"أخف من الهواء" رواية الصوت الواحد

في رواية فيديرو جايمير لا يتعرف القارئ إلا على صوت الراوي للأحداث، وهي المعلمة المتقاعدة ليتا التي تبلغ من العمر ثلاثة وتسعين عاما.


الروائي الأرجنتيني استطاع أن يكشف لنا كل التفاصيل ومجريات الرواية وطبيعة الناس والظروف والملابسات التي تمتد عبر حكايات متقطعة وحوارات من صوت واحد


ما أن يدخل اللص الحمام حتى تقفل ليتا عليه الباب، فيتعذر عليه الخروج، ومن هنا تبدأ الرواية 

رواية "أخف من الهواء" والتي كتبها الروائي الأرجنتيني فيديرو جايمير، من روايات الصوت الواحد، فرغم وجود عدة شخوص في الرواية، لكن القارئ لا يتعرف إلا على صوت الراوي للأحداث، وهي المعلمة المتقاعدة ليتا التي تبلغ من العمر ثلاثة وتسعين عاما، والتي تتعرض إلى محاولة اعتداء أمام باب شقتها، من قبل شاب يبحث عن النقود، وتحت تأثير التهديد تقنعه بأن نقودها ومجوهراتها في غرفة الحمام، وما أن يدخل حتى تقفل عليه الباب، بحيث يتعذر عليه الخروج، ومن هنا تبدأ الرواية. 
استطاع الروائي أن يكشف لنا كل التفاصيل ومجريات الرواية وطبيعة الناس والظروف والملابسات التي تمتد عبر حكايات متقطعة وحوارات من صوت واحد، وكلها للعجوز ليتا التي كسبت الرهان، وأوقعت الشاب سانتياغو في المصيدة، ولكنها اشترطت لإعادته إلى الحرية أن تحكي له قصة أمها(ديليتا) التي توفيت قبل أكثر من تسعين عاما، أي حينما كانت البنت طفلة ذات عامين فقط.
الفتى سانتياغو كان متذمرا ومنزعجا من سلب حريته، وقد حاول الصراخ وركل الباب، ولكنّ كل محاولاته فشلت، لقوة الباب ولأنها تسكن في الطابق الأخير ولا يجاورها أحدٌ، لذلك أذعن على مضض لسماع ثرثرتها. 
تبدأ حكاياتها معه يوم الخميس حيث حُجز في الحمام، وتنتهي يوم الاثنين الموالي، أي بعد أربعة أيام، ومع أنهما كان يتحاوران من وراء الباب، فإننا لا نعرف ما يقول، فقد كان صوته غائبا كليا من الرواية، ونستطيع أن نتعرف على صوته من خلال إجاباتها وتعليقاتها وردودها، ونستشف أيضاً فحوى ما تفوّه به.
هذه المرأة الحديدية التي جعلت هذا الفتى يخضع ويستجيب لرغبتها العبثية في إكمال قصتها التي لا تعنيه، وكانت تسلك معه طيلة أيام حجزه مبدأ العصا والجزرة، فمرة تكون قاسية معه كي تروّضه للإصغاء لها، فتقوم باطعامه البسكويت وشرائح اللحم. ومرة تزجره وتجعله ينتظر ما تجود به من الطعام على أحر من الجمر، حتى يتحول أحيانا إلى مستمع ومحاور، أحيانا ينسجم مع ثرثرتها المملة، ومرة يشتمها ويلعن اللحظة التي جعلته يحاول سرقتها عند باب شقتها. 
ومن خلال هذه الفيض من الحكايا والردود، نستشف بأن سانتياغو المراهق الأسود يعيش تحت خط الفقر مع عائلة مشتتة وفقيرة، وهو منحرف أخلاقيا حسب اعترافه بممارسة الجنس مع شقيقته التي تصغره بعام، وهذا ما جعل العجوز تشتعل غيظا، وتعتبر وجوده في المجتمع خطراً أخلاقياً. 
ورغم أن القصة التي تنوي حكايتها للصبي تدور حول أمها (ديليتا) الحالمة بالطيران، والتي تتعرف على طيار، يقنعها بتعليمها الطيران لقاء منحه جسدها، فتوافق، ولكنه حينما ينتهي من نزوته يتراجع عن وعده بتعليمها، فتطلق عليه النار بواسطة مسدسه، وتستقل الطائرة الشراعية مستفيدة من بعض المعلومات النظرية في الطيران، وتطير فرحة بتحقيق حلمها، ولكنها لا تستطيع الاستمرار فتسقط الطائرة. ورغم موتها ولكنها كانت تشعر بالانتصار، لأن؛ "الشيء الذي أخف من الهواء، هو رغبة المرأة" كما ورد على لسان ديليتا. 
هذه القصة لا تحتاج لأربعة أيام، ولكن صاحبتنا كانت تستطرد وتتحول من موضوع إلى آخر، كما أنها تقضي الوقت بالمشابكة الحوارية مع الصبي سانتياغو. وتأخذ وقتها في الطبخ والقيلولة والتسوق. 
ومن خلال استطراداتها وتشعبات حديثها، نتعرف على كل دفقة من حياتها، فقد كانت تعيش في عزلة منذ طفولتها حتى هذه اللحظة التي جعلت سانتياغو اللص الصغير مكبلا تحت إرادتها، لقد أحبته وتعاطفت معه وأبدت استعدادها لتبنيه! في حالة عودته إلى رشده وتخلصه من شقاوته وصبيانته وانحرافه الأخلاقي. 

novel
لذة التخلص من الآثام بواسطة فوضى التدمير والإبادة

ومع أنّ سانتياغو كان ضحية الحجر القسري، وإن دوافعه في جريمة السرقة ترتبط بظروف الفقر والجهل الذي يحيط به. ولكن جريمتها كانت أشد وأقوى وتتمثل في حجره وسجنه، وفوق كل ذلك إخضاعه القسري لسماع أشياء مملة لا تعنيه. 
موقف العجوز يضع الأخلاق برمتها تحت مختبر التحليل. لاسيما وإنها اعترفت للقس بأنها قابلت فتى منحرفا بإقامة علاقة غير شرعية مع شقيقته، وقد حذرها من شروره. ولكنّها كذبت حتى في لحظة الإعتراف الذي يفترض أن تقول الحقيقة كما هي، فلم تذكر للقس أنه رهين الحجر القسري في حمام شقتها، ثمة إسئلة تراود القارئ:
هل يمكن للعرف الأخلاقي الذي تمثله هذه العجوز أن يقابل الخطأ بأفدح منه، والجنحة بعقاب إجرامي؟
هل كانت ليتيا العجوز ضحية أم جلادا؟ أم أنها المقايضة البشعة التي يزخر بها المجتمع، مقايضة العنف بمثيله، التداول للعنف بين الضحية والجلاد: فهي تخشى أن تطلقه من الحمام فيقوم بقتلها، حسب تصوراتها لذلك فسيبقى هذا المراهق رهين عالمها الذي يغور في الماضي، عالم السلطة الأبوية المطلقة التي تحاول تصميم السلوك البشري وفق عقلية ومزاجية زمانها. 
لقد فتحت لنا الرواية نافذة تطل على الأعماق البشرية التي تتصارع ما بين المحبة والكراهية، بين الأنانية والإيثار، بين العزلة ومحاولة اقتحامها، بين الصوت المكبوت بين أضلعها والتي تريد فك عزلته، ولكن بقربان بشري آخر، تريده أن يكون مستمعا لبوحها الإنساني الحزين. 
في المشهد الأخير تشم ليتا العجوز تسربا من قنينة الغاز في المطبخ، تهرع مسرعةً لإغلاقه، فتسقط على الأرض وتتعرض لكسر في حوضها، كان الألم لا يُطاق، ولكنها زحفت للوصول إلى مفتاح الغاز وكلما تحاول الوصول إليه يزداد الألم، كانت تفكر بإنقاذ ساتياغو. وبصعوبة معجونة بالألم استطاعت إغلاق تسرب الغاز.
ولكنها انتبهت إلى صراخ ساتياغو من الحمام وهو يشتمها ويلعنها، وفي قمة ألمها ومعاناتها ويأسها، انتابتها هواجس بأن سانياغو لا يستحق أن يعيش لأنه سيشكل خطرا على المجتمع.
 لذلك امتدت يدها إلى مفتاح الغاز من جديد، ففتحتها ليموتا معا.
إنها لذة التخلص من الآثام بواسطة فوضى التدمير والإبادة.