حول أزمة الصحافة الورقية

الاعتراف بوجود أزمة تواجه مستقبل الصحافة الورقية هو اعتراف ضروري ومطلوب، لكن ليس من أجل وأدها واغتيالها.


دعوة رجال الأعمال، والمهتمين بالمجال الصحفي والثقافي للمشاركة في تمويل صندوق دائم يتم إنشاؤه خصيصاً لدعم الصحافة الورقية


أزمة الصحافة الورقية هي أزمة عالمية، فمن الضروري الوقوف على الطرق التي اتبعتها المؤسسات الصحفية العالمية للخروج من الأزمة

الاعتراف بوجود أزمة تواجه مستقبل الصحافة الورقية هو اعتراف ضروري ومطلوب، لكن ليس من أجل وأدها واغتيالها، وإنما لمحاولة إحيائها وبعثها من جديد ثم تطويرها وإعادة تدويرها على النمط العصري الحديث. نعم لا ينبغي التكتم على الأزمة أو تجاهل المعضلة كأنها بلا وجود. لكن الحديث عن مصير حتمي مخيف تنساق إليه الصحافة الورقية هو حديث متسرع مجافٍ للمنطق السديد والحكمة الرشيدة . 
أولاً - مقترحات حلول للأزمة "الاقتصادية" للصحف:
الخصخصة الكاملة أو الجزئية: كلمة الخصخصة لها سمعة سيئة، والسبب أنها ارتبطت عند تطبيقها فى أواخر حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك بأمرين بغيضين: فساد حكومة رجال الأعمال، وألاعيب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول المانحة وشروطها المجحفة، ما أفقد برنامج الخصخصة القدرة على تحقيق أهدافه وأفرغه من مغزاه الحقيقي. 
من الممكن جدا أن يستعان ببرنامج خصخصة جزئي أو كلي، مع وضع شروط ضامنة للحفاظ على كينونة الصحافة المصرية، كضمانات الهوية المصرية للمؤسسات أو الجهات أو الأفراد المشاركين بتمويل برنامج الخصخصة. ومثل ضمانات فصل الإدارة الفنية عن رأس المال، حتى لا تتحول الصحافة الحكومية إلى صحف خاصة ذات توجه يميل مع آراء ورؤى وضغوط أصحاب الثروات.
إنشاء صندوق تمويل: دعوة رجال الأعمال، والمهتمين بالمجال الصحفي والثقافي للمشاركة في تمويل صندوق دائم يتم إنشاؤه خصيصاً لدعم الصحافة المصرية الورقية.
الدعوة للاكتتاب العام: دعوة المثقفين العرب والمصريين للاكتتاب العام لإنشاء كيان ثقافي عربي موحد لإنعاش الحياة الثقافية بصفة عامة والصحافة الورقية بصفة خاصة في مصر والدول العربية الأخرى. هذا الكيان يتم إنشاؤه بهدف استثماري ربحي، يستثمر فقط في الصناعات الثقافية. وتتم الدعوة إليه من قِبل مؤسسات وأفراد من ذوي الثقل الثقافي والسياسي والاقتصادي لبث الاطمئنان في نفوس المشاركين بأموالهم في مثل هذا المشروع الضخم الطموح. وبالطبع سوف تنال الصحافة الورقية نصيبها من الدعم المادي والمعنوي من عائدات مثل هذا المشروع الثقافي الموازي الشامل، والمتعدي للحدود.
إنشاء مشروعات وسيطة: وهي الفكرة التي أعلنتها جريدة الأهرام على لسان بعض مسئوليها، أنها بصدد دراسة إنشاء مصنع للورق. من ناحية أنه يقلل تكلفة طباعة الصحف والمجلات والإصدارات الدورية الخاصة بالأهرام، ومن ناحية أخرى أن مبيعات الأوراق بإمكانها تغطية الفجوات المالية الناشئة من الأزمة الاقتصادية العامة التي أصابت المؤسسات بصفة عامة. غير أن هناك مشروعات أخرى يمكن دراسة إمكانية إنشائها في خطط استثمارية متتابعة، مثل مشروع لقطع غيار آلات الطباعة، أو مصنع للأحبار أو الحروف، وغيرها من الخامات الوسيطة الضرورية لطباعة الصحف.
استثمار الممتلكات غير المستغلة للمؤسسات الصحفية القومية: كالأراضي الفضاء (إنشاء مشروعات معمارية مربحة على تلك الأراضى بهدف استغلال أرباحها لإنعاش الحياة الصحفية عموماً والصحافة الورقية خاصة). استغلال المستهلكات وبواقي الخردة والكُهنة بالبيع في مزادات. استغلال أي مبان قديمة بتأجيرها لصحف خاصة أو دور نشر، والإنفاق من العائدات بما يدعم اتجاهات إصلاح الصحافة الورقية.
التوسع في الإعلانات: إغلاق بعض منافذ الإعلان في وجه الصحف كما حدث إثر بعض القرارات المتسرعة، يستدعي اتخاذ خطوات مرنة مضادة لملء تلك الثغرة التمويلية، عن طريق توسيع دوائر الإعلان لتشمل الإعلان الشعبي والمحلي والإليكتروني والفضائيات. إذ أن الصحف بما لديها من خبرات تراكمية وإمكانات كبرى في مجال الإعلان، بإمكانها الاستحواذ على قطاعات أكبر في مجال الإعلان الصحفي وغير الصحفي. ليس الهدف هنا هو الربح من أجل الربح. وإنما ما يكفي للصب في استمرارية الصحافة الورقية في أداء دورها التثقيفي المهم.
التفاوض مع خطوط الطيران: للوصول إلى اتفاق منفعة مشتركة بين المؤسسة الصحفية وخطوط الطيران الناقلة للصحف، من أجل تقليل تكلفة النقل أو إلغائها مقابل خدمات إعلامية أو إعلانية أو غيرها من المنافع التي يتفق عليها في عدد من المفاوضات المتتالية حتى الوصول لاتفاق يرضي جميع الأطراف.
الاستفادة من التجارب الدولية: حيث إن أزمة الصحافة الورقية هي أزمة عالمية، فمن الضروري الوقوف على الطرق التي اتبعتها المؤسسات الصحفية العالمية للخروج من الأزمة.
الندوات والمسابقات وورش العمل: عقد سلسلة من المناقشات في صورة ندوات أو ورش عمل، يتم من خلالها دعوة عدد من العقليات المهمة في المجالين الاقتصادي والثقافي الصحفي لمناقشة أبعاد الأزمة ووسائل حلولها. بالإضافة لإمكانية رصد ميزانية لمسابقة سنوية لأفضل بحث يناقش أزمة الصحافة الورقية، والحلول المقترحة للأزمة.
العمل الأكاديمي: تشجيع طلاب الكليات ذات الشأن مثل الآداب والإعلام والاقتصاد والسياسة وغيرها، لعمل أبحاث أكاديمية (ماجستير ودكتوراه) تناقش أزمات الصحافة بصفة عامة والصحافة الورقية بصفة خاصة.

تحجيم الإنفاق السنوي والعام: من خلال قرارات جريئة لضم أو تجميع الإصدارات في عدد أكثر تحديداً، بحيث تتم التضحية بعدد من الإصدارات عديمة الربحية كثيرة النفقات من أجل إنقاذ باقي الإصدارات الأكثر أهمية. بالإضافة لقرارات إدارية داخلية أخرى لرصد وتقليل أي نفقات سنوية أو عامة لا ضرورة لها. بالإضافة لعمل خطة مؤقتة للتقشف للسيطرة على أي نفقات غير ضرورية أو مبالغ فيها.
ثانيا: مقترحات لحل المشكلات الفنية والعامة:
تعديل آليات اختيار رؤساء الصحف: لضخ الدماء الجديدة في شرايين العمل الصحفي، حيث إن الوسط الصحفي زاخر بالخبرات الصحفية الوطنية اللامعة. يجب تعديل اللوائح بحيث يتم تعيين رؤساء مجالس إدارات وتحرير الصحف بطريقة هي مزيج من الانتخاب (أو ترشيح عدد من الأسماء) والتعيين (رئاسيا كان أو برلمانيا). كما يجب تعديل اللوائح بحيث يتم هذا التغيير سنوياً، بحيث لا يسهم طول البقاء بالمنصب فى إحداث حالة من الركود والكساد في الأداء الصحفي.
تفعيل الدور الرقابي: لمنع المحسوبية والفساد الإداري والمالي في أروقة العمل الصحفي.
دورات تدريب وتأهيل سنوية: للعاملين في المجال الصحفي خاصةً الشباب، وحتى القدامَى بشرط توافر الرغبة والاستعداد، وتركز تلك الدورات الداخلية على رفع مستوى الأداء الفني للصحفيين من حيث الأداء اللغوي والمهني، يقوم بهذه الدورات مجموعة من قدامى الصحفيين أصحاب الأداء الراقي والخبرات الصحفية الطويلة، بالإضافة لأكاديميين من كلية الإعلام، وقدامى العاملين في وكالات إعلامية كوكالة أنباء الشرق الأوسط وغيرها.
تعديل الهيكل الإداري الداخلي: ليتوافق مع الاتجاهات الإدارية الحديثة في تقسيم الأعمال وأدوار العاملين بالصحيفة الواحدة، فما المانع مثلاً من فصل المانشيت عن المتن، بحيث يختص بالمانشيت مجموعة صحفية منفصلة. وهكذا مع التخصصات الأكثر دقة. ومن الممكن الاستعانة بعدد من الأكاديميين المتخصصين في فنون الإدارة لعمل تصور متكامل حول إعادة هيكلة المؤسسة الصحفية إدارياً لمنع الترهل الإداري.
تشجيع العمل الصحفى العربي المشترك : من خلال النشر المتبادل بين صحفيين مصريين وآخرين عرب. بحيث يكون هناك مقال إماراتي مثلاً في صحيفة مصرية، مقابل نشر مقال مصري في صحيفة إماراتية، ويتم هذا باتفاق مسبق وبآليات يتم الاتفاق عليها بين الصحيفتين. ولا مانع أن يطال هذا التبادل الجانب الإعلاني أيضاً. والغرض من هذا الأمر هو بث روح الاختلاف والتغيير وابتعاث دماء صحفية جديدة في الأداء الصحفي اليومي الروتيني.
تفعيل دور المراجعة اللغوية وتدعيمه بذوي الخبرة: كنوع من إعادة الهيكلة العامة للإدارات الصحفية، بحيث يتم الاهتمام بإنشاء أو تطوير الإدارات التي لها دور في تحسين فنيات العمل الصحفى وفي مقدمتها اللغة والأسلوب.
تشجيع الأسماء الصحفية الأجنبية اللامعة للمشاركة بمقالات دورية: حيث ما زالت عقدة الخواجة هي الغالبة. فما المانع من محاولة الاستعانة بأسماء من الصحف الغربية، خاصة من تركوا العمل الصحفي أو أقيلوا لأي سبب "لتقليل التكلفة". وربما أمكن الاستعانة بأحد الصحفيين الأجانب أو عدد منهم يتبرع بمشاركة من هذا النوع بلا مقابل، أو مقابل خدمات.
دعم اتجاهات ودعاوى التغيير في الشكل الصحفي: بحيث يتم عمل ما يشبه الثورة الصحفية في صورة تغيير شامل في شكل الصحف القومية، بل ومضمونها أيضاً. بحيث يتم عمل خطة متكاملة لإحداث مثل تلك القفزة الهائلة، مع دراسة مآلاتها ونتائجها المتوقعة على جميع المستويات.
دعم الأفكار والرؤى المبتكرة في الأداء الصحفي: لجذب شريحة الشباب نحو شراء الصحف اليومية والدورية، فما المانع مثلاً من الاستعانة بنجوم الفن والثقافة والشخصيات العامة الشهيرة للمشاركة بمقال صحفي يومي حتى لو لم يستطيعوا الكتابة عن طريق صحفي وسيط يصيغ المقال، فيصدر مقال مشترك بين صحفي وفنان. وهناك أفكار أخرى كثيرة بإمكانها جذب الشباب وإنعاش الرغبة العامة لشراء الصحف ومتابعتها.
تشجيع الطيور المهاجرة على العودة والمشاركة: بإيجاد صيغ وتفاهمات مقنعة لمن ترك العمل الصحفي والإعلامي بمصر طمعاً في مقابل مادي أكبر في صحف أو جهات إعلامية خليجية أو عربية أخرى. وذلك من أجل الاستفادة لا من خبراتهم وقدراتهم فحسب، وإنما من أجل آرائهم الفاعلة في تطوير الصحافة المصرية والنهوض بأدائها طبقاً لخبراتهم الخارجية.
تطوير أداء العمل الصحفي الإلكتروني ليصب في مصلحة الصحف الورقية: من خلال الدعاية الذكية لها، في صورة مقالات أو صور، أو نقاشات تفاعلية مع الجمهور.