"على حافة الحياة" من العربية إلى الإنكليزية في هامبورغ

مجموعة عيسى بيومي القصصية تحتوي على خمس عشرة قصة قصيرة، لا تقتفي اتجاهًا زمنيًا مألوفًا لنا.


هناك خيط خفي يربط بين القصص كلها يستنبطه قارئها إذا التقى كاتبها على حافة الحياة


القراءة أصبحت غذاء ضمير الكاتب الذي كان لم يزل بعد في مهده

"بالنسبة للكاتب عيسى بيومي ليس للزمن اتجاه إلا أن يكون في نظرته للحياة ولمن يدهشهم الشعور بها. والمكان بالنسبة له هو حيث تتجلى الطبيعة برونقها وتجذبنا للالتفات إليها والاندماج معها".  
هكذا يقدم عيسى بيومي لمجموعته القصصية الجديدة "على حافة الحياة" التي صدرت بالإنجليزية في هامبورج منذ يومين عن دار النشر الألمانية تريديتسيون، بعد أن صدرت بالعربية في القاهرة عن "المكتب المصري الحديث".  
وتحتوي هذه المجموعة على خمس عشرة قصة قصيرة، لا تقتفي اتجاهًا زمنيًا مألوفًا لنا، فتنطلق من ماض معلوم إلى مستقبل مجهول، ولا ترتحل في المكان من جنوبه إلى شماله. لكن هناك خيطًا خافيًا يربط بينها كلها يستنبطه قارئها إذا التقى كاتبها على حافة الحياة.  
فهنالك على تلك الحافة ينسى الإنسان زمنًا بعينه وتختفي حدود مكانه، وهنالك يستشعر في داخله إحساسًا بالأبدية.  
وعيسى بيومي وقع في هوى الكتب منذ تعلم القراءة، على اعتبار أن القراءة وسيلة لاستكشاف عالم المعرفة، وهو لم يتوقف أبدًا عن ارتياد دروب هذا العالم المكتظ بالدهشة، القادر على إبهار العقل، وإثراء الشعور.  
 ولقد اكتشف كاتبنا خلال ارتياده هذا العالم أن الكتابة وسيلته للتعبير عن مشاعره، واستقصاء أفكاره وآرائه عن أسرار الحياة ووجود الإنسان وغيره من الكائنات فيها.  
وقد بدأ شغف المهندس عيسى بيومي بالقراءة من مطالعة المجلات المصورة مثل: "سوبرمان"، و"تان تان"، وغيرهما، وهو بعد طفل صغير حفزه خياله ليعيش دنيا موازية لدنيا واقعه؛ شخوصها أبطال من ورق، ولكن أحداثها تمور في إدراكه وكأنها واقع بديل.  
وهكذا ترسخت في كيانه معاني الخير والشر، ومفاهيم الصواب والخطأ، فأصبحت القراءة غذاء ضميره الذي كان لم يزل بعد في مهده.  
ولكن ما كان يصلح لغذاء خياله وهو طفل لم يعد كافيًا وهو ينمو وينضج؛ فانتقل إلى قراءة القصص العربية والروايات العالمية المترجمة في سلسلة "روايات الهلال"، وغيرها من سلاسل: "أرسين لوبين"،  و"شارلوك هولمز".  
ولعل انتقاله إلى هذا العالم الفسيح الذي لا حدود لاتساعه، ولا نهاية لأعماقه، جعله يتحمس للمشاركة فيه، والإضافة إليه.  
ومن هنا بدأ عيسى بيومي كتابة القصة القصيرة، وهو لم يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا.  
وفي الجامعة،  لم تؤثر دراسته للهندسة في عالمه الخاص الذي كان يكبر معه وتتعدد أبعاده؛ فإلى جانب ميكانيكا الموائع، قرأ في: الفلسفة، وعلم النفس، وإلى جانب نظريات بناء السفن اطلع على كتب التاريخ وتراجم العظماء.  
وفي بحثه عن أصل الوجود وغاية الحياة والقيم الإنسانية، لم يتوقف عند كتب الأديان وما وراء الطبيعة، وإنما خاض في بحر العلوم الطبيعية؛ من فيزياء ورياضيات وأحياء وفلك، فكانت تلك رحلته نحو نفسه.  
وعلى الرغم من أعباء حياته العملية التي حملته إلى قارات العالم، من شرقه إلى غربه، إلا أنه لم يتوقف عن بحثه المستمر عما يجهله، ولم يخفت شغفه بالقراءة والكتابة حيثما كان، وأينما انتهى به المقام فيما يقرب من خمسين دولة؛ طاف بها أو حل بين أهلها فاختبر ثقافتهم.  

short story
يلتبس الزمان بالمكان 

ومن كتابة القصة القصيرة إلى الرواية، إلى تأليف الكتب الفكرية، نشر عيسى بيومي اثني عشر كتابًا توجها بسيرته الذاتية. ولكن ما نقرأه في مجموعته القصصية "على حافة الحياة" يكاد يفصح عن شخصية كاتبها، واهتماماته كما حاولنا الإشارة إليه في هذه العجالة.  
وبعد قراءة هذه المجموعة القصصية قالت الكاتبة المبدعة الدكتورة بسمة الصقار، معبرة عن انطباعها وتأثرها بقصصها إن كل قصة من قصصها نسيج متقن يجمع بين الفلسفة والعلم والصور الحية التي تجعلك ترتحل مع أبطالها إلى مسارح الأحداث؛ فترى بأعينهم وتقرأ بأصواتهم وتسمع بآذانهم.  
وفي كل لحظة يجبرك الكاتب على الترحال لاقتفاء أثر ذاتك بنفسك، بينما أنت مسافر في قطار لا تعرف وجهته، يلتبس الزمان بالمكان وأنت هائم، لا تدرك لحظات المد والجزر في عمرك، فأنت تغوص معه في كل محاولة إبحار جديدة دون مقاومة، ولكن تأكد أن تلك الأعماق هي المكان الوحيد الذي ستقابل فيه نفسك.  
نعم لقد وقف عيسى بيومي على حافة الحياة وتركنا نغوص في أعماقها. وذات مساء طرحت عليه مقدمة برامج في قناة النيل الثقافية سؤالًا في إحدى مقابلاته التلفزيونية بمناسبة صدور سيرته الذاتية "من حياتي: تجارب في معرفة الذات": لماذا تكتب؟ فأعاده سؤالها إلى سني عمره الأولى وقت كان صبيًا يتلهف على رائحة الورق المطبوع الذي يعده بتذكرة دخول إلى عالم الخيال ليلتقي في رحابه بشخوص تمنحه لحظات من الطمأنينة والأمل. نعم، ولهذا فهو يكتب؛ كي يخلق الأمل.