First Published: 2017-01-19

الصراعات والعمل الإنساني والإعمار

 

وسط الخراب الكبير الذي يعم ارجاء من العالم العربي، يبدو من الصعوبة أن يبرز مشروع مارشال عربي لإعادة بناء ما تهدم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الحروب والصراعات والتوترات التي تموج بها المنطقة العربية، لها زوايا عديدة، التمعن فيها يمكن أن يكشف عن جوانب كثيرة قد تكون غائبة عن البعض، ولعل البعد الإنساني أحد هذه الأوجه، التي تعبر عن عمق المآسي التي نشاهدها يوميا، ومن يستمع لمشاهدات البعض مباشرة، ربما يعيد النظر في مسلمات كان يعتقد في صحتها.

خلال يومي الاثنين والثلاثاء شاركت في ندوة عن النزاعات والعمل الإغاثي بدولة الكويت، بدعوة من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وكانت حافلة بالشهادات الحية التي تؤكد أن المسألة ليست بالسهولة التي كنا نتخيلها، فوراء كل قافلة مساعدات ومعونات، كتيبة بشرية تبذل جهدا خارقا لتوصيلها إلى مستحقيها من اللاجئين والمشردين والجوعى والمرضى في بلدان مختلفة، لأنه مطلوب من القائمين عليها أن يتجاوزوا سلسلة طويلة من العقبات الأمنية والسياسية والجغرافية، ومفروض أن تصل إلى أماكن بعيدة، بعضها تتحكم فيها جهات لا تريد أن يكون هناك شاهد عيان على ما ارتكبته وترتكبه من أعمال أقل ما توصف به أنها "ضد الإنسانية".

الصعوبة الحقيقية تكمن في التحول الحاصل في المفهوم العام للدور الإغاثي، الذي طرأت عليه تغيرات كبيرة، وجرى عبور الدور التقليدي المعروف، فقد كانت المجاعات في الصومال والسودان وجيبوتي واريتريا وبعض الدول الأفريقية الأخرى من أهم البؤر الجاذبة للمساعدات والإعلام، لكن الآن لم تعد هذه المنطقة تحتل حيزا من شواغل كثيرين.

لأن ما يدور في سوريا أصبح في مقدمة الإهتمامات الإقليمية والدولية في هذا الفضاء، الأمر الذي لا يخلو من أسباب سياسية، دفعت بعض الجهات للضغط إعلاميا لتحتل الأزمة السورية سلم الأولويات في المجال الإنساني، للتأثير على وجدان الشعوب، وإيجاد مبرر أخلاقي لتركيز حكام وقيادات كثيرة على تفاصيلها.

الكويت واحدة من الدول القليلة التي لم تشغلها هذه الجزئية المثيرة، وقامت بدور معتبر في سوريا وغيرها، فكما وصلت مساهماتها إلى حلب، دلفت أيضا إلى أفغانستان وشمال العراق وجنوب السودان والصومال وجيبوتي ودول كثيرة في قارات عدة، ووصلت قيمة ما قدمته خلال السنوات الماضية نحو 350 مليون دولار، وهو ما جعلها رائدة في مجال العمل الإغاثي والإنساني عموما.

متحدثون كثيرون ثمنوا هذا الدور، وأكد من قاموا عليه أو ساهموا فيه ووقفوا خلفه أنه نابع من حكمة وقناعة القيادة الكويتية بهذا الدور، وهو ما يكمل أدوات القوة الناعمة المعروفة منذ زمن عن الكويت، حيث قامت بجهود كبيرة في المجال الثقافي، جعلتها واحدة من الدول المؤثرة، ومكنتها من التواجد والحضور بصورة لافتة، لذلك تصب أعمال الإغاثة في هذا الجانب، فالمساعدات التي قدمت لدول متعددة وفي أماكن متفرقة، حفظت لهذه الدولة مكانة، جعلتها رائدة في مجالات عدة.

في حين هناك قوى إقليمية ودولية، تسعى لتصدر مشهد العمل الإنساني، لغسل يديها من جرائم حرب ارتكبتها أو التغطية على عمليات قذرة تستعد لها، وهو ما يُظهر حجم النفاق والتناقض والإزدواجية التي تطغى على أعمال البعض، أملا في الحصول على صك لإبراء الذمة من الانتهاكات التي أقدموا عليها، لذلك نجد أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا من أكثر الدول تدخلا في الصراعات والنزاعات، بشكل مباشر أو غير مباشر، وهي أيضا من أشدها حماسا للعمل الإغاثي، وتشدقا بالخطاب الإنساني.

اللافت للنظر أن دور المنظمات العاملة في هذا الحقل ازداد صعوبة في الوقت الراهن، لأن المساعدات التي يتم توصيلها لا تتم فقط وسط حروب وصراعات مزمنة، بل في خضم معاناة لوجستية قاسية تتحكم في مفاتيحها قوى وفصائل وحركات، ما يضاعف من أعباء المهمة، لأن القائمين عليها قد يضطرون إلى تقليص دورهم وحصره في مساعدات طفيفة تقدم إلى مناطق معينة، أو يستجيبون لأفكار غير مفهومة أو مهضومة.

في كل الأحوال، تمكن الهلال الأحمر الكويتي من أن يتخطى صعاب كثيرة، ويقدم مساعداته وسط ضجيج النيران المادية والمعنوية، ويتخطى حزمة كبيرة من التعقيدات، تعزز الدور الإنساني الذي يقوم به منذ زمن، خاصة بعد نجاحه في توسيع المفهوم الإغاثي، من المساعدات التقليدية، متمثلة في توفير المأكل والمشرب والملبس والدواء، إلى محو الأمية والتعليم وبناء مساكن ومستشفيات.

الحديث عن النزاعات فرض طقوسه على الندوة الكويتية، وجعل الجلسة المخصصة لقضية إعادة الإعمار على خلفية النزاعات تبدو ساخنة، لأنها ركزت بشكل أساسي على ما يدور في سوريا، ومع أن بعض المتحدثين (من سوريا) ظهرت على طروحاتهم مواقف أيديولوجية، وربما يكون هذا حقهم، لكن المشكلة أن هذه المواقف طغت أحيانا على رؤيتهم العلمية، مع تسليمنا بوجود مأساة إنسانية حقيقية في سوريا، والانصاف يفرض القول أن هناك جهات عديدة مسئولة عنها، من بينها أخطاء بشعة ارتكبها النظام السوري وغيره من القوى الفاعلة على الأرض، وركزت مشاركتي في هذه الجلسة الساخنة على ثلاثة نقاط رئيسية.

الأولى، أن مشروع مارشال الذي مولته الولايات المتحدة لإعادة إعمار أوروبا، عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان مشروعا ينطوي على رؤية إستراتيجية شاملة، ولم يتكرر مرة أخرى، وله جملة من الأهداف التي تحافظ على المصالح الأميركية، والجهود التالية له كانت لها صبغة فردية، بمعنى أن الإعمار اقتصر على هذه الدولة أو تلك، وغالبيتها لم تنجح بصورة كاملة، بسبب وجود معوقات، تتعلق بالدول المانحة أو الممنوحة.

الثانية، تجارب إعادة الإعمار في المنطقة العربية واجهها فشلا ذريعا، من فلسطين وحتى الصومال، وربما نجحت في جنوب لبنان لأسباب تتعلق بالجهة الرئيسية المانحة (إيران) والتي كانت حريصة على تقوية النفوذ الاجتماعي لحزب الله، ومتوقع أن تكون المشكلة أشد مرارة في سوريا واليمن، وشككت في إمكانية إعادة تجربة مشروع مارشال في المنطقة العربية، للخصوصية التي تمتع بها، وتغير الأهداف والبيئة المعقدة وكثرة اللاعبين والمتنافسين وتضارب التقديرات.

الثالثة، أن عملية الإعمار وتحديد الجهة القائمة عليها، لها علاقة وثيقة بأوزان القوى الفاعلة في الصراعات والنزاعات، لأن إعادة التأهيل محكومة باعتبارات إستراتيجية، وبالتالي فروسيا مثلا سوف تمتلك مفاتيح الحل والعقد في مسألة إعمار سوريا، كما هيمنت على الحرب وحسمتها على طريقتها، وهي الآن تمسك بخيوط كثيرة في عملية التسوية السياسية، وبالتالي يمكن أن يكون هذا الملف بمثابة حقل ألغام جديد، تتصادم فيه الطموحات والحسابات، بدلا من أن تلتقي عند قاعدة مشتركة.

 

محمد أبو الفضل

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

هل سمعت ان الصحراء تغيث السهول الخضراء بالماء ؟ ؟ ؟هل سمعت أن البعثرة البشرية في الصحراء تشفق على التجمعات البشرية في مدن الضوضاء؟ ؟ ؟ هل سمعت ان المرأة القبيحة تقتطع من جمالها لكي تهبه لامرأة أجمل منها ؟ ؟ ؟ قرن النفط والنفط.

2017-01-21

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>