First Published: 2017-09-04

مع 'أميبا' صفاء النجار في مدخل 'الحور العين'

 

امرأة جميلة الجسد قبيحة الوجه تؤمن بأن جسدها سندها ونقطة تفوقها، وبأن مِن حقها أن تظهره كما تظهر وجهها الذي هو نقطة ضعفها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد محمد السنباطي

تتحمل باقي أيام الاسبوع حتى يأتي يوم الأربعاء

اختارت القاصة صفاء النجار "الأميبا" عنوانا لقصتها الأولى في مجموعتها "الحور العين تفصص البسلة" الصادرة عن دار روافد عام 2017.

والقصة في موجزها: امرأة جميلة الجسد قبيحة الوجه تؤمن بأن جسدها سندها ونقطة تفوقها، وبأن مِن حقها أن تظهره كما تظهر وجهها الذي هو نقطة ضعفها. ومهما حاولوا إخفاء الجسد وتكبيله فإن صديقها الماء سيرغم الثياب بالبلل أن تفصح عن الكنوز المخبوءة فيه.

هذا هو الموجز، وأما الأنباء بالتفصيل فإنها بحجم الكون وبامتداد الديمومة؛ فلقد اختارت القاصة أن تحمم هذا الجسد بماء الأساطير وأن تعطره بالبخور الكوني المتموج في اندفاقاته السحرية، دفاعًا عن قضيتها الأنثوية الخالدة.

فعلى امتداد مواطن الثقافة الذكورية، تعاني المرأة ضروبًا من التهميش والنظرة الدونية، وكأنما هي كائن بلا روح ولا إحساس ولا مشاعر، وحتى في لغتنا الجميلة إذا دققنا وجدنا أن كلمة "إناث" قد تعني "الموات" أي الجماد عكس الحيوان. والقرآن الكريم في سورة النساء 117 خيرُ شاهدٍ على ذلك {إن يدعون من دونه إلا إناثا...} أراد إلا مواتًا مثل الحجر والخشب، وقال مفسرون: "لأن الإناث أدوَنُ الجنسين كما أن الموات أرذل من الحيوان" هكذا؟!

وكان العرب يشبهون المرأة بغمد السيف أو جفن السلاح مما يشي بأن لا قيمة لها في الحياة إلا أن يأوي إليها السيف بعد عناء القتال والصولان والجولان في رقاب الخصوم فيطعنها. ألا يوصف الجماع في كلام العرب بأنه "الطعن"؟!

وعليه فمَن يدافع عن الأنثى إن لم تجدّ المبدعاتُ من النساء في عرض قضاياهن بأجمل الأساليب وأرقاها دون تشنج أو جعجعة؟ وهل كالقصة الحديثة وفنياتها راية ترفرف في آفاق هذا الطريق؟

***

وهكذا تفاجئنا القاصة القديرة بابتداع يوم من أيام الأسبوع هو الأربعاء فتجعله أسطوريًّا، اختارته مغايرًا للسبت اليهودي والأحد المسيحي والجمعة الإسلامي، ربما لتبتعد بالقصة عما هو ديني مقدس، وإن كانت أقرب إلى ميثولوجيا العهد القديم باستخدامها لكلمة الرب مراتٍ في معرض حديثها عن الخلق، ربما لترمي بشبكتها في يم غير الذي تسبح فيه التماسيح فاغرة أفواهها.

نقرأ السطور الأولى من القصة:

"كان الأربعاء يومها الأسطوري الذى خلقها فيه الرب، وكانت حياتها ستتخذ مسارا مختلفا بما لا يلفت انتباه قاصة مثلي أو قراء مثلكم، لولا أن الله رق لحالها قبل أن ينفخ فيها من روحه، عندما رأى وجهها المنتفخ كوحمة حمراء بعينين جاحظتين وأنف أفطس، فعاتب الملاك الذى كانت بين يديه ولمسها بيده المباركة، ومنحها ساقين رخاميتين، ومؤخرة مرمرية، وترك الصدر والبطن كما نحتهما الملاك، وسيكون على البنت حين يتفتح نوار ثدييها أن تؤدى كل صباح تمرين ضغط الكرة للحائط ثلاثين مرة، وتمرين شد البطن عشرين مرة فقط. وكانت هذه التمارين صلاتها الدائمة التي تعبر عن امتنانها العميق للحظات التي يتدخل فيها الرب ليحميها من عبث الآخرين، وكلما ضاقت بها الحياة استحضرت هذه اللحظة الفاصلة، وجاشت روحها بمحبة تغلف الاَخرين بطبقة رقيقة تلطف قسوتهم عليها. حتى زوجة أخيها التي تعد أيامها، وتنبهها كل مساء إلى أن يوما قد مضى ولم يتقدم أحد لخطبتها، وأنها ستخسر الرهان فى النهاية، ويكون عليها أن تكف عن أداء هذه التمارين، وتوفر ثمن الجيبات القصيرة الضيقة، والشرابات النايلون التي تنسل بعد أول لبسة، والبلوزات المكسمة."

تجري السنون بهذه الفتاة فإذا بها في الثلاثين من عمرها عندما جاءها من يخطبونها، وإذا بتلك التي ستصبح حماتها بعد ستة أشهر تكاد تنفض يدها منها لولا أن رأت (رجليها وبدنها!)

أخيرًا ينتصر الجسد ويقول كلمته بعد أن أحكم وضع الطعم في الشص ليصطاد عريسًا، فلقد انبهر بها الرجل انبهار المراهقين المحيطين بأقفاص القردة بمشاهدة مؤخراتها التي تذهب من الأحمر الفاقع إلى البنفسجي الصدفي كما لاحظ جان ليك هينيج، وإن كانت القردة لا تشعر بوجود الصِّبية إلا أن بطلة قصتنا كانت تستمتع فـ (فتنشر عطرها الخاص الذى يجمع بين طزاجة الندى وبراءة "بودرة التلك").

ونلاحظ استخدام القاصة للعدد ستة الذي يذكرها بأيام المعاناة الستة حتى لكأن الأسبوع استحال إلى ستة أيام عناء وشظف وإن كانت موقنة بأن الأربعاء قادم كالربيع. نقرأ:

"وكان الأربعاء الذى تخرج فيه مع خطيبها قادرا على تفتيح زهور زهوها، وإنعاش خلاياها"

حتى جاءت الصدمة:

"وفى اَخر فسحة لهما نبه عليها بأن هذا آخر عهدها بالضيق و"المحزق"، الآن هى حرة ولكن بعد الزواج سيكون مسؤولا عنها وسيُحاسب على أفعالها، حاولت أن تشرح له معجزتها، لوح لها بدبلتها، فاستسلمت، وساعدتها زوجة أخيها على اختيار العباءات الفضفاضة".

حتى وصلها الإنذار:

"وفى اَخر فسحة لهما نبه عليها بأن هذا آخر عهدها بالضيّق و"المحزق"، الآن هى حرة ولكن بعد الزواج سيكون مسؤولا عنها وسيُحاسب على أفعالها، حاولت أن تشرح له معجزتها، لوح لها بدبلتها، فاستسلمت، وساعدتها زوجة أخيها على اختيار العباءات الفضفاضة".

وللقارئ أن يدرك أن ذلك الخاطب ارتضى بها زوجة بتوصية من جسدها حيث "تجلت صنعة الرب تحت الشراب البيج والجيبة الزيتونية" ومن حقه أيضًا أن يقول إن طبيعته الشهوانية الجسدانية هي التي اختارتها رغم دمامة وجهها.

وهكذا صورت صفاء النجار ليالي تلك المرأة وصباحاتها:

تبدأ بالليالي:

"في مساءاتها كانت تنسحق تحت كرشه الضخم وتنبعج تحته كقطعة عجين تتمدد أطرافها تحت ضغط أصابع فرَان لا يحب صنعته، فاستوعبت أخيرا أنه لم يكن هناك فائدة من تسابقها مع زميلتها أيتهما ترسم الشكل الصحيح للأميبا، فكما قالت المعلمة:

- الأميبا ليس لها شكل محدد".

لقد نجحت صفاء النجار في رسم صورة الطاعن والمطعون، والفعل المضارع (تنسحق) خير شاهد على ذلك وخصوصا عندما يلاحقه الفعل الثاني (تنبعج) ثم في التشبيه الساحق الماحق (تحت ضغط أصابع فرَان لا يحب صنعته) حتى تتحول الأنثى المسكينة إلى اللاشكل أو إلى شكل الـ (أميبا)!

هكذا يتهاوى مجد الجسد رفيع المكانة لدى هذه المرأة المطحونة. يتزلزل عرشه وينهار. وبالطبع لا يدرك هذا "الذَّكَر" النورَ الذي يشع من روح هذه "الأنثى" ولا الجماليات التي كانت تطمح إلى أن تزفَّ بها فوق عرش السحاب. أو بأسلوب الكاتبة: "كانت هناك امرأة يملؤها حدس يقينى أن الشمس تشرق من قلبها، وأن ما تصعد إلى كبد السماء الآن إنما هى إشراقة روحها" حيث تنعدم المسافة بين الروح والجسد.

ثم تثنِّي القاصَّة بالصباحات:

"وفى صباحاتها كانت تتدحرج من تحت مخدتها ست حبات من اللؤلؤ الأسود وتظل تبحث عن الحبة السابعة دون أن تجدها".

في الجملة الخاصة بالصباحات تتجلى ذروة موهبة القاصة صفاء النجار وكيفية إدارتها للأحداث، وما تلكم الحبات اللؤلئية سوى أيام الشقاء الأسبوعية الستة، ووصف الحبات بالسواد إشارة إلى تعاسة بطلة القصة، واختيار اللؤلؤ كنوع من الحَب إشارة إلى الدموع وسواد اللؤلؤ تحصل عليه من جريان كحل العين فيه.

وهكذا يستمر انهمار الإبداع:

"احتاجت إلى ستة أعوام وطفل كي تدرك أن هناك حبة لؤلؤة سوداء ناقصة، لكن الرب الذى يعلم تماما ما نحتاج إليه منحها أربعاء جديدا".

هذا التكثيف الناعم، وتلك الإشارة الإبداعية المتقنة، يعقبهما شيء من التوضيح غير السطحي وغير المبتذل بطبيعة الحال:

"لكن الرب الذى يعلم تمامًا ما نحتاج إليه منحها أربعاء جديدا".

لكن كيف؟

هنا يبدأ انحلال العقدة...

هنا رؤيتها لحقيقة جسدانيتها في المرآة، وبدء صداقتها مع الماء، واكتشافها لذلك "الحدس اليقيني" الذي ينبجس مشرقا من قلبها.

أجل.

ها هو جسدها الجميل يشرق من خلل السحاب قمرا مكتمل النضج مثقلا بالجمال. وها هي صفاء النجار بحِرفيتها تتنقل بنا في خفة الرشأ وارتشافات العصفور الوجل وانسراب فراشة فتنها الربيع:

"في هذا الصباح لم تفعل جديدا، فقط أخذت تراقب ما يحدث، فارتدت جلباب الغسيل الأزرق ووضعت الدور الأول - غيارات زوجها الداخلية - وقبل أن تضغط على مفتاح تشغيل الغسالة نشفت يدها فى جلبابها سامحة للماء أن يبل جلبابها بعفوية ومهارة (دون جوان) يعرف جيدا المواطن التى عليه لمسها، وبحذق مثَال ينحت قطعته الفنية الأخيرة. عادة ما يبدأ الماء بتخطيط سكتش عندما تعصر ملاءة السرير الثقيلة.. تلتقط أحد أطرافها من الماء.. تعصره.. تسحبه ببطء.. تلفه حول ذراعها.. تصل إلى الطرف الغارق في الماء.. يستقر جزء من الملاءة على كتفها الأيمن.. تلويها ككتلة واحدة.. تتحكم فى عصرها لتتساقط آخر ما بها من قطرات على الجلباب الأزرق، تضعها في البانيو تفرشها فى مياهه.. تضغطها للتخلص من باقي مسحوق الغسيل.. تنتهي من العصرة الأخيرة، حينها يكون الماء قد حدد الخطوط الأساسية لتمثاله.. بلل كبير يمتد من صدرها الى أسفل سرتها، ومع كل دور من الغسيل تزداد مهارة الماء في نحت تفاصيلها، ويزداد الجلباب الأزرق التصاقا بها، أحيانا كثيرة تتواطأ هي مع الماء كي يسرع في إبراز تحفته فتسقط على مؤخرتها وهي تشطف الغسيل أو تزهره، وتعيد مسح يديها المبلولة في جلبابها قبل أن تضغط على مفتاح تشغيل الغسالة".

وكانت النتيجة فاجعة بهدوء، ضاربة بحنان، مدمدمة بهمس وكأنما عادت المرأة إلى وعيها الأول بجسدها، وعيها البدائي لكنه مكلل بالنور، وعيها بالشيء في ذاته لكنه متصالح مع الماء، وعيها بإحساسها الخالص المنحاز إلى ما يشع الضوء من جسدها وروحها على السواء. وإذا كانت فينوس تستمتع بمشاهدة جسدها العاري في المرآة فإن بطلة قصتنا كان لها رأي آخر:

"تخرج لتنشر غسيلها بجلبابها المبلول على اللحم، عندما تنتهى تغلق الشرفة.. تطفئ الإضاءة.. تخلع جلبابها.... تسترجع صورتها.. وحدها مع جسدها... يتبادلان حديثا سريا حميما يجعلها تتحمل باقي أيام الاسبوع حتى يأتي يوم الأربعاء".

 

اتفاق إماراتي مصري على زيادة التنسيق لدرء مخاطر الإرهاب

استفتاء الأكراد ينذر بتجدد الصراع في طوز خرماتو العراقية

إجراءات تركية وإيرانية تمهد لخنق كردستان العراق اقتصاديا

علاوي يطالب البارزاني بتجميد نتائج الاستفتاء

صخب في شوارع كركوك وفتور في التصويت على الانفصال

الطيران التركي يهاجم شمال العراق مع بدء استفتاء الأكراد

طائرات ايرانية بلا طيار فوق حدود سوريا والعراق

الامارات تثبّت الساعة صفر لتشغيل أول مفاعل نووي في الخليج

أكراد العراق يقترعون على الانفصال في رهان محفوف بالمخاطر

بغداد تطالب الأكراد بتسليم المطارات والمعابر ووقف تجارة النفط

السيسي في الإمارات لتعزيز التعاون والتنسيق بين القاهرة وأبوظبي

غارات أميركية تقتل 17 من الدولة الاسلامية بالصحراء الليبية

البارزاني يرسم حدود العلاقة مع بغداد بعد استفتاء الانفصال

مخاوف أمنية تدفع البشمركة لإغلاق طريق الموصل اربيل

بنك حكومي فرنسي يجازف بتمويل مشاريع في إيران

التزام مصري كامل بتقديم قتلة ريجني للعدالة

تأهب أمني في طرابلس وسط مخاوف من موجة عنف

تصعيد إيراني بحظر الرحلات الجوية مع كردستان العراق

قناعة أممية بوجود فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار في ليبيا

رسائل عسكرية ايرانية على تخوم كردستان العراق قبيل الاستفتاء


 
>>