عقيدة ترامب لا يعيش من دون الإيمان بها أحد

جاء دونالد ترامب تاركا كل مراحل التاريخ الأميركي وراءه، مودعا كل العقائد الأميركية المتوارثة في خزائن الذاكرة.

عقيدة جديدة يضع الرئيس دونالد ترامب مبادئها، في أحدث انقلاب عالمي تنفذه الولايات المتحدة الأميركية يجعلها القوة الأعظم في الكرة الأرضية بفرض هيمنتها المطلقة عسكريا وسياسيا واقتصاديا في عصر اتصالي مذهل.

"جعل أميركا القوة الأعظم" لم يكن مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي في حملة انتخابية رئاسية، دونالد ترامب يعني ما يقول في جعل الكلمة واقعا قابلا للحياة التي رسم أبعادها الجديدة، وحدد الأدوات المعتمدة في متغيرات انقلابية جذرية منتظرة.

"عقيدة ترامب" تضحى العنوان المطلق لعالم معاصر، انتقل من عصر صناعي، إلى عصر اتصالي يملك قدرة التحكم بأدق التفاصيل في حركة الكون الأوسع دون عناء في اقتناص الأهداف وإن طالت مسافاتها الأبعد.

تاريخ أميركي يتغير، ويتغير معه تاريخ العالم أجمع في ظل "عقيدة ترامب"، كما بدأ العالم يتغير مع الرئيس الأميركي الخامس جيمس مونرو (1817-1825) حين رفع العصا بوجه الاستعمار الأوروبي لدول اميركا الجنوبية.

"استراتيجية مونرو" أول استراتيجية أميركية غيرت العالم، سميت حينها بـ "مبدأ مونرو" دعا فيه إلى "استقلال نصف الكرة الغربي -أميركا الجنوبية- من الاستعمار الأوروبي" استراتيجية أدت إلى تقليص دور القوى الأوروبية صادق عليها الكونغرس الأميركي في 2 ديسمبر 1823.

"مبدأ مونرو" أخرج الولايات المتحدة من عزلتها، وأغضب أوروبا التي وصفته بـ"فتنة ثورية" لكنه فرض على بريطانيا العظمى الالتزام ببنوده في بيان مشترك رغم تفوقها عسكريا آنذاك باعتباره ضرورة لتحقيق السلام.

لم تندثر "عقيدة مونرو" مع تطور مراحل التاريخ السياسي الأميركي، وتوالي الرؤساء، فقد أحيا، مثلا، الرئيس السادس والعشرين ثيودور روزفلت (1901-1909) مبادئ تلك العقيدة واعتمد أدوات جديدة لتنفيذها، ظنا منه ان القوى الأوروبية مازال لها المبرر في استعمار دول اميركا الجنوبية التي تعاني من الضعف، فأضاف مبدا التدخل العسكري المباشر لحمايتها، هذا ما أضحى مبدأ في السياسة الخارجية الأميركية.

لكن السياسة الخارجية الأميركية لم تبق على حالها إزاء تداعيات أحداث كبرى عابرة للحدود، فقد جددت نفسها مع مجيء الرئيس الجمهوري السابع والثلاثين ريتشارد نيكسون (1969-1974) الذي ورث أعباء الحرب الأميركية في فيتنام بخسائرها البشرية والاقتصادية المدمرة في محاولة لاحتوائها.

أحدث ريتشارد نيكسون تحولا في مديات السياسة الخارجية الأميركية، بالتخلي عن "مبدأ مونرو" الذي أحياه ثيودور روزفلت، معتمدا على ما يعرف بـ "عقيدة نيكسون" الداعية إلى وقف التدخل العسكري الأميركي المباشر لحماية حلفائها، واستبداله بدعم اقتصادي وعسكري يجعلها قادرة على حماية نفسها بنفسها، عقيدة قد تؤدي إلى إغلاق باب الحروب كما رأى نيكسون.

لم يكن يخشى نيكسون وراسم سياسته الخارجية هنري كيسنجر، من تعدد اقطاب القوى العالمية وتنامي طموحاتها، ولم يأبه لواقع الصراعات طالما قرر الاستفادة منها.

"عقيدة نيكسون" كادت تتغير كعقيدة سياسية في عهد الرئيس جيمي كارتر (1977-1981) أمام الغزو السوفيتي لأفغانستان، لو لم يدرك مخاطر التخلي عنها، معتمدا النزعة الإسلامية في مواجهة "قوة ملحدة"، فكانت ولادة تنظيم القاعدة الإرهابي، وقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ألغى الغزو العراقي للكويت 1990، كل العقائد والمبادئ المتوارثة في السياسة الخارجية الأميركية، فلجأت إلى قيادة تشكيل تحالف دولي ضم 30 دولة أخذ على عاتقه مهمة تحرير الكويت بشرعية جسدتها قرارات مجلس الأمن الدولي.

شرعية دولية كسبتها الولايات المتحدة الأميركية في قيادة تحالف دولي في خوض حروبها الخارجية، فقدتها في غزو العراق واحتلاله في 2003 مكتفية بتحالفها الاستراتيجي مع بريطانيا.

عقيدة الحرب الأميركية الراهنة نأت عن التدخل الخارجي المباشر بمفردها إلا عبر تحالف دولي بقيادتها من أجل ان لا تتحمل وحدها التكاليف والأعباء، ومازالت ملتزمة بعقيدتها هذه في محاربة تنظيم داعش في سوريا والعراق.

سفطت "عقيدة مونرو" وتحديثاتها في سياسة ثيودور روزفلت، وطويت عقيدة نيكسون، وفشلت خطة جيمي كارتر في صناعة عدو بديل لأعداء أميركا، لتبقى عقيدة التحالف الراهنة أمام متحول جديد..!!

جاء دونالد ترامب.. تاركا كل مراحل التاريخ الأميركي وراءه، مودعا كل العقائد الأميركية المتوارثة في خزائن الذاكرة في بداية عهد أميركي يبعث المعنى المفقود في الزعامة الحقيقية للعالم "المال والقوة والتكنولوجيا"، لا يحارب من أجل أحد، ولا يهب مجانا مستلزمات القوة لأحد، ولا يخرج عن نطاق زعامته أحد، من كان في حاضنته لا يخشى من أحد، يقبض بيده مفاتيح اقتصاد عهد اتصالي لا يعيش من دونه أحد.

عقيدة دونالد ترامب وحدها لا تشبه عقيدة أحد.. الإيمان بها طوعا ام خوفا؟