حسين عيد .. عام من الغياب

الأديب والناقد حسين كان مؤمنًا بأن الكتابة الأدبية تبقى تجربة إنسانية بالغة الرقي، وبالغة التعقيد أيضًا. 


"تجربة الكتابة" محاولة مخلصة لاستكشاف زاوية أخرى من زوايا لغزها المحير


أوجه الكتابة المتعددة، الباعثة على الدهشة المربكة

لأن الأديب والناقد حسين عيد الذي نحيي الذكرى الأولى لرحيله كان مؤمنًا بأن الكتابة الأدبية تبقى تجربة إنسانية بالغة الرقي، وبالغة التعقيد أيضًا، فإن الكثير من الباحثين والنقاد سيظلون يطوفون حول ماهيتها، وكيفياتها، وأسبابها، وأهدافها.  
وفى إطار هذه المحاولات الحثيثة، جاء كتابه "تجربة الكتابة"، محاولة مخلصة لاستكشاف زاوية أخرى من زوايا لغزها المحير، وهو يعرض في مستهله أوجه الكتابة المتعددة، الباعثة على الدهشة المربكة؛ فمرة يعتبرها البعض الغموض بعينه، والكنز الذي لا يعرف أحد مكنون أسراره، بينما يمتلك بعض الأفراد القدرة علي فكّ طلاسمه، والنهل من معينه، وقد يقول عنها بعض الكتّاب: "ما أصعبها تجربة، وما أشقّ ما تستنفد من جهد، قد نقع في حبائلها دون رغبة، مدفوعين بقوى غريبة، تحضّنا علي الاستمرار لاهثين، سعيًا لاكتشاف المجهول من أنفسنا ومن العالم حولنا". 
وقد يقول عنها بعض القراء: "ما أشد ما تثيره من فضول، وما أعمق ما تفجّره من أسئلة، حول أسرار العلاقة بين الكاتب وما يكتب، بين الشخصي والمكتوب، بين تكوين الكاتب والمنتج الأدبي، وبين حدود عالمه الداخلي والواقع الخارجي". 
وحسين عيد، كان يحرص دومًا على أن يلفتنا في كتبه الشيقة التي ستظل حية في يد القارئ العربي لأنه في مسيس الحاجة إلى مطالعتها، إلى أن كتابه "تجربة الكتابة" جاء نتاجًا طبيعيًا لرحلة طويلة في الاطلاع على الآداب العربية والعالمية، كما أنه نتيجة لممارسات نقدية تجاوزت ربع القرن بكثير، تناولت أعمال عشرات من الكتاب المصريين والعرب والأجانب، فكانت "تجربة الكتابة" تشغل تيارًا رئيسيًا متغلغلًا فيها. 

المجالات التي أبدع فيها حسين عيد تتنوع فيما بين: الترجمة والنقد والدراسة والإبداع القصصي والروائي، وهو صاحب عشرات الكتب في النقد، وفي الترجمة، كما أن له العديد من الروايات، والمجموعات القصصية

وقد أوضح لي صديقي حسين عيد أنه انتهج المنهج التطبيقي في إعداد مادة هذا الكتاب، فهو يحلل الأعمال الأدبية الخاصة بأحد المبدعين الأدباء، سواء أكانت قصة أو رواية أو مسرحية، ثم يرجع إلى ما يمده عن الكاتب بمعلومات خاصة، مثل سيرته الذاتية، أو حواراته المتفرقة هنا وهناك، ليربط بين النص، وحياة صاحبه وواقعه المعاش، في محاولة مجهدة لاستكشاف كنه لغز الكتابة. 
وتحت مجهر دراسته أخضع حسين عيد خمسة وثلاثين كاتبًا للدراسة والتحليل، ووزعهم على فصول كتابه السبعة. 
في أولها تناول أسباب الكتابة، وهل تتغير باختلاف الجنس الأدبي؟ وفى ثانيها تعرض لظروف نشأة الكاتب، ومدى تأثيرها على نوعية إبداعه، فيما كانت التحولات التي تطرأ على حياة الكاتب وتأثيرها على إبداعه موضوعًا للفصل الثالث، وقد أفرد الفصل الرابع لدراسة ما يواجه الكاتب من صعاب، موضحًا كيف تؤثر في قريحته الأدبية؟ بينما يتناول في الفصل الخامس سبل تدخل الكاتب في سير العملية الإبداعية، أما الفصل السادس فقد اهتم فيه بتأمل تأثير الاغتراب بنوعيه المادي والمعنوي على الكاتب وكتاباته، ثم يأتي الفصل السابع والأخير ليدرس متأنيًا الأسباب التي تدعو الكاتب إلى التوقف عن الإبداع. 
ومن خلال تصفح هذا الكتاب الممتع نتعرف على الأسباب التي حدت بناقد كبير مثل الدكتور شكري عياد إلى تدوين سيرته الذاتية التي نشرها تحت عنوان بديع هو "العيش على الحافة". 
وعبر صفحات هذا الكتاب تتضح للقارئ البواعث التي تكمن وراء كتابة السيرة الذاتية؛ ومنها رغبة المؤلف الملحة في إقامة صلات حميمة مع القارئ، ثم إدراكه قيمة الكتابة التي يستمد منها قيمته ككاتب، وقدرية الكتابة بالنسبة إليه وإلى كل صاحب قلم، وربما لكون الكتابة بوحًا وفضفضة يؤديان إلى اعترافات مُطَهِرة للنفس؛ لا سيما وأنها تعد سببًا آخر من أسباب اللجوء للقلم، كما أنها محاولة للتعرف على الذات والوصول الآمن إلى النفس، وربما تكون كتابة السير الذاتية تحديدًا، ليست أكثر من وسيلة لاستدعاء لحظات ولتّ. 
وإذا أردنا أن نتأمل أسلوب حسين عيد في الدراسة الأدبية أدعوكم إلى مطالعة ما كتبه عن بهاء طاهر الذي خصه بكتاب مستقل كما فعل مع فتحي غانم، ويوسف إدريس، وثروت أباظة وغيرهم. 
ففي كتابه الصادر في مناسبة الاحتفاء ببلوغ بهاء طاهر الثمانين قدم حسين عيد قراءة جديدة لرواية "خالتي صفية والدير"، التي صدرت عن دار الهلال عام 1991، يقول: "إن مرتكز الرواية، أو حدثها الجوهري الذي دار في حقبة الخمسينيات من القرن العشرين يتناول علاقة تربط بين أجمل الجميلات وأجمل الشباب في قرية في صعيد مصر الجواني، قرب الأقصر، ويسري إحساس بين الأهالي أنهما لبعضهما. لكن أحياناً يكون للقدر رأي آخر. 
تحتل مقدمة مسرح الأحداث ثلاث شخصيات رئيسية؛ أولها الراوي، وهو شخص قارب الأربعين، يسرد أحداث الرواية عندما كان في الثانية عشرة من عمره تقريبًا، بعد أن أنهى الإبتدائية. 

والشخصية الثانية، هي خالة صفية التي لم تكن تكبر الراوي بأكثر من سبع أو ثماني سنوات. وهي لم تكن في الحقيقة خالته. فقد تربيا معًا. وعى عليها في البيت مثل واحدة من أخواته الأربع، وكن جميعًا أصغر منها سنًّا باستثناء البكرية "ورد الشام"، ولكن أمّه علمته من الصغر أن يقول لصفية "يا خالتي"، وهي التي كانت ابنة خال أمه، توفي أبوها وأمها معًا في واحد من أوبئة الملاريا التي كانت تضرب البلدة كلّ حين. ولما كانت أمه هي من بقي لها، ولما كان أبوه ابن عم أمه أيضًا، فكان طبيعيًا أن تأتي صفية لتعيش معهم في البيت. 
أما مربط الفرس، فهو أن صفية كانت منذ الصغر تلفت الأنظار بـجمالها القتان. وكثيرًا ما كانت أمه بعد أن ينصرف الضيوف ترقيها وتبخرها خوفًا عليها من العين، وكان هذا يثير غيرة أخواته، لولا أن عشقهن لها لم يكن يقل عن عشق الراوي، اذ كن يتعلقن برقبتها ويقبلنها باستمرار، وكان هو محرومًا من ذلك لأن أمه وأبيه اعتبراه رجلًا من السادسة تقريبًا ويجب عليه أن يتجنب اللعب مع البنات.  
الشخصية الثالثة، هي شخصية "حربي". ومثلما كانت خالته صفية جميلة بين البنات، كان عمه حربي كذلك جميلًا بين الرجال؛ طويل القامة، بشرته خمرية، يتمتع بصوت قوي وموهبة في الغناء. وكان ابن عمّ أبيه من بعيد، يتيم الأب والأم هو الآخر، ومن أمهر مزارعي البلدة، وكان يتردد على بيتهم باستمرار ويعتبره أبوه المحروم من الأشقاء أخاه الأصغر مثله في ذلك مثل أمه التي كانت تخاطبه أيضًا بلقب الأخوة: "يا ولد والدي".  
كان من المعروف أن حربي على علاقة بـ "أمونة" البيضاء الحلبية؛ أي الغجرية، ذات الشعر الذهبي التي ترقص في الأفراح، وهي تعشقه من دون الرجال على كثرة من كانوا يتمنون التقرب منها، وأنها ألفت أغنية في هواه تناقلتها الأفواه ورددتها في حضرة حربي وفي غيابه. 
الشخصية الرابعة، هي البك القنصل، الذي كان حائزًا على رتبة البكوية من أيام الملكية، ومع أنه كان أكبر مالك للأرض في البلد وصاحب أكبر بيت فيها، إلا انه كان يعيش في الأقصر في بيت مستقل يقال عنه "السراي". 
بدأ خطّاب صفية يتوافدون على والد الراوي منذ كانت في العاشرة تقريبًا، فأعلن بوضوح أنه لن يزوّجها قبل أن تبلغ السن الشرعية، وكان أربعة عشر عامًا في ذلك الوقت. وهنا، يكشف الراوي الحقيقة: لأنه "لم تكن المدرسة ولا السن الشرعي هما السبب الوحيد لرفض أبي خطّاب صفية، كان هناك قبل كلّ شيء إحساس في بيتنا وخارج بيتنا بأن صفية لحربي". 
وقد دافع الرجل عن قناعته بجسارة مؤخّرًا سن زواجها وهو ما يعتبر عيباً في البيئة الصعيدية، التي تعتبر مآل البنت الطبيعي هو بيت الزوجية.  
انتظر طويلًا أن يتقدم حربي، لكنه لم يفعل. ولذلك فسرعان ما سقط في الحرج حين جاء البك مع حربي يخطب صفية لنفسه. 
كان البك قد جاوز الستين من عمره، بعد أن تزوّج مرتين دون أن ينجب، ولما ظلّ أبو الراوي صامتًا، بادر حربي قائلًا في حماس إنه شرف لأيّ بنت أن يتزوجها البك ويرفع مقامها. فوافق الأب، لكنه وجد مخرجًا من حرج الموقف بالتحجج بانّ زواج البنت يحتاج الى رأيها، فصفق حربي بيديه، وقال: "نسأل صاحبة الشأن". 
تقول "ورد الشام"، كبرى أخوات الراوي، إن صفية تضرّج وجهها حمرة لمّا حمل أبي إليها الخبر، وسألته بصوت خافت: "حربي قال ذلك؟" فرد أبي مستسلمًا وهو يزفر: "نعم يا بنتي!". 
 تقول أختي إن صفية رفعت بعد ذلك رأسها، وكانت عيناها نصف وجهها، وكان فيهما ذلك البريق الغريب، وقالت لأبي بهدوء: "موافقة يا والدي.. سأتزوّج القنصل وسأعطيه ولدا". 
اندهش الأب، لكنه خرج ينقل للبك موافقة صفية. وهكذا تزوجت الخالة وانتقلت لتعيش في السراي. 
وهنا يطرح حسين عيد سؤالين يتعلقان بطبيعة (العلاقة) بين صفية وحربي، وهما: 
هل أحبت صفية حربي؟ وهل أحبها هو؟ 
ومما يجدر بالذكر أن المجالات التي أبدع فيها حسين عيد تتنوع فيما بين: الترجمة والنقد والدراسة والإبداع القصصي والروائي، وهو صاحب عشرات الكتب في النقد، وفي الترجمة، كما أن له العديد من الروايات، والمجموعات القصصية.