أزمة الصحافة الورقية .. التحديات والآفاق

المهتمون بالصحافة المصرية لديهم كل الحق في أن يشعروا بالقلق والخوف من تراجع دور الصحافة الورقية إلى درجة الانهيار أو الاندثار.


الحرص على الصحافة القومية ومكتسباتها ومؤسساتها مهما كانت الخسائر والأثمان المؤقتة أمر في غاية الأهمية


البحث عن حلول غير تقليدية خارج الصندوق من خلال جلسات العصف الذهني والفكري لأصحاب الحلول والرؤى والأفكار الجادة

ثمة مخاوف وتساؤلات حول مصير الصحافة الورقية نشأت بسبب ذلك الهجوم الكاسح والنجاح الهائل والمتواصل للصحافة الإلكترونية، بحيث باتت تمثل عفريتاً أو لصاً بإمكانه أن يسرق من الصحافة الورقية عرشها التاريخي .. فهل من الممكن أو من المقبول أن يحدث مثل هذا الأمر في مصر؟
مخاوف لها أساس
المهتمون بالصحافة المصرية لديهم كل الحق في أن يشعروا بالقلق والخوف من تراجع دور الصحافة الورقية إلى درجة الانهيار أو الاندثار، ليس فقط بالنسبة للصحف المستقلة بل والقومية، بعضها أو جميعها، وهناك مرتكزات وأسباب لهذه المخاوف:
1- إن هناك صحفا عالمية قررت إيقاف طباعة النسخ الورقية بالفعل والاكتفاء بالنسخة الإلكترونية مثل صحيفة "الإندبندت البريطانية".
2- صحف أخرى عالمية واسعة الانتشار غدت على حافة الإفلاس مثل "اللوموند الفرنسية" بسبب ضعف مبيعات النسخ الورقية رغم نجاح النسخ الإلكترونية وسعة انتشارها.
3- تراجع توزيع الصحف القومية والمستقلة المصرية مؤخراً بدرجة مثيرة للهلع، مع ارتفاع تكلفة الطباعة، بحيث صارت تمثل عبئاً مالياً سببها الفجوة المالية بين التكلفة الفعلية وسعر البيع.
4- تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة تتابَع حدوثها خلال السنوات الأخيرة.

طرح الأزمة على نطاق أوسع بين جميع العاملين في مهنة الصحافة في شكل جلسات نقاشية مستمرة، مع الاهتمام أكثر بآراء حكماء وشيوخ المهنة حتى ممن تركوها بعد سن المعاش أو ما شابه

أزمات ومتاعب ومشكلات
لا يوجد من لا يعاني من أزمات ومتاعب ومشكلات سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أو المؤسسي أو الدولي. ولا توجد مشكلات تستعصي أو تستحيل على التحليل أو التحايل أو الحل.
هناك عشرات المشكلات والمعوقات مرت بمهنة الصحافة منذ نشأتها، وتم تجاوز المعوقات وتحقيق المنجَزات. ثم إذا بالصحافة تصادف رتلاً من المشاكل المتفاقمة والأزمات المتلاحقة، وإذا بالبعض يدعى أنها القاصمة وأن الاستسلام للمصير المظلم هو الحل الوحيد!
وليس من قبيل المبالغة القول بأن الصحف القومية هي بمثابة رموز قومية أو كنوز وطنية لا ينبغي التفريط في شيء من مكتسباتها التي تراكمت على مدى أجيال مضت. لأن الأمر يتجاوز مسألة المطبوعة أو الصحيفة المنشورة، فليست الصحافة المصرية مجرد كلمات وأخبار تُكتب، وأوراق وأحبار وأخبار تُطبع ثم توزَّع، بل هي صروح تاريخية ارتقت عبر الأجيال المتعاقبة، وإن محاولة هدم تلك الصروح أو أجزاء منها يشبه محاولة هدم برج القاهرة أو أجزاء من أبي الهول.
لذلك فإن الحرص على الصحافة القومية ومكتسباتها ومؤسساتها مهما كانت الخسائر والأثمان المؤقتة أمر في غاية الأهمية، ليس لهذه المؤسسات فقط، وإنما للدولة المصرية بأسرها ومكانتها الإعلامية والسياسية.
فلا يجب مثلا المساس برموز صحيفة قومية كالجمهورية أو الأخبار أو الأهرام، ولا ما يتعلق بها من مؤسسات فرعية وإصدارات دورية، لأنه يعد مساساً بقيمة مصر الثقافية والتراثية ومكانتها التاريخية التي لا تنال إلا بمثل تلك الروافد المهمة من القوى الناعمة ذات التأثير الإقليمي والعالمي الممتد.
لكن الاعتراف بوجود أزمة تواجه مستقبل الصحافة الورقية هو اعتراف ضروري ومطلوب، لكن ليس من أجل وأدها واغتيالها، وإنما لمحاولة إحيائها وبعثها من جديد ثم تطويرها وإعادة تدويرها على النمط العصري الحديث. نعم لا ينبغي التكتم على الأزمة أو تجاهل المعضلة كأنها بلا وجود. لكن الحديث عن مصير حتمي مخيف تنساق إليه الصحافة الورقية هو حديث متسرع مجافٍ للمنطق السديد والحكمة السياسية الرشيدة. 
أوراق في مهب الشهب
تعرضت الصحافة الورقية خلال السنوات الأخيرة الماضية لألوان من المتاعب والأزمات تحدَّث عنها المراقبون للشأن الصحفي والملامسون للأزمة عن قرب، ويمكن تصنيف هذه المتاعب وتلخيصها فيما يلي:
1- أزمات مالية:
عدد من المشكلات المالية برزت واستفحلت في مواجهة المؤسسات الصحفية لعل أهمها:
•    تراجع المبيعات وانخفاض التوزيع بنسب تجاوزت 50% عما كان قبل بضع سنوات مضت.
•    مؤسسات صحفية قومية كبرى بدأت تعاني من ديون متزايدة نتيجة لذلك، والأمر مستمر ويزداد.
•    الفجوة الكبيرة بين التكلفة وسعر البيع بالنسبة للمطبوعات اليومية والدورية.
•    قرارات وتشريعات فاقمت الأزمة كقرار تحرير سعر الصرف، مما سلب من الصحف دخلاً سنوياً كبيراً يقدر بالملايين.
•    ارتفاع تكاليف الطباعة والخامات بسبب التضخم.
•    تراجع عائدات الإعلانات لأسباب كثيرة كالقرارات العشوائية ووجود بدائل أقل تكلفة مثل وسائل الإعلام الإلكترونية.
2- أزمات فنية:
تزامنت المشكلات المالية للصحف مع مشكلات داخلية فنية من أهمها:
•    تفشي المحسوبيات والبيروقراطية بين أروقة العمل الصحفي مما أنهك المهنية في الأداء.
•    الاتجاه نحو أساليب صحافية تضعف الأداء الفني كاللجوء لأسلوب الصحافة الصفراء المفتقرة للمصداقية أو غير الملتزمة بأخلاقيات المهنة، أو الاتجاه نحو الإغراق في التدني اللغوي.
•    غياب الأسماء الأدبية والصحفية الكبرى من كتاب لهم جماهيرية كما كان في الماضي.
•    تسرب الأخطاء اللغوية للمحتوى الصحفي بعد أن كانت الصحف بمثابة المرجع اللغوي والأدبي الأول للقراء.
•    الفجوة الهائلة بين المستوى الفني للصحف شكلاً ومضموناً وبين الصحافة العالمية أو حتى الإقليمية. كما أن الصحافة الإلكترونية تتمتع بمزايا كبرى تجعل طريقة العرض والشكل المبهر الجذاب لعيون المتابعين لا يكاد يقارن بالشكل الروتيني الكئيب للصحف المقروءة، مما أدى إلى عزوف القراء عن متابعة الصحف وانصرافهم نحو الصحافة الإلكترونية عديمة التكلفة والأكثر جاذبية.
•    بروز عيوب فنية لم يكن ينبغي أن تتسلل للصحافة القومية كتدني مستويات الدقة في النقل والمصداقية في المصادر والتحرير والجمود في المحتوى والإملال والروتينية في اختيار المانشيتات بحيث باتت وجبة الصحافة وجبة ثقيلة على رأس وعين القارئ.

3- أزمات قهرية:
هناك أزمات أخرى حدثت بسبب مؤثرات خارجية عامة، أصابت كل المؤسسات الاستثمارية أو الحكومية الأخرى، ومنها المؤسسة الصحفية، مثل:
1- مؤثرات إقليمية:
•    بزوغ الصحافة الإقليمية في ثوب تنافسي أقدر على غزو السوق العربي، وظهور دور للأموال الخليجية التي تجتذب الكوادر المصرية المتميزة من الفنيين والعمال والإعلاميين، ما يؤثر سلباً على واقع الصحف المصرية داخلياً.
•    السباق الإعلامي الإقليمي المحموم لم يعد في صالح الصحافة المصرية بصفة عامة بسبب الفجوة التمويلية.
2- مؤثرات محلية:
•    أزمة الدولار وتراجع سعر صرف الجنيه المصري بسبب التعويم.
•    ارتفاع التضخم وزيادة أسعار الخامات كالورق والأحبار.
•    قرارات وتشريعات متسرعة تصب ضد مصلحة المؤسسات الصحفية.
•    المتغيرات السياسية محلياً وإقليمياً.
3- أزمات عالمية:
•    انسحاب البساط من تحت أقدام الصحافة الورقية لصالح الصحافة الإلكترونية هو أزمة عالمية، غير أن دولاً أخرى استطاعت أن تخلق حلولاً وتحتال على الأزمة في حين ظللنا نمارس سياسة رد الفعل دون إحداث فعل استباقي.
آفاق الحل
الانطباع العام السائد أن هذه الأزمة شبيهة بالنار تحت الرماد لا يشعر بها إلا القريبون منها، ولهذا لا يتحدث عنها إلا القليل، ولا يقترح لها حلولاً إلا أقل القليل، ما يعني أنها لم تبرز للسطح ولم تشكل بعد قلقاً عاماً داخل الوسط الصحفي، ربما لأن لسعة الرماد باردة، وربما لأن البعض اختار أن يدير ظهره لأزمة لم تولد بعد.
لكن الحلول موجودة دائماً فقط لو توافرت الإرادة والإدارة لإيجاد حلول استباقية قبل أن تعلو الجذوة من باطن الرماد ويمتد لهيبها في سرعة لا يستطيع أحد ملاحقتها.
ويمكننا هنا طرح بعض الخطوط العريضة لفك رموز الأزمة تمهيداً لحلها أو حلحلتها خلال فترة زمنية محددة طبقاً لخارطة طريق متفق عليها بين الجماعة الصحفية وحكمائها.
وفيما يلي نستعرض بضع مقترحات ربما تمثل خطوطاً عريضة لها ما بعدها:
1- لا بد من تفكيك المشكلة إلى أجزاء صغيرة يسهل حلها، بحيث يتم الاستعانة بالمتخصصين لدراسة كل جزئية على حدة كل في تخصصه. فالمشكلات المالية يعالجها مختصون واقتصاديون داخل المؤسسة الصحفية وخارجها، والمشكلات الفنية يعالجها أكاديميون وخبراء في الأداء الصحفي والإعلامي "كالشكل والأداء المهني وجودة المحتوى والمنتَج الإعلامي التنافسى".
2- طرح الأزمة على نطاق أوسع بين جميع العاملين في مهنة الصحافة في شكل جلسات نقاشية مستمرة، مع الاهتمام أكثر بآراء حكماء وشيوخ المهنة حتى ممن تركوها بعد سن المعاش أو ما شابه، كذلك الاهتمام بآراء من يعملون بكواليس الصحافة كالإداريين وعمال المطابع والتوزيع، فربما كانت لديهم زوايا رؤية وآراء قيمة يغفل عنها آخرون.
3- البحث عن حلول غير تقليدية خارج الصندوق من خلال جلسات العصف الذهني والفكري لأصحاب الحلول والرؤى والأفكار الجادة. ثم تفريغ نتائج الجلسات لاختيار الحلول المناسبة وتنفيذها تباعاً.