إدارة أميركية أخرى عابرة على الاردن

نتائج التغيرات والتحولات التي انجزتها ادارة ترامب في الشرق الاوسط، وإن كانت تؤثر مباشرة على الاردن، الا ان تأثيرها لم ينسحب على طبيعة العلاقات التقليدية الوثيقة بين واشنطن وعمّان.


الملك عبدالله الثاني كان اول زعيم عربي يتصل به بايدن بعد فوزه بالانتخابات


ليس في وسع الولايات المتحدة على اختلاف اداراتها ان تتساهل تجاه اي تهديد لأمن إسرائيل


نفوذ ايران يغيب عن الاردن لكنه يحضر في دول اخرى تمثل زوايا للصراع العربي الاسرائيلي

يراقب الاردن مؤشرات الى علاقة أكثر دفئا وهدوءا مع واشنطن بعد تولي جو بايدن الرئاسة وانقضاء اربع سنوات حافلة بالقرارات والمواقف المؤثرة التي اتخذها الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب وقادت الى تغيرات مهمة في الشرق الاوسط، لا سيما على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي ككل وفرص إقامة دولة فلسطينية.
ينتظر الاردن من ادارة بايدن التراجع نهائيا عما تسمى "صفقة القرن" بما تحمل من مخاوف ازاء تصفية القضية الفلسطينية على حساب المملكة. وينتظر كذلك ما يستجد من فرص ومعطيات للتوصل الى اتفاق بشأن القدس التي اعترفت بها ادارة ترامب "عاصمة ابدية" لإسرائيل ونقلت اليها السفارة الاميركية في 2017. 
مبادرات وإعلانات ترامب بشأن القضية الفلسطينية وتطبيع علاقات اربع دول عربية مع اسرائيل، بدت صادمة ومفاجئة وخارجة عن سياق التعاطي الاميركي مع قضايا المنطقة، الا ان بايدن اعلن انه سيسعى الى الاستفادة منها ولا ينوي التراجع عن معظمها لكنه أعاد موقف الولايات المتحدة الى مبدأ "حل الدولتين" الذي أهمله ترامب.
الأردن مع "حل الدولتين" ولم يعارض "اتفاقات ابراهام" التي عقدتها الامارات والبحرين والمغرب والسودان مع اسرائيل برعاية الرئيس الجمهوري السابق الذي تولى السلطة ومفاوضات حل الدولتين متوقفة في اخر سنوات الديمقراطيين الثماني في الحكم برئاسة باراك اوباما.
مفاوضات السلام التي استؤنفت وتوقفت في عهد اوباما لم تنجز شيئا على ارض الواقع، واستمرت اسرائيل في سياساتها الاستيطانية وضم الاراضي وتهويد القدس، وظلت السلطة الفلسطينية حبيسة الخطوة الاولى من اتفاقات اوسلو في 1993.
الاردن شعر بطمأنينة من نوع ما، بعد فوز بايدن. طمأنينة مرتبطة بفرضية "الوطن البديل" التي حذر الملك عبدالله الثاني في مناسبات عديدة من خطرها على المملكة، حيث يتحدر حوالي نصف السكان من اصول فلسطينية. وكان العاهل الاردني اول زعيم عربي يتصل به بايدن بعد فوزه بانتخابات نوفمبر وقبل تنصيبه رسميا.
الاردن يحتاج ايضا الى تطمينات أميركية بشأن مصير القدس التي تمثل "الوصاية الهاشمية" عليها احد اركان الخطاب السياسي الرسمي، ولا يريد الاردن لها ان تتوه في ملفات التسوية المستقبلية المنشودة.
الحقيقة ان نتائج التغيرات والتحولات التي انجزتها ادارة ترامب في الشرق الاوسط، وإن كانت تؤثر مباشرة على الاردن، الا ان تأثيرها لم ينسحب على طبيعة العلاقات التقليدية الوثيقة بين واشنطن وعمّان.
مع زوال الغضب الاميركي عن الاردن قبل ثلاثة عقود بسبب موقفه من غزو الكويت، لم يطرأ اي توتر فعلي على العلاقات بين عمان والادارات الجمهورية والديمقراطية التي تعاقبت على البيت الابيض منذ اوائل التسعينيات. 
حتى في عهد ترامب، ظلت العلاقات في إطارها الطبيعي ولم تتوقف المساعدات والمنح الحيوية التي تقدمها الولايات المتحدة للأردن، والتي زادت حاجته اليها حاليا مع الضعف القياسي في ماليته العامة.
لا تنفصل معالجة الادارة الاميركية الجديدة للقضية الفلسطينية عن الملفات الأخرى الساخنة في الشرق الاوسط وعلى رأسها ايران التي تأمل برفع العقوبات وفتح حوار مع واشنطن من المنتظر ان يشمل تدخلاتها في المنطقة.
في نفس الوقت، ليس في وسع الولايات المتحدة، على اختلاف اداراتها، ان تتساهل يوما تجاه اي تهديد للأمن في اسرائيل التي تعتبر ايران خطرا على وجودها.
نفوذ ايران يغيب عن الاردن، لكنه يحضر في دول اخرى تمثل زوايا للصراع العربي الاسرائيلي، من لبنان حزب الله وغزة حماس الى سوريا الاسد، فضلا عن النفوذ الايراني في العراق واليمن.
على الصعيد الداخلي في الاردن، يمكن لواشنطن ان تسجل شيئا في المجال الحقوقي الذي حرص بايدن ومساعدوه على اظهاره ملمحا رئيسيا للسياسة الخارجية الاميركية "الجديدة".
وظلت الضغوط الحقوقية هادئة من جانب واشنطن خلال ولاية ترامب، الذي تجاهل التركيز على المسائل المرتبطة بالحريات والاصلاحات السياسية لدى حلفاء الولايات المتحدة ومن بينهم الاردن.
كانت حجة التأخر في المجال الحقوقي والاصلاحي على تقاطع دائم مع قضايا مكافحة الارهاب في الشرق الاوسط. وبقيت وصفة "الأمن قبل الحريات" صالحة للتهرب من إهمال حقوق الانسان والاقبال على التعاون الأمني مع الولايات المتحدة.
هذه الوصفة لم تعد تعمل الان بنفس قوتها بعد انقضاء سنوات الربيع العربي الاولى والقضاء على داعش وإضعاف التنظيمات المتطرفة الاخرى في المنطقة.
لكن الى اي حد يمكن لادارة بايدن دفع الاردن نحو إحداث انفراجة في الاصلاحات وتعزيز المشاركة السياسية، التي لا تزال شكلية في ظل برلمانات غير مؤثرة تقليديا ومشهد حزبي شبه غائب ووسائل اعلام خاضعة للرقابة الحكومية.
الثبات النسبي للسياسة الخارجية الاميركية تجاه الاردن يرتبط بملفات عديدة تراعي جغرافيته السياسية وموارده المحدودة كما تراقب قدرته على المساهمة بحفظ الامن والاستقرار في هذه المنطقة التي يحكمها الاضطراب واستطاع الاردن حتى الان تجاوزه من دون خسائر كبيرة.
ربما يمثل بايدن الذي لا ينوي الترشح لولاية ثانية، رئيسا آخر عابرا بالنسبة للاردن، ولن يُخرج العلاقات عن إطار الشراكة الإستراتيجية الممتدة الى بدايات تأسيس المملكة قبل سبعين عاما.