First Published: 2017-09-28

مصير الأكراد وجنوب السودان

 

العبر والدروس التي يقدمها نموذج جنوب السودان تجعل مصير الأكراد في مهب الريح.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

ما يريده أكراد العراق ليس بدعة تاريخية ولا رغبة محرمة سياسيا، فقد سبقتهم جماعات وطوائف وأقاليم كثيرة، منهم من فشل وعاد يكافح لتحقيق حلمه ولا يزال، ومنهم من نجح في تقرير المصير والوصول إلى نقطة الاستقلال.

المشكلة أن الانفصال عندما يتحول إلى هدف في حد ذاته وعنوان مطاط يدغدغ به الساسة مشاعر المواطنين، يواجه أزمات معقدة ويجلب لأصحابه مشكلات مركبة، وفي ظل تجاهل مقومات الدولة والتحديات الداخلية التي تواجهها وعدم الاعتداد بطبيعة البيئة الإقليمية، من السهولة أن يصطدم الحلم بالواقع ويتحول إلى أزمة أو على الأقل تكوين دولة تحمل كل عوامل الفشل.

تجربة جنوب السودان تقف شاهدا وناضل ساستها وعسكريوها ومواطنوها عقودا طويلة وفازوا في النهاية بالاستقلال عن السودان، وتلقوا دعما كبيرا من جهات إقليمية ودولية عدة، لكنهم حولوا الإقليم إلى دولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى لمقومات الحياة، ولم يمر أكثر من عامين على الانفصال وبدت التجاذبات والخلافات وملامح الحرب الأهلية تلوح في الأفق، ولا يزال سعيرها يحرق يوميا أعدادا كبيرة من المواطنين، ولا أحد يعلم متى سينتهي الاقتتال؟

حالة أكراد العراق أشد ضراوة، فالاستفتاء على تقرير المصير وجد ممانعة ظاهرة من جانب قوى إقليمية ودولية كبيرة، ويواجه بانقسام داخلي واضح بين مؤيدي الانفصال ورافضيه، فليس كافيا أن تمتلك الرغبة وتعلن الإرادة ولديك التأييد المحلي، ففي الأجواء الحالية من الضروري أن تقبض على مفاتيح الحل للبقاء والاستمرار.

تشابكات جنوب السودان الإقليمية أقل حدة من أكراد العراق، والقبائل الممتدة في الإقليم لا تربطها أواصر قوية تهدد الدول المجاورة، وتفتقر الكثافة العددية اللافتة، والأهم لم يعرف عن طوائف جنوب السودان أنها تخفي أجندة تسعى نحو الاستقلال.

مع ذلك بمجرد نشوب الحرب الأهلية هبط على الجنوب جنود من أوغندا وسخرت إثيوبيا إمكانياتها وتسللت عبر قوات حفظ السلام الدولية وأوجدت لها قدما تحت مظلة أممية للحفاظ على مصالحها ومنع امتداد شرارات الحرب إليها، وانخرطت كينيا، من وراء ستار تارة وعلانية تارة أخرى، في بعض جوانب الصراع، وحشدت أدواتها السياسية والأمنية لضبط مساراته بالصورة التي تبعدها عن تداعياته السلبية.

السودان نفسه انتهز الفرصة وحاول إعادة ما سلبه منه الاستقلال بهدوء عن طريق العودة إلى العزف على أوتار الحرب، والتي بدأ يدق عليها بقوة في مناطق التماس والأقاليم الحدودية، وتحولت دولة جنوب السودان من حلم إلى كابوس يؤرق أصحابه قبل خصومه، حتى ندمت عليه دول حرضت على الانفصال، بعد أن جعلته خيارا وحيدا، اعتقادا منها أنه سينهي مأساة الصراع بين شمال وجنوب السودان، وجعلت من الظلم الذي وقع على سكانه لعقود طويلة مدخلا للاستقلال.

المشهد مع أكراد العراق سوف يكون أشد وعورة، وكل المؤشرات المعلنة تؤكد أن دول الجوار، إيران وتركيا وسوريا فضلا عن العراق، تشحذ همهها للبحث عن آليات مناسبة للانتقام، وهي دول لديها الكثير من الأدوات التي تؤهلها لجعل الانتقام مميتا، من النواحي الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

كان رهان جنوب السودان على أن الانفصال وحده كبيرا وأنه سوف يفتح أمام الدولة الجديدة الأبواب المغلقة، والنفط الوفير في باطن أرضه كفيل أن يحول الدولة الفقيرة إلى غنية، وتغافلت قيادته السياسية عمدا عن تركيبة البيئة الداخلية الهشة والتي تقوم على أساس قبلي تصعب معه الحلول الحضارية، فما بالك إذا غابت أصلا الأخيرة؟

كما أن الدول التي وعدت وحرضت وأيدت ودعمت الجنوب، تلاشت رغبتها بعد أن ظهرت نذر الحرب الأهلية، وتقاعست عن تقديم المساعدات اللازمة لإنقاذ أرواح مئات الآلاف من البشر، وتركتهم نهبا للفقر والجوع والمرض، وحتى الأمنيات التي داعبت بعض القوى لتحويل جنوب السودان إلى أداة أمنية لضبط إيقاع الأوضاع في شرق أفريقيا تبخرت، والأحلام التي راودتهم لجعلها نموذجا اقتصاديا توارت مع أول صاروخ أطلقه أنصار رياك مشار على قصر خصمه الرئيس سيلفا كير في جوبا.

العبر والدروس التي يقدمها نموذج جنوب السودان تجعل مصير الأكراد في مهب الريح، فإذا كان رهان رئيس الإقليم مسعود البارزاني على وحدة شعبه وترابط قواه الحية، هناك ميراث طويل من الخلافات والمرارات والاقتتال والصراعات يشكك في استمرار ما يظهر على السطح من تماسك.

وإذا كانت لديه ثقة في أن الدولة المنتظرة سوف تلقى دعما وفيرا من إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما لتأديب إيران والحد من نفوذها في المنطقة وتطويق سوريا والضغط على تركيا، فقد خاب ظنه، لأن المعادلات والتوازنات الحالية يمكن أن تتغير، ويدخل أكراد العراق محنة جديدة لن تقل ضراوة عن المحن السابقة، وربما تزيد، في وقت تعيش فيه المنطقة وسط حروب مترامية وتحالفات متقلبة.

وإذا كان مؤيدو الاستفتاء مرتاحين للمواجهة التي تخوضها دول عدة ضد تنظيم داعش الإرهابي، فإن داعش رقم مهم في المنطقة يتلاعب به من صنعوه لتحقيق أهدافهم، وتلك المعركة لن تستمر روافدها طويلا في العراق، وبدأت ملامحها تتقلص مؤخرا في أراضيه، ما يعني أن الأكراد وصلوا إلى نقطة لن يغمض فيها جفن لخصومهم، فأزمتهم إستراتيجية بامتياز ولن تتحول إلى مشكلة هامشية، ومن الصعوبة أن تتجاهلها الدول المتضررة من خسائر الانفصال.

وإذا قدر للاستفتاء الذي أجراه أكراد العراق الوصول إلى محطته النهائية وهي الاستقلال، فالمتوقع أن تواجه الدولة التي تحمل عوامل فشلها مصيرا قاسيا، فجنوب السودان وسط كل احتقاناته وأزماته لم يطالب أحد بجدية عودته إلى حضن السودان الأم، لكن في حالة الأكراد الوضع سوف يكون أشد سوادا، فمن الممكن أن يتعرض الإقليم إلى عقوبات إقليمية تزيده انقساما وتدهورا، وتجعل حلم الدولة كابوسا يصعب التفكير فيه مرة أخرى مستقبلا. فهل درس البارزاني وأعوانه هذه المخاوف جيدا واستفادوا من مصير جنوب السودان؟

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
عندما تأكل الأفاعي بعضها
2017-12-07
الخرطوم.. غزل ومكايدات سياسية
2017-11-30
الفرار من الحرب في لبنان
2017-11-23
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
المزيد

 
>>