أين حصة مرجعية النجف في تغيير النظام السياسي والقضاء على النفوذ الإيراني في العراق
التغيير السياسي المنتظر في العراق فصل حيوي من فصول استراتيجية بناء شرق أوسط جديد بلا نفوذ إيراني، بأليات مستحدثة، وأدوات جديدة، لا تستند إلى فتوى مرجع ديني تخطت الأحداث الإقليمية بتسارعها دوره الزائد عن الحاجة.
سياقات في متغيرات حتمية لا تعتمد العودة إلى مرجع ديني يستقوي بالاستجابة لفتواه، ويستقوي به المصممون على إنجاز حدث استراتيجي يغير قوانين إدارة شؤون الشرق الأوسط بقوة لا تشترط الاستناد على قوة عقائدية "معنوية" موازية، فهي قوة مالكة لعناصرها، مكتفيه بقدرتها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، هيأت بيئتها الملائمة، القابلة لمضامين استخدامها دون غطاء عقائدي لم يعد له تأثير كما كان في الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
أخذت المرجعية الدينية في النجف زمنها الطويل في عملية سياسية لعبت فيها دور صمام أمان وازن، لكنها فشلت في ضبط مساراتها وفق تشريعات دستورية، ولم يستجب السياسيون الحاكمون المحتمون بها لأي توجيهات اطلقتها أمام أتباعها ومقلديها وقوى العالم في محاولة لإثبات قدرتها المؤثرة عقائديا.
أسقط الإطار التنسيقي الحاكم باسم التحالف "الشيعي" هيبة المرجعية الدينية، وأفرغها من قوتها المؤثرة، واكتفى متغنيا بتوجيهاتها وتعاليمها دون العمل بها، طالما تتعارض مع مصالحه الضيقة، وتتناقض مع مبادئ ووصايا "ولاية الفقيه".
السياق المذهبي الملزم شرعا في تبعية المرجع الشيعي الأعلى بالنجف والتمسك بتنفيذ تعاليمه، لم تلتزم به جماعة الإطار التنسيقي الحاكم باسم التحالف الشيعي، المسجل بتبعيته لـ "ولاية الفقيه" في تنفيذ سياساته التوسعية والانخراط في عملياته العسكرية العابرة للحدود من خلال الميليشيات المسلحة المرتبطة به.
لعبة السياسة المتقلبة، غير المنضبطة بمبادئ ثابتة وشريعة مطلقة، فرضت على الساسة الحاكمين تجاوز المرجعية الدينية، وغلق باب الرجوع إليها إلا في أخلاقيات المجاملة ورفع العتب أمام أتباع المذهب الطائفي، واحترام حضورها في وسائل الإعلام بعبارات تحفظ مكانتها المقدسة في عرفهم التقليدي.
"ولاية الفقيه" الغارقة في سياستها التوسعية لا تريد التزاما مذهبيا على خطى المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى، هي تريد سياسيين متلحفين بغطاء مذهبي يتلاءم مع قواعد اللعبة السياسية.
طالما دعا المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى إلى فصل الدين عن السياسة مع الإبقاء على الحق في إبداء الرأي، لكن "ولاية الفقيه" جعلت السياسة قلبا نابضا في حركة التشيع المذهبي مثل باب مفتوح لإغواء اغلبية يسهل التلاعب بعقولها عاطفيا، وضمان تبعيتها.
التزمت فصائل الإطار التنسيقي الحاكم باسم التحالف الشيعي بإملاءات "ولاية الفقيه" وتعاليمه بالحفاظ على قدرة الميليشيات المسلحة والتمسك بقواعدها المستولية على سيادة العراق لاسيما في قرار الحرب والسلم وإبقاء خضوعها لسلطة الحاكم في طهران، لكنها لم تلتزم بما جاء في بيان المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى علي السيستاني حين دعا إلى حصر السلاح بيد الدولة وتحكيم سلطة السيادة والقانون ومنع كل صور التدخلات الخارجية.
رسم الإطار التنسيقي الحاكم بأمر "ولاية الفقيه" نهاية دور المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى وهو يفسر بيانه الشرعي الملزم وفق العقيدة المذهبية بما يتناسب مع مصالحه السياسية وضمان بقائه، رافضا حل ما يسمى بـ "الحشد الشعبي" والتخلي عن سلاح الميليشيات الطائفية وفك الارتباط مع "ولاية الفقيه" وتطهير المنظومة السياسية من الفاسدين من خلال سلطة القانون.
أدرك المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى أن قوى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة سائرة في تنفيذ استراتيجية الشرق الأوسط الجديد وما تتطلبه من تغييرات جذرية في البنى السياسية القائمة بعد رفع أي غطاء دستوري أو عقائدي عنها، فوقف مستجيبا لهذه المتغيرات دون التعارض معها، ولمس ممثل الأمين العام للأمم المتحدة هذه الاستجابة في بيانه الموجه إلى المنظومة السياسية الحاكمة في بغداد.
تحييد المرجعية العليا في النجف كان الخطوة الأولى التي أنجزها التحالف الدولي قبل الانقضاض على الفصائل الطائفية المسلحة وإنهاء دور المنظومة السياسية الحاضنة لها بعدما أضحت بلا غطاء مرجعي مد في بقائها طيلة أكثر من عشرين عاما.
المجتمع الدولي وضع فوق طاولته كل هذه المعطيات التي آل إليها المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى بفقدان قدرته المؤثرة على المجتمع المذهبي ورفض المنظومة السياسية الحاكمة الالتزام بتوجيهاته بعد ما كان مرجعا لا يتخطاه أحد وطنيا وإقليميا ودوليا، تخطاه قادة الفصائل المنحرفة عن القانون والمرهونة بتبعيتها لـ "ولاية الفقيه" مرجعا أوحد في السياسة والدين.
وضع المجتمع الدولي المرجع على السيستاني في اختبار أخير لقدرته في التأثير على التحالف الشيعي الحاكم، حين التقاه ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق وأبلغه بالحرف الواحد أن القوى العالمية قررت القضاء على النفوذ الإيراني في إطار متغيرات كبرى سيشهدها الشرق الأوسط، والعراق مشمول بهذه المتغيرات التي تدعوه إلى حل الفصائل الطائفية المسلحة وفك الارتباط بإيران وإنهاء هيمنتها على مفاصل الدولة قبل الاضطرار إلى الخيار العسكري.
فشل المرجع الإسلامي الشيعي الأعلى في آخر اختبار دولي له، فالإطار التنسيقي الحاكم في بغداد لم يأخذ بوصاياه التي تعارضت مع خطاب "ولاية الفقيه" المتوعد بإزاحة أميركا عبر "محور المقاومة"، فقررت القوى العالمية إسقاط دوره غير المؤثر في حساباتها الرامية إلى بناء شرق أوسط جديد.