"أصداء من خلف الشريط" غوص في إظهار الصورة

الشاعر اللبناني المغترب ياسر سعد يعانق في قصائده الواقع عبر رحلة عمرية قضاها في وطنه واغترابه الذي طال أمده.


التقلبات النفسية يدركها العقل دون أن يكون باعثا ًلها، وهي تعمل على إبراز روحية هذا الشاعر أو ذاك


الشعر اليوم هو المكان التعبيري الأكثر جدوى من أي وقت مضى

هل الشعر يتخاصم مع الذات التي هي تنتجه حتى يتحرر منها، وتكون فلسفة الشاعر - أي شاعر - العمل على تحرير عقله من الأيدلوجيات التي شكلت في فلسفته الشعرية مع ذاته  المتعبة، باعتبار الشعر ينطلق من الأحاسيس والوجدان في التوصيف والتعبير لأي شيء يراه الشاعر، وحتى لا نضيع بين التقولات التي سبقتنا، لأن التقلبات النفسية يدركها العقل دون أن يكون باعثا ً لها، وهي تعمل على إبراز روحية هذا الشاعر أو ذاك، وتدخله في دوامة كي ينجز قصيدته، التي تحمل هذا التشظي في ذاته المشتعلة والمعبرة عما يدور من حوله، حتى يهيمن الخصام كفضاء، أو كملاذ للذات، حتى تجد لغته الشعرية تنحاز لكيانه المفتوح على احتمالات عديدة.
يقول الشاعر والناقد عدنان بيضون يالروعة النصوص والقصائد .
علام  افترقنا؟
وكيف افترقنا؟ (ص51)
وحتى تكون قصيدته هي الدلالة بعينها والتي تفوح منها مستخرجات هذا النصوص الجنونية  الذي يحمل بين طياتها الدهشة والجرأة، والتي فُرضتا عليها قوة التعبير عبر ملكيته الشعرية المتأتية من بيئته التي إنطلق منها، والخروج على أقل تقدير عن كل ما هو مألوف وموروث  منطلقا من أن القصيدة كذات شعرية. يقول الشاعر والكاتب فيديل سبيتي: "إن الشعر اليوم هو المكان التعبيري الأكثر جدوى من أي وقت مضى. " 
 وعشت ُالرواق   
وكان الفراق (ص 52)
وهل هذا التخاصم يأتي من أرضية معرفية بحكم السائد الذي يعرفه القاصي والداني، وهل الشعر يُكتب لقارئ متخيل حتى يتخذ من القصيدة كتصور، أو ككائن موضوع له، والكتابة الشعرية مفتوحة على كل ما يتصل بالوضع الذي يحيط الشاعر، ويلازمه خلال رحلته الإنسانية ومأساوية الوجود. والمصيبة الكبرى لا تزال موضوعة الشعر هي ذاتها منذ الجاهلية إلى يومنا هذا، تتناول الحب، العشيرة، مدح الوطن. والشعر كما يقال عنه هو الصنعة، والاستعداد، والتهيؤ، وشحذ الآلات. حتى أنه وأقصد الشاعر "سعد" يجد في كل ما يكتبه هو التعبير عن ذاته التي تعيش العزلة والغربة، ومن خلال روحه الصارخة والتي لا تهدأ من عذاباتها، يبث سلطة الشاعر نفسها: 

من حسنات هذه المجموعة وجدنا في معظم القصائد سبكها الموسيقي والنحوي وحبكها الدلالي، حيث حاول الشاعر إنتاج نصوص معبرة عن عصره وعن العقلية الجديدة، وظل مرتبطاً بتراثه وإصالته التي لا زمته إلى يومه هذا 

شاعر لا ذنب له 
غير أشعار جليلة (ص 65)
أجد الشاعر في هذا الديوان "أصداء من خلف الشريط" ومن خلال قصائده والتي تتضمن ثلاثا وستين قصيدة ومقطوعة نظمت ما بين عامي 92 - 99 وتوزيعها أبواب خمسة هي التالية .
1-أصداء من خلف الشريط (تسع قصائد). 2- الجذور (أربع وعشرون قصيدة) 3-  آل البيت (خمس)  4- متفرقات وخواطر شتى (ست عشرة).
يعانق هذا الواقع عبر رحلة عمرية قضاها في وطنه واغترابه الذي طال أمده، وهو متأت من معايشة فيها من الزفرات الكثير، وخفقات قلب مقطعة النياط، وهو يبحث عن "ذاته" عبر خياله، متأملاً في هذه القصائد، مسترجعا بعض إنسانيته ومن معه في هذا العالم المترامي الأطراف.
يقول عنه الدكتور "يحيى الشامي أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية: "إمضِ قدماً، ممسكاً بالمفاتيح، لتترسخ جذور أيكتك الشعرية بأعماق التربة أكثر، ولتسمق الجذوع والأفنان في الفضاء الرحب أطول، إمضِ، إمضِ، ولا تخشى دركا ً".
حق لدينا سنأخذه ُبأنفسنا 
لا الظرف نرعى ولا التحكيم نعتبر ُ(ص23).
تحسس آلام الناس، يحث على الثورة، تؤبن هذا الشهيد وذاك، تشد اليد على أيدي المجاهدين   تباركهم، تدافع عن المستضعفين، فنجد في قصائده العمودية وقصائده النثرية التي كتبت في هذا الديوان عدة جروح لا تزال تنزف دما ًلتقول الحقائق، فاللغة الشعرية أزاحت حمولات  بلاغية دون أن تفقد حمولات بلاغية عديدة، باعتبار القصيدة العمودية لبّ الشعر العربي، وكنت متابعا له في معظم المهرجانات التي تقام هنا أو هناك يقرأ القصيدة العمودية، ولأنه غرف من الشعر العربي الكثير منذ صباه، فظل ينطلق من الشعر العمودي الذي يعتمد على الالتزام بالمبادئ الأصيلة التي استخدمها العرب ممن سبقوه في نظم الشعر، حتى تجد في هذا الديوان "أصداء من خلف الشريط" حسه ُالوطني الواضح في معظم قصائده، تجذره في تراب الوطن.  
إنني الحق الذي لا ينتهي 
مثل حق صار حقا للرياء  (ص98)
شاكيا ناقدا، عاتبا ًثائرًا، ناقما ًهادئاً، ساكناً، مطمئناً، صامتاً، تتأمل، تتذكر، تهفو، تناجي، تحن إلى الوطن، كله هذا في قاموسك العقلي، وهذا التشخيص الواضح والمعلن في قصائدك لهي الدليل في إبراز هذا القبح في عالم الحياة. إن هذا التشخيص الفلسفي للشعر، يراد منه إظهار هذا الواقع على أساس المفهوم العقلي، بالرغم من أن هناك صيحات كثيرة اليوم في عالم النقد تقول ومنها يقول الناقد أحمد فضل شبلول: "شعراء العمودي يكتبون قصائدهم العمودية في شكل أشبه بالشكل التفعيلي، وينثرون كلماتهم وتفعيلاتهم على سطور مثلما يفعل شعراء جدد"، ولو دققنا كثيرا في عمق قصيدتك لوجدنا أن النصوص الشعرية التي تكبتها في هذا الديوان، لتجد والجميع يعرف بما يشهده النص الشعري من صراع عميق يعكس وعيا ً جماليا ًواضحاً .
إنني الحقُ الذي لا ينتهي 
مثل َحق صار حقا ً للرياء  (ص98)
ومن حسنات هذه المجموعة "أصداء من خلف الشريط" وجدنا في معظم القصائد سبكها الموسيقي والنحوي وحبكها الدلالي، حيث حاول الشاعر إنتاج نصوص معبرة عن عصره وعن العقلية الجديدة، وظل مرتبطاً بتراثه وإصالته التي لا زمته إلى يومه هذا .
فللحرية الشهباء نهدي 
قلوبا لا تذلل كالعبيد (ص101).
بقى أن نذكر أن الشاعر ياسر سعد هو ياسر بن أحمد إسماعيل سعد، ولد في بنت جبيل جنوب لبنان سنة 1973، له ديوان ثان بعنوان "خوابي الحنين" صدر عن "دار الأمير للثقافة والعلوم" عام 2007، بعد ديوانه الأول "أصداء من خلفالشريط " عن دار نشر "المطبعة العربية" في الولايات المتحدة الأميركية. شارك في تحرير ونشر مجلة "صفحات أدبية" الصادرة عن رابطة القلم العربية الأميركية .