إبراهيم زيد يؤكد أن المكان يشكل الإنسان ويتشكل به

أستاذ النقد الأدبي والبلاغة بجامعة قناة السويس يميل إلى الإبداع الذي يتداخل فيه الفلسفي مع الأدبي.


ارتياد المكتبات في المدارس والجامعات كافة، وعقد علاقات وطيدة مع أمناء المكتبات ببركة أبي الراحل


لكل مكان ظروفه الطبيعية والاجتماعية التي تسبق وجوده

أوشك الدكتور إبراهيم عبدالعزيز زيد على الانتهاء من إعداد مجموعة من الدراسات تتعلق بأعلام البلاغيين والنقاد العرب الرواد، ومنهم: أمين الخولي، ومحمود شاكر، وشكري عياد، وسعد مصلوح، كما يأمل أن ينتهي قريبًا من دراسات أخرى عن: طه حسين وأحمد حسن الزيات وعبدالمنعم تليمة. 
وأجدها فرصة ليطلعني على من علموه.. ومن كانوا أساتذته وشيوخه، فرسم على وجهه ملامح السعادة، وهو يتذكرهم ويترحم على من فارقوا دنيانا منهم، يقول: تلقيت دروسي المنهجية بداية من مرحلة الماجستير على يدي شيخي وأستاذي العلامة الدكتور أحمد يوسف علي، في آداب الزقازيق. وكانت دروسه توجهنا إلى ضرورة التفكير السليم، ولن يكون هناك تفكير سليم إلا بمنهج علمي منضبط يوجه ولا يقيد، ولا يكون المنهج كذلك إلا بضبط المصطلح العلمي. وإذا استقام للباحث ما سبق أمكنه التطبيق على نصوص مختلفة من بيئات زمانية أو مكانية مختلفة شريطة ربط ذلك كله بسياق النص. وهو ما يفسر كتابتي عن الإبداع العربي في مراحله المختلفة قديمًا وحديثًا. 
ولكن أستاذي الأول هو أبي غفر الله له، وقد كان ناظرًا للمدرسة الابتدائية، وهو الذي وثق منذ الصغر علاقتي بالثقافة والكتب، وقد تعجب إذا قلت لك إنني أحفظ "تقسيم ديوي العشري" الذي تنهض عليه فهرسة المكتبات، ومنظومات شعرية في تصنيف المكتبات منذ كنت تلميذًا في الصف الرابع الابتدائي.  

Literary dialogue
ما يزيد على ثمانين قصيدة قيلت في أم كلثوم

 وقد ساعدني هذا الأمر على ارتياد المكتبات في المدارس والجامعات كافة، وعقد علاقات وطيدة مع أمناء المكتبات ببركة أبي الراحل. 
ثم يعود من جديد إلى الدكتور أحمد يوسف، أستاذ النقد الأدبي والبلاغة الذي غمره بمحبة أضاءت له جوانب الحياة. فقد كان تجرده واعتزازه بنفسه نقطة جذب لضيفي، مما جعله يرغب في أن يشرف على رسالته للماجستير والدكتوراه أيضًا. وهو الذي أسس لعلاقة فريدة من نوعها بين الأستاذ والتلميذ قوامها الحرية في الرأي، والسعي الحثيث في ارتياد مصادر المعرفة ووضعها تحت مجهر المناقشة، وقد زاد ذلك بأبوة حانية، وصحبة علمية في مناقشاته وندواته، وهو الذي عرَّف الأوساط النقدية الأكاديمية باهتمامات تلميذه إبراهيم زيد البحثية، وكان دومًا سعيدًا به، مشجعًا لما يكتب، وقد قرأ كل حرف كتبه منذ صحبه في الماجستير إلى آخر بحث أنجزه. 
 كما كتب مقدمات عدد من كتبه، وأبى خلقه الكريم إلا أن يكتب تلميذه الدكتور إبراهيم مقدمة كتاب من كتبه المهمة عن مدارات القراءة والكتابة والشعر. 
ويرى ضيفي أن المكان يشكل الإنسان، ويتشكل به في آن. فلكل مكان ظروفه الطبيعية والاجتماعية التي تسبق وجوده، ولكن الإنسان يمكن أن يضيف إليه بوعيه. ويقول إن مولده ونشأته في قرية صغيرة جدًا مثل قريته "تل مسمار" بمحافظة الشرقية في مصر قد منحه قدرًا كبيرًا من الترابط الاجتماعي، وأن يكون الترابط الاجتماعي سمة في الحياة، وإن تغيرت الأمكنة. 
وهو يشير إلى أن قريته منعزلة نسبيًا – بحكم وسائل المواصلات – عن مدينة الزقازيق. وقد تحولت هذه العزلة النسبية إلى عامل إيجابي هو القراءة المتصلة لساعات يوميًا في الصحف اليومية أو في الكتب والقصص التي يجلبها والده. 
أما الزقازيق، عاصمة المحافظة، فهي أيضًا لا تخلو من طابع الريف، ولكنها بالنسبة لقارئ متطلع إلى الثقافة، ومرتبط بالنشاط الإبداعي خاصة مثلت نقلة مهمة بالنسبة إليه. 
وفي الجامعة أدرك ضيفنا مبكرًا أن الأسماء البراقة التي تملأ شاشات التليفزيون وتحاضرنا لا يمكن أن تكون مصدرًا للمعرفة، وتحقق له ما أراد من المشاركة الفعالة في الأنشطة الثقافية التي تقيمها إدارة رعاية الشباب بالجامعة من ناحية. وبالتزامن ارتبط من ناحية أخرى بانضمامه إلى النادي الثقافي بمديرية الشباب والرياضة. وعندما يكون المسؤول الإداري صاحب رسالة فإن ثمرة ذلك تصبح كبيرة؛ لذلك أستطاع الأستاذ علي صبري تكوين النادي من مجموعة شباب – مع تفاوت في الأعمار- من أصحاب المواهب الحقيقية مثل: القاص محمود الديدموني، الشاعر علاء عيسى، الشاعرة د. سلوى حسن، د. عمرو منير. وشكلت مجموعة منهم أهم حركة أدبية في محافظة الشرقية؛ وهو يعني بذلك تأسيس مؤتمر اليوم الواحد في مدينة ديرب نجم الذي كان لي شرف رئاسته في إحدى دوراته. 
ثم ازداد الاتصال الثقافي لضيفنا مع ازدهار صالونات ثقافية مثل صالون الأستاذ محمود سامي وصالون الأديبة نجلاء محرم. وقد أرخ ضيفنا لذلك في كتابه "الحركات الأدبية في أقاليم مصر". 

الشعب المصري رسم سيرة شعبية لأم كلثوم، ووقع الكتّاب كبيرهم وصغيرهم تحت تأثير هذه السيرة، وقد وقع رجاء النقاش في أسر هذه الصورة السيرة

وكان التحاقه بالعمل في آداب الزقازيق فيما عرف بتعيين أوائل الخريجين الذين لم يلتحقوا بوظائف المعيدين مرحلة مهمة في حياته، إذ عمل أمينًا لمكتبة الكلية، وعهد إليه أستاذه الدكتور أحمد يوسف وكيل الكلية للدراسات العليا، آنذاك، بمهمة المسؤول التنفيذي للمجلة العلمية التي تصدرها الكلية، فتعرف على طرائق المحكمين في تقييم الأبحاث وغيرها. 
وفي جامعة قناة السويس انتقل إلى العمل بالعريش عضوًا بهيئة التدريس في قسم اللغة العربية، وكانوا خمسة أعضاء جدد، وكلهم الآن أصبحوا أصحاب أسماء بارزة وفاعلة في الجامعة وفي النشاط الثقافي العام، مثل: د. محمد عمر، د. علي خليفة، د. محمد فوزي. وما كان لهذا أن يكون إلا في ظل قيادة إدارية من أستاذ بارز هو د. أحمد عوين (رئيس الاتحاد الرياضي للمكفوفين حاليًا) الذي نقلهم من العمل في حجرات مغلقة إلى آفاق بيئة عزيزة على الوطن يحاورون طوائف مختلفة، ويتعلمون منهم ويعلمون. 
وفي الإسماعيلية مدينة السحر والجمال انتقل إلى قسمه الحالي في كلية الآداب مع أساتذة وزملاء يتقدمهم أستاذه الدكتور عبدالرحيم الكردي.
وهناك بدأ يشارك في تأسيس "الجمعية المصرية للدراسات السردية"، ويدير مجلتها العلمية الوليدة "كتابات"، ويسهم في تنظيم مؤتمرها الدولي السنوي. 
ثم اتجه إلى العمل في منطقة القصيم بالمملكة العربية السعودية، وبقول إنها بيئة علمية خصبة؛ فالقسم العلمي الذي بنتمي إليه يضم تسع جنسيات عربية مختلفة.
ومع التنوع تتلاقح الأفكار، وتنضج، وتكتسب الخبرات في وجود أسماء بارزة لها مؤلفات مهمة في مجال تخصصه مثل: محمد نجيب العمامي، إبراهيم التركي، حسن الهويمل، أحمد الطامي، حمد السويلم. وقد صاحب ذلك نشاط ضيفنا الدكتور إبراهيم زيد في النادي الأدبي بالقصيم، حيث قام بإلقاء عدة محاضرات من فوق منبره. 
وهو يذكر أنه أنهى كل بحوث الترقي في موعدها المحدد في ظلال من مكتبات الجامعة الورقية. 
تخللت ذلك زيارة لعدد من المدن مشاركًا في ندوات علمية، أو مناقشًا رسائل جامعية، وتبقى زيارة مراكش من الذكريات العزيزة على نفسه، فقد تسلم دعوة من الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين رئيس مجلس أمناء مؤسسة البابطين الثقافية لحضور احتفالية المؤسسة بأبي تمام الطائي في عام 2014، وخلالها التقى بأعلام الثقافة العربية من مختلف بلدان العالم ومنهم: د. محمد القاضي، د. عبدالقادر الرباعي، د. عبدالله التطاوي، د. محمد مصطفى أبو شوارب، والروائيين: ناصر عراق، وأحمد فضل شبلول، والشاعر المنصف الوهايبي. 
ويتفق الدكتور زيد معي في أن الإضافة العلمية هي شرط واجب للكتابة، وهو ما يحاول أن يفعله. ويحكمه في اختيار موضوع بحثه عدة عوامل؛ فهو أميل إلى الإبداع الذي يتداخل فيه الفلسفي مع الأدبي؛ ولذلك فقد كتب عن أبي تمام الطائي، وأبي حيان التوحيدي، ثم عن جميل صدقي الزهاوي، وناصر عراق في روايته المهمة "الكومبارس".  

Literary dialogue
تأسيس نظري ومناقشة مستفيضة 

 ويضيف أنه يميل كذلك إلى رصد الظواهر المهملة أو التي تحتاج إلى مزيد من البحث مثل: التمثيل السردي للإعاقة الجسدية، أو موقع العروض النقدية للكتب في خريطة النقد الأدبي. وفي الدرس التطبيقي تميل إلى اكتشاف القيم الأساسية في المجتمع العربي، وأهمها التسامح مثل: رواية "الغزو عشقًا" لنجلاء محرم، ونصوص شعراء المهجر في مدح الرسول، ويميل كذلك إلى الدراسات التي تعالج تطور الأفكار؛ ولذلك فقد حاول في دراسة منشورة في مجلة "فصول" للنقد الأدبي أن يناقش حدود البلاغة من خلال رصد النعوت اللصيقة بها، مثل: البلاغة القديمة، الجديدة، النقدية، الرحبة. 
وهو يرى أن العلاقة بين الأدب والفنون لا تحتاج إلى تأكيد، ولعل بعض القراء يعلمون أن قطاع الآداب بالجامعات المصرية قد اتخذ خطوة إيجابية في هذا الاتجاه بإضافة مواد تناقش تاريخ الفن وجماليته إلى المناهج المقررة. وقد كتب الدكتور إبراهيم زيد دراستين؛ الأولى رصد فيها علاقة الشعر بالتصوير الفوتوغرافي في ديوان متفرد للشاعرة العراقية وفاء عبدالرزاق، عنوانه "أدخل جسدي أدخلكم"، وكان قد كتب مقدمة الديوان ثم طور الفكرة بتأسيس نظري ومناقشة مستفيضة للديوان، ضمنها كتابه "قضايا بلاغية معاصرة"، وأما الدراسة الثانية فقد تناول فيها رمزًا من رموز مصر كوكب الشرق أم كلثوم، وهاله أن الشعب المصري رسم سيرة شعبية لأم كلثوم، ووقع الكتّاب كبيرهم وصغيرهم تحت تأثير هذه السيرة ، ويكفي أن يقول مؤلف الكتاب إن رجاء النقاش، وهو من هو، وقع في أسر هذه الصورة السيرة. 
ومن هنا جاءت فكرة كتاب إبراهيم زيد "أم كلثوم في الشعر العربي" الذي ناقش فيه مقومات السيرة الشعبية في أم كلثوم، كما عقد موازنة بينها وبين سيرة الأميرة ذات الهمة. ورصد في الفصول التالية من الكتاب تطور العلاقة بين الشاعر العربي والغناء، وجمع ما يزيد على ثمانين قصيدة قيلت في أم كلثوم، مدحًا وهجاءً ورثاءً... إلخ، وهكذا كان الكتاب دراسة وديوان شعر مجموع. وقد أسعده أن نسخ الكتاب المطبوعة نفدت فور صدوره. 
 ولا يفوت الدكتور إبراهيم زيد أن ينوه في هذا السياق بأن هناك مشروعا أعلن عنه الشاعر الراحل بشير عيَّاد، وهو بالفعل عمل موسوعي عن أم كلثوم يربط بين الأدب والفنون، ولكن وافته المنية قبل تحقيق حلمه. 
ومن منبرنا (ميدل إيست أونلاين) يدعو ضيفنا إلى التواصل مع أسرة الشاعر بشير عياد حتى يرى عمله النور. وينوه كذلك بكتاب تحت الطبع يصدر قريبًا لأستاذه الدكتور أحمد يوسف علي، نشر بعضه منجمًا ويعالج فيه "شوقيات أم كلثوم" بين التلقي وتاريخ الأدب، وأم كلثوم تؤلف الأطلال، وقضايا أخرى.