First Published: 2017-01-16

في انتظار سايكس ـ بيكو... بحلته الجديدة

 

روسيا تريد حصتها في ما فاتها عند تقسيم المنطقة قبل 100 عام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

مرت في العام 2016 مئة سنة على اتفاق سايكس ـ بيكو الذي وزّع المنطقة الشرق الاوسطية بين بريطانيا وفرنسا، وهو توزيع كان مفترضا ان تكون روسيا شريكا ثالثا فيه لولا اندلاع الثورة البلشفية في 2017. جعلت الثورة البلشفية روسيا تنكفئ على نفسها وتترك الشرق الاوسط للبريطانيين والفرنسيين الذين اعتقدوا ان في استطاعتهم تحويل الشرق الوسط منطقة نفوذ لهم متجاهلين بداية صعود القوّة الاميركية التي ما لبثت ان وضعت حدّا لطموحاتهم في العام 1956. كان ذلك عندما أوقفت اميركا في عهد دوايت ايزنهاور حرب السويس فوفّرت انتصارا معنويا لجمال عبدالناصر الذي لم يدرك في ايّ وقت معنى الاعتراف بموازين القوى القائمة في العالم من جهة ومعنى التغييرات التي طرأت على هذا العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

استغلّ ناصر هذا الانتصار الوهمي لمصر كي يغيّر الخريطة السياسية للشرق الاوسط والتوازنات فيه لمصلحة أنظمة عسكرية تحوّلت مع الوقت الى ديكتاتوريات قضت على المجتمعات الحيّة في عدد لا بأس به من البلدان العربية، بما في ذلك مصر نفسها ودولة اخرى، لم تكن ولدت بعد، مثل اليمن الجنوبي الذي صار لاحقا، بعد الاستقلال في العام 1967، يحمل اسم "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية".

هل تستعيد روسيا في 2017 الدور الذي فاتها في 1917 وذلك بالمشاركة الفاعلة في اعادة تشكيل الشرق الاوسط؟ هذا السؤال يطرح نفسه بحدة قبل أيام من مؤتمر استانا عاصمة كازاخستان التي ستستضيف في الثالث والعشرين من الشهر الجاري المعنيين بالازمة السورية. سيكون بين الحضور، الى جانب روسيا طبعا، تركيا وايران والولايات المتحدة. صحيح ان المشاركة الاميركية في مؤتمر استانا، الذي هو قبل كلّ شيء فكرة روسية، ليس مضمونا بعد، لكنّ الصحيح أيضا ان الحل السياسي في سوريا، اذا كان هناك من حل، سينتظر مؤتمرا يعقد الشهر المقبل في جنيف برعاية من الامم المتحدة. سيكّرس مؤتمر جنيف العودة الروسية الى الشرق الاوسط عبر البوّابة السورية في ظلّ حضور أميركي مضمون.

بعد مئة عام على سايكس ـ بيكو، هناك عملية إعادة تصحيح له. لكنّ الشرق الاوسط الذي عرفناه طوال مئة عام لن يعود قائما. ستكون هناك عودة قويّة لروسيا اليه بموافقة أميركية هذه المرّة. هذا في حال تمت الصفقة بين فلاديمير بوتين وإدارة دونالد ترامب التي ليس ما يشير، اقلّه الى الآن، انّها تريد بقاء روسيا خارج الشرق الاوسط، خصوصا خارج الساحل السوري.

نجحت موسكو، عندما كان هناك الاتحاد السوفياتي حيّا يرزق، في العودة الى الشرق الاوسط في مرحلة ما بعد سايكس ـ بيكو. كان الاتحاد السوفياتي في مصر وسوريا والعراق. كان في ليبيا. كان خروجه من مصر في العام 1972، عندما طرد أنور السادات الخبراء الروس، مؤشرا الى بدء مرحلة الانحدار السوفياتي في الشرق الاوسط. كان للاتحاد السوفياتي أيضا موطئ قدم في شبه الجزيرة العربية. كان اليمن الجنوبي اقرب الى جرم يدور في الفلك السوفياتي. بقي الوضع على هذا المنوال حتّى مرحلة متقدّمة من عمر "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" التي انتهت في العام 1990 عندما قامت الوحدة اليمنية. ما كان للوحدة ان تقوم لولا انهيار دولة الجنوب نتيجة انهيار الاتحاد السوفياتي. ظهرت بوادر انهيار الاتحاد السوفياتي اوّل ما ظهرت في مثل هذه الايّام من العام 1986 عندما فشلت موسكو في منع الاقتتال الداخلي بين اجنحة السلطة في عدن من جهة وعجزها عن اخلاء مواطنيها من الجنوب اليمني من دون مساعدة الدول الغربية من جهة أخرى.

تمثّل عودة روسيا الى الشرق الاوسط، من خلال الدور العسكري لموسكو في سوريا، احياء لسايكس ـ بيكو بحلته الجديدة. ما تزال عملية احياء سايكس ـ بيكو في بدايتها. لا بدّ من انتظار ما ستستقر عليه الامور في سوريا والعراق وحتّى لبنان لمعرفة من ستكون القوى المهيمنة في المنطقة. الثابت الى الآن انّ الخاسر الاوّل من سايكس ـ بيكو الجديد هو الدول العربية عموما، الدول المشرقية على وجه التحديد إضافة الى مصر التي تقف حائرة حيال ما يدور في المنطقة. لم تعرف هذه الدول المحافظة على نفسها. دخلت في متاهات الانظمة الديكتاتورية التي قضت على المجتمعين العراقي والسوري. سيكون هناك دور لروسيا في سوريا. ولكن ماذا عن الدور الايراني في سوريا والعراق مستقبلا، وحتّى في لبنان؟ ماذا عن الدور التركي؟ ما هو موقع تركيا في المنطقة في ظل الحلف الجديد القائم بين موسكو وانقرة وفي ظلّ الطموحات الكردية التي تلقى آذانا صاغية في واشنطن؟

يظل السؤال الاهمّ مرتبطا بالدور الإسرائيلي، خصوصا في سوريا. ما كشفته الايّام الأخيرة، لمن كان لا يزال يستخف بالتعاون القائم بين روسيا وإسرائيل، ان الحلف بين روسيا وإسرائيل اعمق بكثير مما يعتقد. في استطاعة إسرائيل ان تضرب في الداخل السوري متى تشاء وحيث تشاء انطلاقا من التفاهم الذي توصل اليه فلاديمير بوتين وبنيامين نتانياهو. من يحتاج الى دليل على ذلك يستطيع العودة الى الضربة التي وجهتها إسرائيل الى المطار العسكري في منطقة المزّة التي هي من ضواحي دمشق.

ستكون السنة 2017 في غاية الاهمّية نظرا الى انها ستحدد الأسس التي سيقوم عليها سايكس ـ بيكو بنسخته الثانية التي تتميّز بالعودة الروسية الى الشرق الاوسط. لا شكّ انّ هذه العودة ستظل مرتبطة بما تريده إدارة ترامب. كذلك ستكون مرتبطة بمستقبل الوجود الايراني في سوريا والعراق ولبنان إضافة بالطبع الى ما تريده إسرائيل في سوريا. من شريك خائب في عدوان العام 1956 على مصر، الى منتصر في حرب العام 1967، الى مصرّ على احتلال الضفة الغربية، في معظمها، بما في ذلك القدس الشرقية، صارت إسرائيل التي سبق لها ان وقعت معاهدة سلام مع بلدين عربيين هما مصر والأردن، لاعبا أساسيا في سوريا. ستقرّر إسرائيل من سيكون على حدودها مع سوريا والترتيبات التي تريدها في تلك المنطقة. لن تكشف السنة 2017 كيفية ما ستكون عليه العودة الروسية الى الشرق الاوسط فحسب، ستكشف أيضا كيف سيكون الدور الإسرائيلي في سوريا في ظل التفاهمات بين انقرة وموسكو وفي ظلّ التنسيق الكامل بين بوتين ونتانياهو.

في ظلّ هذه المعادلة المختلفة التي تؤسس للنسخة الجديدة لسايكس ـ بيكو، أي دور سيكون لإيران في سوريا؟ هل تكتفي "الجمهورية الإسلامية"، التي لم تستطع تفادي الانهيار الكامل لنظام بشّار الأسد لولا اللجوء الى موسكو، بان تكون لاعبا ثانويا في هذا البلد متكلة على "حزب الله" والميليشيات المذهبية الأخرى التي استحضرتها الى سوريا... ام سيكون عليها مراجعة دورها بشكل جذري والاكتفاء بالتمسك بالورقة العراقية من منطلق مذهبي بحت؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
مرحلة الصواريخ الباليستية والميليشيات
2017-11-22
ابعد من استقالة... انّه مصير لبنان
2017-11-20
لبنان لن يغيّر جلده
2017-11-19
المصالحة الفلسطينية والامتحان القريب
2017-11-17
سعد الحريري... صدمتان وليس صدمة واحدة
2017-11-15
استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية
2017-11-13
قمر مغربي ينطلق من قاعدة ثابتة
2017-11-12
المأزق الكردي... مأزق عراقي ايضا
2017-11-10
ثورة في السعودية
2017-11-08
عندما يرفض لبنان تغطية سياسات ايران
2017-11-06
المزيد

 
>>