سمير الفيل .. كاتب الحارة الشعبية ومؤرخ الفقراء

أداء سمير الفيل في "أيام الرواية" هو الذي جعلني أحرص على ضمه إلى اللجنة الإعلامية التي كنت أرأسها في احتفال مصر بمئوية توفيق الحكيم.


الكاتب نجح في تحويل مساره من سكة الشعر إلى وجهة القصة القصيرة


هدفي هو توصيل المتعة الفنية للقارئ

زف إلينا الدكتور شريف عابدين، قبل أيام، خبرًا أسعدنا كثيرًا قبل أن تتنبه إليه المواقع الإخبارية عندما أعلن على حسابه على "الفيس بوك" نبأ فوز الأديب الدمياطي المخضرم سمير الفيل بجائزة ساويرس في القصة القصيرة لهذا العام عن مجموعته "أتوبيس خط 77"، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2019. 
ومن فرط سعادتي بالخبر طلبته على الهاتف ليصلني صوته قويًا مجلجلًا. وكانت أول جملة قالها قبل أن يسمع صوتي: "أعلم أنك أكتر واحد فرح لي". 
والحقيقة أن علاقة نادرة تربطني بسمير الفيل منذ عقود، وأشهد أنه نموذج فريد في براعته وبساطته وهو يكتب كما يتكلم مع من يحب، فقد علمته الحياة التي أفقدته الأب وهو بعد في ميعة الصبا أن يستنفر كافة حواسه وهو يمضي في ضروب الحياة الوعرة التي جعلته يعمل صبيًا في ورشة من ورش دمياط، فتتأكد لديه أهمية الاعتماد على النفس والرغبة في التميز ليخرج من هذه الدائرة إلى ساحة الإبداع التي ولد ليكون أحد فرسانها. 
وأتصور أن ملاحظة سمير الفيل للحياة الدمياطية في صباه وفي شبابه وحتى في كهولته يتسق معها حرصه على ملاحظة أكثر الأمور دقة في الحياة العسكرية التي كان له شرف الإسهام فيها جنديًا في جيش مصر العظيم، وعنها كتب عددًا من أبدع نصوصه القصصية التي انتمت إلى مصطلح "أدب الحرب"، وهذا الوعي أيضًا هو الذي جعله يظفر من جائحة كورونا اللعينة بستين قصة ربما لا تخطر ببال الكثيرين منا، وقد وزعها على ثلاثة كتب تتوالى في الصدور لتؤكد أن أقسى ما في حياتنا يمكن أن يلهمنا إبداعًا تخلده الأيام، وربما يصبح أيضًا وثائق اجتماعية يقرأ من خلالها الأحفاد أحلك الظروف التي مرت بأجدادهم في زمن عصيب. 
أقول إن علاقة خاصة جدًا تربطني بسمير الفيل، وهي علاقة ممتدة على مر السنين، فعندما عُهِد إلي بإصدار مطبوعة يومية لأول ملتقى دولي للرواية بالقاهرة فكرت على الفور في أن أستعين بسمير الفيل والراحل قاسم مسعد عليوة، وسواهما من مبدعي مصر ليسهموا في تحرير "أيام الرواية"، التي كان ضيوف مصر يتلقفون أعدادها كل صباح عندما تصل من مطبعة هيئة الآثار إلى مقر المجلس الأعلى للثقافة، بعد أن اكتشفوا أن "أيام الرواية" نجحت في أن تشغلهم بما تنشره هذه الأقلام من تغطيات الندوات والموائد المستديرة والورش التي لم يتمكنوا من حضورها؛ لأنها كانت تعقد بالتوازي. هذا فضلًا عن عين الكاميرا التي كان المرحوم الفنان يوسف ناروز، مصور "الأخبار"، يتحفنا بها على الصفحة الأخيرة لهذه المطبوعة، ومن خلالها يسجل ناروز لحظات لا يمكن أن تخطر ببال أحد. 

short story
علاقة ممتدة على مر السنين

ولعل أداء سمير الفيل في "أيام الرواية" هو الذي جعلني أحرص على ضمه إلى اللجنة الإعلامية التي كنت أرأسها في احتفال مصر بمئوية توفيق الحكيم، والتي أصدرنا فيها أيضًا مطبوعة يومية عنوانها "أيام الحكيم" لا تزال تعتبر وثيقة على ما جرى في هذا الملتقى من أحداث ومواقف. 
ومن هنا يمكن أن تدرك عزيزي القارئ سر فرحتي الغامرة بفوز سمير الفيل بجائزة ساويرس. 
وأستطيع أن أقول إن هذا المبدع الذي عرفناه شاعرًا له بصمته في حركة الشعر المصري الحديث، نجح "في غمضة عين" في تحويل مساره من "سكة الشعر" إلى وجهة القصة القصيرة، التي أخلص فيها بالتأكيد، والتي وضع نصب عينيه أن يتوفر لقصته حضور قوي لعمود الحكي دون استغراق في أمور التجريب التي تُفقِد كثيرًا من المبدعين طريقهم للوصول إلى المتلقي فتظل كتاباتهم تتحرك في دوائر مغلقة، ولذلك يقول سمير الفيل إن هدفي هو توصيل المتعة الفنية للقارئ. 
ويمكن لك عزيزي القارئ أن تلاحظ هذا بسهولة عندما تطالع مجموعاته القصصية: "خوذة ونورس وحيد"، "أرجوحة"، "كيف يحارب الجندي بلا خوذة؟"، "انتصاف ليل مدينة"، "دفتر أحوال"، "شمال.. يمين"، "مكابدات الطفولة والصبا"، "صندل أحمر"، "قبلات مميتة"، "هوا بحري"، "الأبواب"، "حبل النرجس"، "حمام يطير"، "اللمسات"، "الأستاذ مراد"، "أتوبيس خط 77"، و"حذاء بنفسجي بشرائط ذهبية" التي أصدرها الناشر حسن غراب في العام ذاته الذي صدرت فيه مجموعة "أتوبيس خط 77"، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، والتي قامت بترشيحها لنيل هذه الجائزة. 
ومن المصادفات السعيدة أنني أضع على مكتبي هذه المجموعة التي عنوانها "حذاء بنفسجي بشرائط ذهبية" استعدادًا للكتابة عنها، وأغلب قصصها تعتمد على "اللقطة" التي يحولها المبدع سمير الفيل من موقف عابر إلى عمل فني يعالج قضية أو ينهض على فكرة فلسفية عميقة، في الوقت ذاته الذي تتمتع فيه قصصه بروح الحياة الشعبية في بلده دمياط، وهذا ما جعل البعض يطلقون عليه "كاتب الحارة الشعبية ومؤرخ الفقراء". 
وسمير الفيل يمتلك القدرة على الإمساك بتلابيب قارئه بمجرد أن يفتح أولى صفحات كتابه، وهذا راجع إلى قدرته على إدهاش قارئه وكسر التوقع، فقصصه حكايات من عمق وعيه وومضات من سيرته الذاتية. 
وهذا ما يمتد أيضًا إلى كتاباته الروائية، ويمكن أن تلاحظها عزيزي القارئ في أعماله أو نصوصه: "رجال وشظايا"، "ظل الحجرة"، "وميض تلك الجبهة" .