التوظيف السردي للأسطورة في "دمية أفروديت"

رواية شريف عابدين تتناول دور محركة الدمى الذي لعبته "الإلهة أفروديت" في التحكم في المصائر من خلال التلاعب بالكائنات كعرائس الماريونيت.


علينا أن نقترب من الواقع؛ بالقدر الذي يسمح لنا أن نحلق في أفق الخيال


إثارة الغرائز التي توَلِّد الرغبة المتقدة

عن دور محركة الدمى الذي لعبته "الإلهة أفروديت" في التحكم في المصائر من خلال التلاعب بالكائنات كعرائس الماريونيت عبر الإثارة الغريزية التي توَلِّد الرغبة المتقدة. 
من خلال فصول: زيوس بعد التنحي، حرب استعادة هيلين، مؤاخذة لونيرا، مأساة جالاتيا، مسخ ميدوسا؛ تناولت الرواية أنموذجًا حكائيًا لدميةَ أفروديت، وصولًا إلى فصل النهاية: صعود أفروديت إلى كوكب الزهرة.
آليات التوظيف الأسطوري:
أولًا: التخييل
إذا كان المنظور الشائع للأسطورة باعتبارها دربا من الخيال أفرزه العقل الجمعي على مدى العصور؛ فإن الانطلاق من منصة الخيال، للاسترسال في التخييل يضفي عليه التشويق ويرفع سقف توقعات المتلقي.
استهل الكاتب الدكتور شريف عابدين روايته - الصادرة عن دار المفكر العربي للنشر والتوزيع 2021 - باستلهام مقولة الروائي اللاتيني ماريو بارجاس يوسا: "علينا أن نقترب من الواقع؛ بالقدر الذي يسمح لنا أن نحلق في أفق الخيال". وقام بتطبيق ذلك على العديد من نماذج الواقع الأسطوري الذي طرحه هوميروس، وأوفيد، وهيسيودوس؛ بالتبئير على وقائع معينة في المتن الأسطوري، منطلقًا منها إلى التخييل مثل: 

الكاتب جعل من الأسطورة مرتكزًا للأحداث، وفتح مسارات سردية غير مسبوقة - من حيث التوظيف وبناء الحبكة - كما فتح أمام القارئ آفاقًا رحبة ليسبر أغوار العالم القديم

1.    "لم تنته مهمة أرجوس، المخلوق ذي المئة عين الذي كلفته هيرا بمراقبة والد  معشوقة زيوس بعد أن قتله هرميس، اتجهت إليه على الفور برفقة مساعديها من السايكلوبس. أمرت - كنوع من التكريم لحارسها المخلص - بتثبيت عيونه في ذيل الطاووس، وحفظها إلى الأبد.
يقوم الكاتب بالتخييل انطلاقًا من هذه الفكرة على النحو التالي:
نكايةً في زيوس، وليكون في استطاعة هيرا معرفة ما يدور في رأسه، كلفت هيفايستوس بتطوير عين أرجوس المثبتة في ريشة الطاووس؛ بحيث تتجاوز الإبصار إلى النفاذ داخل النفس لتستشعر النوايا، وتكشف عما يدور في عقله ولتنم عن مكنون قلبه بحيث تصدر كل ريشة إشارتها وتهتز بشدة، عندما تلتقط العين موجات تشي بسلوك عدائي للرجل. 
2.    "فكرت هيرا في أن توثق لحظة لقاء حميمي بين زيوس وأفروديت، يشهده مجلس الأولمب بالرؤية المباشرة، تذكرت هيفايستوس ابنها الصانع الماهر الذي تعامل من قبل ببراعة مع موقف مماثل حين علم بتورط زوجته مع شقيقه آريس؛ فنصب لهما شبكة غير مرئية في الفراش، انكمشت فور اندماجهما، وأطبقت عليهما.  
يقوم الكاتب بالتخييل انطلاقًا من هذه الفكرة على النحو التالي:
استغرق هيفايستوس السؤال: هل يصمم أريكة تفاعلية تبعا لدرجة الثمالة حسب رغبة هيرا، أم وفقًا لدرجة حرارة حميمية اللقاء؟
ولأنه وهو إله الحديد والنار أكثر خبرة بالدفء فقد استبعد الثمالة. وأعد أريكة تجمعهما، كل مرحلة من الدفء، تتبعها درجة من ميل ظهر المقعد قبلها، وتتحول عند ارتفاع درجة حرارة اللقاء إلى فراش، يضمهما معًا؛ عندما تتقد مشاعرهما، ليشجعهما على الاسترخاء والاندماج. وعند حدوث جذوة الانتشاء تطبق عليهما الشباك المعدنية.
وهكذا يكون شريف عابدين قد نجح في التعامل مع الواقع الأسطوري الذي يتسم بالوعي الخرافي بتقنية الخيال العلمي؛ لتوظيف الأسطورة في تنمية قدرات الشخصية على تلبية لاحتياجاتها في إطار حبكة السرد.
ثانيًا: البعد التناصي في المحكي الأسطوري:
يقول برومثيوس في حديث مع هيستيا حول حرب طروادة: "أثينا أعطت العالم درسًا لا ينسى، ثمة كائن ضئيل كالحصان، يمكنه اختراق الحصون المنيعة ودمار مدينة شاسعة بأكملها. نلمح هنا إسقاطًا على أحداث الربيع العربي بالتناظر بين الدمار في طروادة والدمار في دول عربية مثل: سوريا واليمن وليبيا.
والتماثل القائم بين "حصان طروادة" الذي اشتق منه اللفظ المعاصر المرتبط بالاختراق الإلكتروني (Trojan Horse)، ودوره الحاسم في سقوط دول الربيع العربي عبر شبكات التواصل اﻻجتماعي وأجهزة المخابرات العالمية.

novel
نريد انتقالًا سلميًا للسلطة يتم في هدوء

ثالثًا: عصرنة الأسطورة:
إذا كان المنظور الشائع للأسطورة باعتبارها درب من الخيال أفرزه العقل الجمعي على مدى العصور؛ فإن تضفير هذا السياق الخيالي بعناصر واقعية يضفي عليه قابلية التصديق، كما يثير التشظي الزمكاني الذي يصحبه، دهشة المتلقي. بالإضافة إلى أن دمجهما يحيل إلى إسقاطات على الواقع أو الأسطورة. 
يشير مصطلح "عصرنة الأسطورة" إلى ارتباطها بالواقع من المنظور الزمكاني، كمقابل لمصطلح أسطرة الواقع.
في "دمية أفروديت" يطل الكاتب من نافذة الحاضر على أغوار الماضي ليربط الواقع وقضاياه المعاصرة بشخصيات أسطورية تكاد تتماهى بسلوكها مع شخصيات متحركة في حاضر معاش بكل تفاصيله الحقيقية. 
هذا الاستحضار يجعل التشظي الواعي لخطية السرد وإطاره التاريخي، ممزوجًا بنفحات ساخرة أحيانًا، ودالة أحيانًا أخرى. ويمكن أن نلمس التوازي بين الآلهة على قمة جبال الأولمب وبعض الحكام على الأرض.
يقول عابدين: "يعلن المذيع في النشرة عن تبعات الأزمة الاقتصادية وخطر الخروج من منطقة اليورو"، ولعل هذا التضمين جاء كتعقيب على تلميح هيرا لزوجها زيوس بإسرافه الشديد. 
" - عمومًا لا شأن لي بنفقاتك الباهظة، فهي خزانة الأولمب وصندوق النقد الكوني التي تنوء بطلباتك، وتنزف بإسرافك، وتتحمل تكلفة حماقتك".
وكذلك نجد العصرنة في أكثر من نموذج، مثل:
"يتحدث عن مشكلة الطاقة وتبعات الأزمة الاقتصادية، يعلن عن تلويح الإتحاد الأوروبي بخروج اليونان من منطقة اليورو"، ويقترح الحلول المناسبة استشهادًا بنماذج دولية معاصرة.
"نريد انتقالًا سلميًا للسلطة يتم في هدوء، دون أن ننغص على قاطني الكون من البشر وباقي المخلوقات باضطراب الظواهر الكونية".
جعل الكاتب من الأسطورة مرتكزًا للأحداث، وفتح مسارات سردية غير مسبوقة - من حيث التوظيف وبناء الحبكة - كما فتح أمام القارئ آفاقًا رحبة ليسبر أغوار العالم القديم، وفق بناء يعتمد على تشظي خطية السرد باعتماد حكي استرجاعي، من جهة، وتضمين لمعطيات وأحداث واقع معاصر بكل دسائسه، وفظاعته، وغرائبيته؛ واقع تستنسخ بشاعته ومآسيه منذ ألوف السنين.