيط.

كتاب التنمية والتخطيط الاقتصادي د. محمد علي الهوني

 

هدى عيسى الغول

باحثة مهتمة بالشأن الاقتصادي - ليبيا

 
هدى عيسى الغول
 
أرشيف الكاتب
الاقتصاد الليبي وخمس سنوات عُجاف
2017-01-14
المزيد

 
>>