أيام قرطاج الشعرية تضيء أفق القصيدة وتستعيد جمهورها

جميلة الماجري نجحت في التأكيد على أن المواطن العربي لا يمكنه أن يحيا بمنأى عن القصيدة.


هل يمكن للشعر أن يرتفع إلى مستوى فنون الفرجة وبريق نجوم السينما وشعبية فناني المسرح؟


حجازي: الشعر والسياسة والذكريات والأحلام كلها تجتمع لتجعل تلبيتي لهذه الدعوة أمنية غالية، لكن الحالة الصحية الطارئة حالت بيني وبين الفوز بها.

"أيام قرطاج الشعرية" هي أكثر من أيام شعرية بكثير؛ فقد اتسعت لمساجلات الشعراء وعروض الباليه ولندوات التي انتظمت في "المنبر" الذي ضم حلقات حول: أزمة نقد الشعر، والشعر وما بعد الحداثة، والشعراء الروائيين، والشعراء المترجمين، ثم: الـ "قناديل" التي أضاءت العديد من أنشطة الأندية والجمعيات الثقافية التونسية، وحقائب الشعر، وسهرات السامور ومواقد النار من فنون الصحراء التونسية.
فقد نجحت الشاعرة القيروانية جميلة الماجري، مديرة هذه الأيام، في التأكيد على أن المواطن العربي لا يمكنه أن يحيا بمنأى عن القصيدة، فصيحة كانت أم  دارجة. والدليل هو هذا الحضور القوي الذي يغلب عليه الشباب فيما فوق العشرين وما تحتها، وأغلبهم من الإناث ممن تمتلكن القدرة على الإنصات لصوت الشعر وإبداء الرأي فيه وتحيته بالتصفيق الحاد أو رفضه بالصمت الرهيب؛ فالتونسيات صاحبات ذائقة مرهفة في إبداع الشعر وفي تلقيه أيضًا.
وربما يكفي أن أشير إلى هذه الأسماء النسائية التي نافست الرجال بكفاءة ملحوظة في الدورة الثانية لـ "أيام قرطاج الشعرية": أماني الزعيبي، فاطمة كرومة، سلوى الرابحي، أمامة الزاير، هندة محمد، نضال السعيدي، سلوى الراشدي، سونيا الفرجاني، عائشة علاقي، جهاد المثناني، منى الرزقي.
ناهيك عمن استضافتهن الأيام من خارج تونس: عائشة البصري من المغرب، وساجدة الموسوي من العراق، وريم البياتي من سوريا، وشُميسة النعماني من سلطنة عمان، وحليمة الصادق من ليبيا، وسهام شعشاع وابتهال تريتر من السودان، فضلًا عن: ليونور ميرينو جارثيا من إسبانيا، وليليانا فوسالو من رومانيا.

إذا كانت قصيدة الفصحى يمثلها شعراء بارزون، فإن شعراء اللهجات الفحول أسعدونا بما أنشدوه وجعلونا نتعرف على فنون الشعر في بيئاته المختلفة في البلاد التونسية

ولن يفوتني أن أذكر أن مديرة المهرجان حرصت على استضافة ثلاثة شعراء تونسيين يقيمون في الخارج: محمد النجار المقيم في باريس، ورضا العبيدي المقيم في نيس، وكمال العيادي الذي يراوح في إقامته بين ألمانيا ومصر، وكذلك الشاعر محمد الغزي المعار للعمل في جامعة نزوى بسلطنة عمان الذي مثّل شعراء تونس في الجلسة الافتتاحية التي أنشد فيها: الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، الأمين العام للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، والشاعر العراقي المخضرم سامي مهدي، والشاعر الأردني راشد عيسى، والشاعر السعودي جاسم الصحيّح، والشاعرة العمانية شميسة النعماني.
وكان من ضيوف هذه الدورة من الشعراء: د. علاء عبدالهادي، رئيس اتحاد الكتاب في مصر، وحسين القباحي، مدير بيت الشعر بالأقصر، ومحمد البريكي، مدير بيت الشعر في الشارقة،، وسعيد الصقلاوي، رئيس رابطة الكتاب العمانيين، ويوسف شقرة، رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين، ومحمد ولد أحظانا رئيس إتحاد الكتاب الموريتانيين، ومبارك سالمين، رئيس اتحاد الكتاب اليمنيين، ومواطنه زين العابدين الضبيبي، وحسان بلعبيدي وسليمان الجوادي وتوفيق ومان من الجزائر، وعبدالكريم يونس من سوريا، وحسن نجمي وعمر الراجي وأحمد الحريشي وأحمو حسن الأحمدي من المغرب، ومحمد علي الدنقلي وسالم العالم من ليبيا، وعبدالمنعم الأمير وعارف السعدي من العراق، ويوسف عبدالعزيز وعلي العامري ومحمد خضير من الأردن، والمتوكل طه من فلسطين، ومحمد إبراهيم يعقوب من السعودية،  وعبدالله العنزي من الكويت.
كانت الماجري تتحرك على أطراف أصابعها بين القاعات والأمسيات، بل وتسافر إلى مقر إقامة الشعراء لتسهر على راحتهم، ولتتابع بنفسها كافة فعاليات هذه الدورة التي ستحاسب عليها بالتأكيد لكونها أول من أهدى الشعراء أيامًا تقف جنبًا إلى جنب مع: "أيام قرطاج السينمائية"، و"أيام قرطاج المسرحية" ذات الصدى الواسع في ربوع وطننا العربي على امتداده من الماء إلى الماء. وكان التحدي: هل يمكن للشعر أن يرتفع إلى مستوى فنون الفرجة وبريق نجوم السينما وشعبية فناني المسرح؟
وهل بإمكان هذه الشاعرة القيروانية المخضرمة مواجهة من بادروها بالنقد وأقاموا الدنيا عليها ولم يقعدوها قبل أيام من بدء هذه الدورة الجديدة؟ فقالوا إن الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي، الذي وجهت إليه الدعوة للمشاركة والتكريم قد قاطع قرطاج وأيامها الشعرية"! في حين أن حجازي أبلغني قَبوله الدعوة، لكنه خضع لجراحة دقيقة، مما اضطره إلى أن يحملني رسالة خطية بالغة الرقة وجهها إلى الفنان الدكتور محمد زين العابدين، وزير الشؤون الثقافية التونسي، وإلى مديرة المهرجان، وجموع الشعراء التونسيين، معتذرًا لهم فيها عن عدم تمكنه من الحضور، معبرًا عن سعادته البالغة بأن تصبح للشعراء أيام تحمل اسم قرطاج.
وهذا نص ما كتبه حجازي:
"كم كنت أتمنى تلبية هذه الدعوة الكريمة للمشاركة في أيام قرطاج الشعرية في دورتها الثانية في تونس الحبيبة.
الشعر والسياسة والذكريات والأحلام كلها تجتمع لتجعل تلبيتي لهذه الدعوة أمنية غالية، لكن الحالة الصحية الطارئة حالت بيني وبين الفوز بها.
إنني أشكر السيد الدكتور محمد زين العابدين، وزير الشؤون الثقافية، والشاعرة جميلة الماجري، مديرة أيام قرطاج الشعرية، وأحيي إخوتي الشعراء التونسيين الذين يعرفون كم أحبهم وأعتز بشعرهم، وأنتظر دائمًا أن يتألقوا في هذه الأيام وفي غيرها.
وسوف نلتقي في دورات قادمة وأيام قادمة".

وكان الواجب يحتم عليّ أن أجيب بصراحة عن أسئلة بعض أصدقائي من الشعراء التونسيين الذين أعلنوا موقفهم الرافض من هذا الملتقى، فأذكر لهم أنني أعتبر أن هذه الدورة ناجحة إلى حد بعيد؛ فهناك تنوع في أجيال الشعراء الذين أنشدوا في الأمسيات، كما أن هناك تنوعًا في اتجاهاتهم الشعرية، فإذا كانت قصيدة الفصحى يمثلها شعراء بارزون، فإن شعراء اللهجات الفحول أسعدونا بما أنشدوه وجعلونا نتعرف على فنون الشعر في بيئاته المختلفة في البلاد التونسية. 
كما أن الأسماء التي فازت بجوائز أيام قرطاج الشعرية في دورتيها تؤكد أن للشعر مستقبلًا على هذه الأرض، في حين أن الأسماء التي تم تكريمها في هذه الدورة الثانية تستحق، دون أدنى شك، هذه اللفتة وهذا الاعتراف بعطائها الطويل وسط هذا الجمهور الذي شهد الافتتاح بمدينة الثقافة: صديقي نورالدين صمود، الذي أنفق من عمره الكثير ليجمع ديوان الشابي بخط يده، والذي أعتبره "جبرتي الحركة الثقافية في تونس"، وقد كان، في أوائل الثمانينيات من القرن الفائت، رفيقي على متن الطائرة التي أقلتنا من "تونس" العاصمة إلى "توزر" مسقط رأس أبي القاسم الشابي، لنحتفل بخمسينية ميلاده، وهي الطائرة الخاصة التي استضافنا عليها محمد مزالي، الوزير الأول لتونس آنذاك، والبشير بن سلامة، وزير ثقافتها، وقد رافقنا في تلك الرحلة عدد من أبرز النقاد العرب الذين احتشدوا لتكريم الشابي، وقد كانوا بعد في ريعان شبابهم، ومنهم: جابر عصفور، وسعد مصلوح، ومن يكبرونهم في العمر: محمد عبدالمنعم خفاجي، ومختار الوكيل، وعبدالعزيز شرف، وعشرات النقاد والشعراء التونسيين.
أعود للمكرمين في "أيام قرطاج الشعرية"، فأشير إلى اسم مُنَوّر صَمادِح، الذي توفي في 28 ديسمبر/كانون الأول 1998 وكان أحد مؤسسي "رابطة القلم الجديد"، التي جمعت أدباءً شبّانا يعملون على إغناء الحركة الأدبية والوطنية بالمغرب العربي، وقد عُيّن كاتبًا عامًا لها، كما عُيّن إلى جانب الأعضاء التونسيين أعضاء من الجزائر الشقيقة منهم: الجنيدي خليفة الذي كتب فيما بعد مقدّمة لديوان صمادح "سلام على الجزائر"، ومنهم أيضًا الأديب الأخضر السائحي. ولم يكن للرابطة مقر قبل الاستقلال، فكان أعضاؤها يجتمعون بحديقة "البلفيدير". وتوج صمادح نشاطه في "رابطة القلم الجديد" بإصدار ديوان "فجر الحياة" الذي منعت السلطات الاستعمارية نشره بأمر من الجنرال "دي لاتور" وأوقفت صاحبه لفترة وجيزة إيقافًا تحفّظيًا، إلاّ أنّ ذلك لم يفلّ من عزم الشاعر الذي أصدر في السنة نفسها 1955 عملًا نثريًا شعريّا بعنوان "حرب على الجوع،" تضمّن عددًا من المقالات الاجتماعية السياسية القصيرة.
وكذلك أشير إلى تكريم الإذاعي الشهير فرج شوشان، الذي ناشد وزير الثقافة وهو يكرمه أن يعتني بتراث تسجيلاته الذي يصل إلى ألف ساعة مع كبار الشعراء والمبدعين العرب والذي يتعرض للإهمال في الأرشيف!
في الختام أتمنى لهذا المنجز الشعري الذي حققه شعراء تونس أن يُكتب له الاستمرار.