نصير شمة و'الفن والحياة'
في إطار أنشطة الصالون الثقافي العراقي بلوس أنجلس، استضاف الفنان العراقي الكبير نصير شمة في ندوة افتراضية، تمت من خلال الزوم، ليقدم الأستاذ نصير مقارباته عن علاقة الفن بالحياة، من خلال استعراض مسيرته الفنية التي بدأت في العراق، وفي ظلّ ظروف صعبة، لذا فيصحبنا في رحلة استثنائية، تتداخل فيها الموسيقى مع الهم الإنساني والوطني، فتبدأ الحكاية في مدينة الكوت، حيث سحرته الموسيقى وبقي معلقا على أوتارها حتى هذه اللحظة، فالموسيقى التي جرت في دمائه، لم تكن مجرد موهبة، بل نداء روحي يجري في مسار الإبداع.
يتحدث الأستاذ نصير شمةعن انتقاله إلى ألمانيا لمواصلة مشواره الموسيقي، لكنه لم ينس العراق الجريح تحت وطأة الحصار القاسي. وهناك، أطلق حملات لجمع الأدوية لأطفال العراق، ليحوّل قاعات الموسيقى إلى ساحات للنضال الإنساني. كان يرى أن الفن لا يكتمل إلا إذا اقترن بأفعال وطنية، تساهم في رفع بعض الألم عن عيون أطفال العراق الذين تضوروا جوعا ومرضا بسبب الحصار.
كما تتاولت محاضرته أمر عودته إلى الوطن بعد 2003 وقد آلمه أن يرى التشوهات الخلقية لدي الأطفال ناتجة عن التلوث والاشعاعات، وقد أسس جمعية (طريق الزهور) وهي مبادرة إنسانية لرعاية الطفولة، ومحاولة تعويضهم عما عجزت عنه المؤسسات الرسمية.
يتحدث عن بغداد التي بدت له عجوزا متعبة، أضنتها السنون والحروب الدولية والأهلية، لذلك تصدع وجهها بالندوب، وتقطع جسدها بفعل العزل الكونكريتي، لذلك بدأت جهوده بنفض غبار الإهمال عن الساحات العامة، وإعادة الحياة إلى الشوارع والمدارس والمسارح، ثم انتقل الإصلاح إلى قلب بغداد، حيث شارع المتنبي الذي تحوّل إلى بُئرة للثقافة من خلال الاحتفاء بالكلمة والكتاب وإلقاء المحاضرات، إضافة إلى جميع الفعاليات الثقافية، وقد أبدى رأيه في إعادة تأهيل شارع المتنبي، والذي يختلف عن فكرة الإكساء للواجهات، وكان يرى أن التأهيل ينبغي أن يبدأ من عمق الشارع إلى الواجهة، ثم تناول تأهيل الشارع الحكومي القديم الممتد من القشلة، حيث تحوّل بجهود الشباب العراقي الواعي إلى ساحات أنيقة وفنية، تملؤها البيوت التراثية والمقاهي وتماثيل الشعراء والأدباء.
كما تناول مسألة تأسيس "بيت العود"، الذي انطلق أولاً من القاهرة عام 1998، وامتد لاحقاً إلى أبو ظبي والخرطوم والرباط ثم بغداد، ليكون مركزاً لتعليم آلة العود وجميع الآلات الموسيقية بمستوى احترافي، وصيانة التراث الموسيقي العربي.
في بغداد لم يكن اختياره للموقع عشوائياً، بل استقر على دار الوالي الأثرية ، محوّلاً هذا المعلم التاريخي إلى واحة فنية تحفظ الذاكرة العراقية وتزرع الأمل.كما تحدث عن شارع الرشيد،الذي كان من أعرق وأجمل الشوارع في العراق،فتحدث عن مشاركته في مبادرات لإعادة الحياة إليه،من حيث الترميم، والتجميل والبناء وتنظيم الفعاليات، ليعود لذلك الشارع ألقه القديم، انطلاقاً من إيمانه كفنان في أن الفن لا يعتكف في أبراجه العاجية الضيقة،بل ينطلق في رحاب الحياة،في الشارع والمقهى والبيت، ويلامس طموحات المواطنين، لرفع وعيهم والاستفادة من جهودهم في بناء الوطن.
لم يتوقف عند هموم العراق، بل عبر إلى فلسطين، وخصوصاً غزة، حيث عبّر عن غضبه من الصمت العالمي المخزي تجاه ما تتعرض له من تدمير ممنهج ضد المدنيين والأطفال، معتبرا موقف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية "عاراً على الإنسانية". وقال بصراحة:"لو كانت هناك وسيلة للوصول لمساعدة الجائعين من أطفال غزة، لسلكتها دون تردد".
وقد ترجم هذا الغضب والألم إلى معزوفته الموسيقية المؤثرة "باقون"، التي جسّدت مأساة غزة وأصوات المدنيين في مواجهة آلة القتل. لكن، وللمفارقة المؤلمة، لم تبادر أية قناة تلفزيونية عربية لعرض هذه المقطوعة، رغم عمقها الفني والإنساني، في صورة صادمة تعكس التواطؤ الإعلامي بالصمت أو التجاهل.
لقد كان الحوار بينه وبين بقية المتداخلين تعكس حالة الانشداد نحو المحاضر، ومدى أهليته الإبداعية، وجهوده الوطنية التي تنبع من إيمان بحتمية التغيير نحو الأفضل، كما أجاب على الكثير من الأسئلة، في مواضيع الفن الموسيقي والفن التشكيلي وفن العمارة. كما تحدث عن القيثارة الذهبية، وكيف أعادت جهود العراقيين رأسها الذهبي، والذي كلفهم كيلو غرامات من الذهب الخالص، بعد أن تم سرقه رأس القيثارة من قِبَل الأمريكان أثناء احتلالهم للعراق، متناسين - أي اللصوص - بأن القيثارة هي كنز فني وحضاري ليس للعراق فحسب، وإنما للإنسانية جمعاء.
وفي إطار رده على التشابه بين المقامات العراقية والمغربية الذي تفضلت به أستاذة مغربية، يرى الفنان تصير شمة بأن انتقال زرياب من العراق إلى الأندلس هو الذي أرسى الكثير من المقامات الموسيقية، والتي تسربت إلى المغرب من خلال الموريسكيين الذين هربوا من جحيم محاكم التفتيش، وهم يحملون كل إرثهم الثقافي والاجتماعي، ومنه مقامات الغناء. وفي أثناء محاضرته، قال نصير شمة عبارة تختصر فلسفته في الفن والحياة: "أنا والحق… أغلبية"، وهي عبارة من ثلاث كلمات، لكنها كافية لتُفهم كيف يرى نصير شمة نفسه: فردًا يحمل قضيته، وضميره، وموسيقاه، ويقف بها في وجه العالم إن لزم الأمر. إنه فنان يرى أن العود لا يُعزف للراحة، بل ليوقظ الضمير، ويوقظ العالم.