First Published: 2018-01-18

معضلة الفكر السياسي العربي في تقديسه للتاريخ

 

صحيح أن المصلحين العرب قادوا حركة إصلاحية لا تخلو من الجرأة في مجتمعات غرقت في الفكر الفقهي النقلي، ولكن الصحيح أيضا أن غالبية المصلحين كانوا مصابين بما يمكن أن نسميه الرهاب الفكري سواء في قراءاتهم للمورث العربي أو في قراءاتهم للفكر الغربي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: منور مليتي

في العام 1869 كتب المصلح خيرالدين التونسي كتابا تحت عنوان "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" ضمنه رؤيته لإصلاح الإيالة التونسية التابعة للدولة العثمانية بعد زيارات أداها لعدد من البلدان الأوروبية، وهي رؤية تراوح بين استثمار الجوانب الإيجابية من إرث الفكر السياسي العربي وبين الفكر السياسي الغربي.

وعلى الرغم من أهمية الكتاب الذي يتخذ منه الباحثون التونسيون والعرب مرجعا لتفسير نشأة الفكر الإصلاحي في المنطقة العربية فقد اكتفت رؤية خيرالدين التونسي بنوع من العرض المقارن بين تخلف العرب وتقدم الغرب دون أن يقدم مقاربة عميقة إصلاحية تحديثية.

واستبطن الكتاب وهنا ظل يلاحق الفكر السياسي التونسي العربي عموما طيلة القرن ونصف القرن يتمثل في عجز لافت عن تحويل مفهوم الكتابة من السرد والمقارنة التسطيحية إلى عملية فكرية منتجة للأفكار وللمقاربات في منطقة عربية ما زالت إلى حد الآن تتحسس صناعة تاريخ متأصل في عراقته ومنفتح على منظومة من القيم الكونية باتت تفرض نفسها فرضا لا على العرب فقط وإنما على بقية شعوب العالم.

صحيح أن المصلحين العرب قادوا حركة إصلاحية لا تخلو من الجرأة في مجتمعات غرقت في الفكر الفقهي النقلي المعنعن ومتوجسة من أي رجة فكرية أو ثقافية أو سياسية، ولكن الصحيح أيضا أن غالبية المصلحين كانوا مصابين بما يمكن أن نسميه الرهاب الفكري سواء في قراءاتهم للمورث العربي أو في قراءاتهم للفكر الغربي.

ويبدو ان المقارنة عمقت حالة الرهاب إذ وجد المصلحون أنفسهم بين قداسة الفكر الفقهي العربي الذي يرتهن للعقائدية الدينية وبين جرأة فكر غربي متحرر من أي شكل من اشكال القداسة بعد أن انتصر على سطوة الثقافة المسيحية الكنائسية.

حين نعود إلى كتابات ابرز المفكرين الغربيين، والألماني ماكس فيبر واحد منهم، نلمس مفهوما واضحا لعملية التفكير إذ يعتبر فيبر الذي قدم مقاربة فلسفية مناقضة تماما لمقاربة كارل مارس، أن الأفكار تعد محركا للتاريخ ولا تقتصر على قراءته وهو يرى أن صناعة التاريخ لا يمكن أن تتم إلا في إطار عقل منتج للأفكار والمقاربات.

وخلافا للفكر الماركسي الذي لا يرى في الأفكار سوى نتاج للموقع المادي، يرى فيبر أن الأفكار تتحول حين تتبناها الشعوب أو الدول إلى قوى تحرك التاريخ بل تحرك البنية التحتية المادية لتصنع تاريخا حديثا على أنقاض التاريخ الساكن.

ويبدو أن الفكر السياسي العربي لم يولِ نفس الأهمية لفكر ومقاربات ماكس فيبر التي أولاها لفكر ومقاربات كارل ماركس إذ أنه حول الفكر الماركسي إلى أيديولوجيا تعبوية وجوفه من عمقه العلمي، ولم ينتبه إلى أن ثراء الفكر الغربي أملى نظرية متكاملة تؤمن بأن الفكر المنتج هو أيضا آلية من الآليات التي تصنع تاريخ الشعوب.

وحين نعود إلى الفكر السياسي العربي نقف على حقيقة مرة كثيرا ما كانت وراء تدني تأثير المفكرين في المسارات السياسية في المنطقة العربية، حقيقة مفادها أن مفهوم الفكر لا يستبطن عملية انتاج الأفكار والمقاربات وحتى النظريات وإنما يستبطن في أحسن الأحوال الاقتصار على التفسير والتأويل والمقارنات وشرح المقاربات.

وعلى امتداد الموجة الإصلاحية العربية لا نكاد نعثر على مفكر واحد مشابه للمفكر ابن خلدون الذي أسس نظرية مفهوم الدولة العربية من خلال قراءاته للتاريخ السياسي العربي، غالبية المفكرين العرب إن لم نقل كلهم لم يتمكنوا من تحويل مهنة الكتابة من مفهوها التقليدي إلى عملية إنتاجية متحررة من سطوة قداسة الثقافة الفقهية.

بالتأكيد لم يكن ذلك لا بإرادة منهم ولا عجزا وإنما كانت عملية التفكير تتم تحت سطوة الإرث الفقي الديني الذي يعتبر الفكرة الجديدة والخارجة عن قداسته نوعا من البدعة بلغة الفقهاء وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار حتى أن المفكرين العرب بدوا كما لو أنهم يكتبون وسيف القداسة مسلط على رقابهم.

وفيما كانت المنطقة العربية تتحسس بناء دول سيادية تمتلك مشروعا إما قطريا وطنيا أو قوميا عربيا يقودها السياسيون اكتفى المفكرون العرب في أفضل الأحوال بالتنظير للمشاريع في مسعى يهدف إلى إضفاء الشرعية عليها فيما اختار مفكرون آخرون أو أجبروا على الكتابة في فضاءات هامشية تفتقد لأي تأثير على المشاريع.

وعلى الرغم من أن المقارنة بين الفكر العربي والفكر الغربي من شأنها ان تدفع المفكرين العرب إلى مراجعة مفهوم التفكير في حد ذاته فقد اكتفى المفكرين العرب بالمقارنة السطحية منتهجين منطق الحذر ومرتهنين لمنطق النقل لا النقد ولم يتسلحوا بجرأة اختراق مرجعيات، ويبدو الموروث الثقافي بصفة عامة يحظى بقداسة لا يمكن ملامستها أو الاقتراب منها كما لو أنها ليست نتاجا بشريا لواقع موضوعي عابر.

ساهم الفكر الغربي خاصة في أعقاب الثورة الفرنسية في تأطير مسار الدولة وتحوّل إلى معايير توجيه وإلى قوة ضغط تفرض نفسها على مهنة السياسة وجعل من الأفكار سلطة تهابها الطبقة السياسية وحتى المؤسسات العسكرية والأمنية. أما في المنطقة العربية فقد فشل الفكر في مواجهة الدولة أو حتى في إنتاج مقاربات من شأنها أن تساهم بفاعلية في مشاريع الدول الوطنية والقطرية والدول القومية.

تبدو معضلة الفكر السياسي العربي في بنيته وإن كنا على وعي بأنها تكمن أيضا في الاستبداد الديني الذي فتك حتى بالفقهاء، وهي بنية هشة ومهزوزة أجهضت على عملية إنتاج أفكار مستحدثة من شأنها أن تسند عملية التحديث السياسي والاجتماعي والثقافي التي قادتها دول المنطقة منذ منتصف القرن العشرين لتفسح المجال واسعا أمام القوى السياسية للاستحواذ على تحريك التاريخ العربي بناء على رؤية سياسية تكاد تكون مجردة من أي مقاربات فكرية متحررة من سطوة المهن السياسية.

وإلى اليوم مازال الفكر السياسي العربي منطويا على وهم قداسة التاريخ ويعيش على هامش العمليات السياسية التي تقودها الدول ليفرض على نفسه نوعا من العزلة ويعيش على هوامش التاريخ دون أن نتجاهل أن التموقع في الهوامش ساهمت فيه إلى حد كبير الدولة العربية التي لا ترى في إنتاج الأفكار سوى سلاح خطير موجه ضدها.

لكن التاريخ لا يرحم ولا يقبل الاعذار والمبررات خاصة في مثل هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها دول المنطقة العربية متحسسة الطرق الكفيلة بتأمين استقرارها وأدائها وهو ما يملي على المفكرين السياسيين العرب كسر حاجز قداسة الإرث الثقافي وكسر حاجز الخوف السياسي في الآن معا والوعي بأن الفكر صناعة ومهنة لا يكمن دورها في مساندة الأنظمة ولا في معارضتها وإنما يكمن في إنتاج فكر سياسي حديث ومستحدث يساهم بنجاعة في صناعة تاريخ جديد بمنطقة تكاد تفقد تاريخها العريق.

تبدو معضلة تقديس التاريخ بكل جلاء في استنكاف المفكرين العرب عن تفكيك العديد من المحطات التاريخية المفصلية ومقدمتها الفتنة الكبرى بين معاوية ابن أبي سفيان وعلي ابن أبي طالب، باستثناء المفكر التونسي هشام جعيد إلى حد معرفتي، إذ تبدو تلك الفتنة خطا أحمرا لا يجب الاقتراب منه حتى ان عددا من الفقهاء يحرمون تفكيكها.

هكذا تبدو معضلة الفكر السياسي العربي في تقديسه للتاريخ بتراكماته الفقهية والأدبية كما لو أنه حقيقة ثابتة ومطلقة غير قابلة للتفكيك والمراجعة، غير أن هذه المعضلة وفي حال استمرارها ستجرد المفكرين العرب من أي دور بل قد تقود بالفكر إلى حالة الموت السريري لتتعمق أزمة دول ومجتمعات المنطقة العربية متغذية من شح الفكر المنتج.

 

منور مليتي

كاتب تونسي

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

إذا لم يتم البحث العلمي لتفاصيل التاريخ ، كيف حصل محمد ابن عبدالله على ربط العلاقة الجدلية ( بين الواقع وما وراء الواقع) سيظل العالم العربي والإسلامي يتخبط بين الحقيقة والوهم المقدس ، مما يعني مزيدا من العداء الإنساني والعذاب الفكري.

2018-01-19

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

قلنا عملية شحن فكر وهمي لصحراء جافة وانساني قاصر في الحضارة ، يجعل التاريخ أسير الفكر الوهمي المقدس ، ويجعل إنسانه أداة صلبة صماء لتنفيذ الوهم المقدس والثقافة الملفوفة بالعباءة الصحراوية وبالقحط ( تفريغ إنسانية الإنسان).

2018-01-19

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

البدوي العربي اللذي تلقى الوهم المقدس لكي يتلاءم مع الثقافة الملفوفة بالعباءة الصحراوية وبالقحط ، لم يدرك أنه تحول إلى عبد لوهم مقدس لا يدرك كنهه سوى الخوف والأمل. المبدع والمصحح للتاريخ هو خلاق لنقد وفكر غير مسبوق ،لرفض الكذب التاريخي.

2018-01-19

الاسم هارب من أشعة الوهم
الدولة مغترب في كوكب الأرض

لا يوجد فكر سياسي عربي عبر التاريخ ، بل فرض فكر وهمي غيبي مقدس من تاريخ بشري مدنس على منطقة عربية بدوية جافة وقاسية . المشكلة ان المفكر يصطدم بجدار ( الله والرسول واؤلي الأمر) وهي جدلية الربط بين الوهم والواقع لجعله وهم.

2018-01-19

 
منور مليتي
 
أرشيف الكاتب
ازمة الديمقراطيات العربية الناشئة في أحزاب عقيمة
2018-01-26
منطقة الشرق الأوسط مرشحة لفتنة كبرى ثانية
2018-01-22
مشكلة المنطقة العربية في أنظمة مهزوزة لا تحظى بشرعية قوية
2018-01-21
معضلة الفكر السياسي العربي في تقديسه للتاريخ
2018-01-18
لعنة الديمقراطية تلاحق رغيف التونسيين
2018-01-15
من يجر تونس إلى المجهول
2018-01-11
المزيد

 
>>