أغيلاس .. نِمر متطوع لإنقاذ الفقراء من مخاطر كورونا

أغيلاس: الترجمة لا تملك القدرة على سد فجوات التواصل بين الثقافات فقط، ولكنها قادرة على خلق عالم أفضل للبشر المتضررين لأنها تستجيب للتحديات التي يواجهونها.


البحر لم يعد قادرًا على تحمّل العزلة وحلم ليلًا بأنّه قد صار مدينة


أغيلاس: الترجمة شكلت له نهجًا جديدًا لمعرفة العالم من حولي 

"من شابه أباه فما ظلم".. عبارة تصدق تمامًا على "أغيلاس" الابن البكر للكاتب والمترجم والأستاذ الجامعي التونسي المرموق الدكتور محمد آيت ميهوب الذي توجته جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها مؤخرًا عن ترجمته للسِفر الضخم "الإنسان الرومانتيكي".
أقول إن أغيلاس الشاب التونسي العشريني أصاب عندما اختار أن يتخصص في مجال الترجمة من العربية إلى الإنجليزية متحديًا نفسه، وهو الذي أنفق سنوات دراسته المدرسية كلها في دراسة الفرنسية كلغة أجنبية أجادها تمامًا كإجادته للعربية؛ اللغة التي عشقها من فرط عشق والده لها وهو الذي أبدع فيها عددًا من النصوص الروائية البديعة، كما نقل إليها أجمل النصوص الأدبية الفرنسية، وأحدثها النص الذي أسميته "ليل موباسان".
ولم يتأثر أغيلاس بعشق والده للحرف العربي، أو لنقل أجمل الإبداعات إلى لغة الضاد لتصبح متاحة لنا نحن القارئين بها، وإنما عشق الشاب "بنزرت"؛ مسقط رأسه ومرتع صباه التي تعرفت إليه فيها قبل أكثر من خمس سنوات، والتي كتب عنه والده نصًا بديعًا بعنوان "حلم البحر بأن يصبح مدينة" الذي قال فيه:
بنزرت نزوة شعريّة تتسكّع بين قصيدتين... امرأة ينهض الصباح باكرًا ليراها وهي تسرّح ضفائرها الهوج... بنزرت قافية مغناج شرود تهتزّ على إيقاعها مجاديف السفائن.. قطرة خمر بابليّة عتيقة استقطرتها كلّ الدنى وعلّقتها دمعة في بيت المزن تهمي في كلّ آن وحين. 

حوارات
رحلة مثمرة ومجزية

هل منكم من رأى مدينة تسابق زائريها وترحل هي إلى مدنهم حين يتهيّؤون للرحيل عنها؟
بنزرت هي تلك المدينة التي إذا ما فارقتها ودخلت بيتك وفتحت حقائب سفرك، ألفيت روائحها وهمساتها وبحارها وأحراشها وأزقّتها وغاباتها ومآذنها وأسواقها تنسكب في وجودك تغمر أيّامك ولياليك شعرًا وعشقًا وجمالًا واستيهامًا، فيستقرّ في خلدك أنّك ما فارقتها بل هي التي فارقتك بعد أن أسكنت إلى الأبد جزءًا منها فيك ثمّ طارت تعبر كعهدها المسافة الفاصلة بين الماضي والحاضر، والبحر والبرّ، واللغة والوجود.
أحقّا هذه مدينة وأمكنة، جدران وسقوف، بيوت ومقابر، أم هي تخاييل وصور، أنغام وقوافٍ، استعارات وتشابيه؟ 
أهي حقّا مدينة يحيط بها البحر من جهات ثلاث ويشقّها طولًا وعرضًا جاعلًا منها مربّعات قائمة وسط المياه، أم هي البحر تصالح في لحظة من لحظات الماضي السحيق مع اليابسة فدعاها ترسي لها مدينة وسطه؟ 
تحدّث المؤرّخون القدماء عن سرّ تسمية بنزرت قديما بـ"هيبو زاريتوس" و"هيبو أكرا" وذكروا أنّ معناهما هو "المدينة التي تشقّها المياه" ولكنّهم توقّفوا عند التاريخ المعروف بما لا يجاوز ثلاثة آلاف سنة ولم يرحلوا إلى زمن أسطوري سحيق كان فيه البحر المتوسّط يقيم وحيدًا معزولًا في هذه المنطقة النائية التي تمثّل أقصى نقطة شماليّة في إفريقيا.
وفي يوم من الأيّام لم يعد البحر قادرًا على تحمّل العزلة وحلم ليلًا بأنّه قد صار مدينة... فكانت "هيبو".. "بنزرت"... ومن حينها لم يعد بحر بنزرت هولًا مجهولًا خطيرًا تحفّه المهالك، بل صار محطّة يتوقّف عندها البشر وتصبّ عند سواحلها كلّ بحار العالم لتستريح من موج، وتنشّف أهدابها من بلل.
أعود للتعريف بأغيلاس بعد أن أصبح من أبرز مترجمي منظمة "مترجمين بلا حدود" TWB  التي تقول عنه إنه حتى شهر فبراير/شباط 2021 تطوع بترجمة 70287 كلمة من الإنجليزية إلى العربية، وأكدت أنه يعشق مسقط رأسه "بنزرت" الجميلة التي تقع في شمال تونس، في أعلى نقطة من قارة إفريقيا، ولقبته بـ"حارس الليل" لكونه يفضل الترجمة في هدأة الليل.
وردًا عن السؤال: "من أين انطلقت الرحلة؟" تكون الإجابة: من بنزرت، قرر أغيلاس أن يسّخر إمكاناته المهنية لخدمة المنظمات الإنسانية الدولية التي تسعى لدعم المحتاجين. وقد نجم قراره هذا عن رغبته في دعم المجتمعات المهمشة في البلدان المتضررة من جراء الحروب والنزاعات المشتعلة، والأشخاص الذين يواجهون العنف بسبب النوع، أو الوضعية الاجتماعية.
ويرى أغيلاس أن تطوعه كمترجم سيمنحه فرصة للتعريف بإمكاناته في هذا المجال من أجل إرساء قواعد حياته المهنية بشكل أفضل، ولاكتساب خبرة مهنية تفيده على امتداد رحلته.
ويذكر لنا أغيلاس أنه في خطواته الأولى وجد الفرصة التي كان يبحث عنها في "منظمة مترجمون بلا حدود" TWB، عندما وجد أنها تتمتع بقيم تتوافق مع مبادئه في تنوير الأشخاص بلغة يفهمونها.

وأغيلاس مثله مثل الكثيرين منا عمل خلال العام الماضي من داخل منزله عبر شبكة الإنترنت. ولم تؤثر قيود مواجهة الوباء في تونس على جدول عمله كمترجم. حتى قبل تطبيق نظام الحجر الصحي في بلاده، فقد كان يشتغل وفق نظام زمني محدد، حيث يخصص ثلاث ساعات كل ليلة للعمل التطوعي كمترجم ومدقق، وقد التزم بهذه العادة يوميًا مما سمح له بالتركيز على مهام التدقيق الأضخم لمنظمة مترجمين بلا حدود فترجم أكثر من 70000 كلمة لـ 25 منظمة غير ربحية مختلفة.
ومكَّنه المشروع الأساسي، الذي اشتغل عليه، من تعزيز معرفة كثير من البشر في مجال" الصحة العامة والتدابير الاجتماعية للاستجابة لمواجهة جائحة كورونا في الأماكن ذات القدرات والأوضاع الإنسانية البائسة.
ويذكر أغيلاس أن مشروعه يسعى إلى حث العاملين مع المجتمعات المحلية والسلطات المحلية للحد من خطر انتشار الجوائح، وتطوير المشروع بالتعاون مع الصليب الأحمر الأميركي  (ARC)واللجنة الدولية للصليب الأحمر  (ICRC) والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC) والمنظمة الدولية للهجرة (IOM) ومجلس اللاجئين النرويجي(NRC)  ومنظمة اليونيسيف، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة)، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) ومنظمة الصحة العالمية (WHO) وأعضاء اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات (IASC) . 
ويذكر أغيلاس أنه مهتم بتكريس الوقت لمراجعة أكبر عدد ممكن من الوثائق المتعلقة بجائحة كورونا لتعزيز نشر معلومات دقيقة وموثوقة للمناطق الناطقة باللغة العربية، ودعم البشر خلال الوباء.
وعندما سُئل عن أثر التطوع على حياته، أجاب: "إنها حقًا تجربة حياة، وأنا فخور بأنني كرست مهاراتي من أجل قضية نبيلة ومشرفة، وفعلًا أحدثت فرقًا في المجتمع العالمي. فعبر ترجماتي، دعمت المحتاجين، وأمددتهم بالمعلومات الأساسية الحاسمة، بل وأسهمت في إنقاذ كثير من الأرواح.
ويذهب أغيلاس إلى القول بأن الترجمة شكلت له نهجًا جديدًا لمعرفة العالم من حوله. ويضيف قائلًا: "إنني أعتقد أن الترجمة لا تملك القدرة على سد فجوات التواصل بين الثقافات فقط، ولكنها قادرة على خلق عالم أفضل للبشر المتضررين لأنها تستجيب للتحديات التي يواجهونها، وتجنب حدوث الكوارث".
ويذكر أغيلاس أنه بعد عام واحد فقط من تطوعه بالعمل مع "مترجمين بلا حدود"، امتلك بعض الذكريات الرائعة التي يريد أن يشاركها معنا مثل: الفوز بالمركز الثالث في ماراثون الترجمة في سبتمبر/أيلول 2019 
ويبدو أغيلاس مع جائزة ماراثون الترجمة العربية، مرتديًا إياها وهي تتمثل في قميص يظهر عليه عدد كلمات الترجمة التي تطوع بإنجازها لصالح مترجمين بلا حدود، والبالغ 70287 وقت التقاط الصورة.
وفي الختام، يقول أغيلاس: لقد كانت رحلة مثمرة ومجزية. ولقد استمتعت بكل يوم في هذه التجربة. لقد كانت مغامرة رائعة لن أنساها أبدًا، ففي الواقع، لا يمكن للكلمات أن تصف مدى امتناني لفريق مترجمين بلا حدود بأكمله.