التحول الاجتماعي في زمن الوباء

الأزمة هي فرصة حقيقية للتصالح والتضامن بين الجميع وتجاوز الصراعات والمشاحنات.


الجميع في سفينة واحدة إن غرقت فسيغرقون دون استثناء


النتائج الإيجابية للوباء أحدثت ذلك التضامن القوي داخل المجتمع وبين شعوب العالم

برز في أفق المجتمعات العربية تحول اجتماعي واضح المعالم في أغلب المجتمعات العربية، حيث ظهر بين عشية وضحاها نوع من التكافل الاجتماعي القوي والتضامن الكبير بين أغلب الطبقات الاجتماعية في المجتمع. وما يثير المتتبع للشأن الثقافي والسياسي والاجتماعي العربي عموماً، هو التحول الطارئ على الطبقة الغنية التي ساهمت بأموالها وجهودها في مواجهة الوباء سواء من خلال مساهمتها الكبيرة في صناديق مالية أحدثت لمواجهة الوباء وتوابعه المؤثرة على الاقتصاد والحياة المعيشية لأفراد المجتمع وطبقاته الدنيا، أم من خلال دعمها للمبادرات السياسية والاقتصادية التي اتخذتها السلطات الحاكمة في كل بلد عربي على حدة. فهل يمكننا حقاً الحديث عن تحول اجتماعي وثقافي في المجتمع العربي؟ أم أن الأمر مجرد عارض سينتهي بعد انتهاء الأزمة وزوال الوباء نهائياً؟

يمثل التحول الاجتماعي خاصية أساسية تتميز بها الحياة الاجتماعية في كل مجتمع على حدة؛ ويعزي ذلك إلى كونها هي سبيل بقائها ونموها، كما أن بها يتهيأ لها التوافق مع الواقع ويتحقق التوازن والاستقرار الاجتماعي، وعن طريقها تواجه الجماعات متطلبات أفرادها وحاجاتهم المتجددة (محمد سعيد عبد المجيد وممدوح عبد الواحد الحيطي، التحولات الاجتماعية والسياسية وسمات الشخصية المصرية: دراسة ميدانية، حوليات آداب عين شمس– مصر، المجلد 43، 2015، ص. 370). ويمكن تعريف التحول الاجتماعي في هذا الإطار كما يرى الباحث المغربي عبداللطيف كداي بأنه: "كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو وظائفه خلال فترة زمنية... وهو كل تغيير في التركيبة السكانية للمجتمع، أو البناء الطبقي، أو النظم الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية، أو في مختلف المؤسسات الاجتماعية" (عبداللطيف كداي، التحولات الاجتماعية القيمية للشباب المغربي: محاولة للرصد والفهم، مجلة كلية علوم التربية، العدد (7)، الرباط، 2015، ص. 79). أما عن أسباب التحول الاجتماعي، حسب مختار منصوري، فهي متنوعة؛ حيث تؤدي التغيرات السياسية والاقتصادية– لاسيما الحادة منها– إلى نتائج مباشرة على البنية والتنظيم الاجتماعي؛ كونها تفرز واقعاً اجتماعياً مغايراً بما من شأنه التأثير بطريقة نوعية على البناء الاجتماعي وعناصر التماسك والاستقرار في إطاره. (مختار منصوري، ملامح التحول الاجتماعي في جزائر التعددية، مجلة الواحات للبحوث والدراسات، العدد (10)، 2012، ص. 202). وما يهمنا هنا، هو التغير في إطار العلاقات الإنسانية داخل المجتمع، ومدى انخراط أفراده في هذه العلاقات المتجددة، لأن أي تحول أو تغير اجتماعي ينطلق بالأساس من العلاقة بين الفرد والآخر ومدى تقبله للاختلاف الممكن بينهما.

ويتعلق التحول في حیاة الإنسان بمجموعة من المؤثرات والمواقف التي تدفعه إلى البحث عن البدائل الضروریة التي تساعده في تجاوز واقع أو وضع اجتماعي ما، أو حتى البحث عن وضع مختلف، یستطیع من خلاله تحقيق أهدافه التي ترتبط بأهداف مجتمعه عامة، والتخلص من المشاكل المترتبة عن الواقع السابق، حيث تنتج عن هذا التحول مظاهر وأساليب جدیدة في التنظیم الاجتماعي وفي الحياة والتفاعل الاجتماعي بين أفراد المجتمع. وقد تظهر في النهاية ثقافة جديدة للتعامل مع الواقع الجديد كشرط أساسي في تقبل النموذج الجديد للحياة والتعايش المجتمعي، ومن أهم ما يمكننا التأكيد عليه في ظل التحول الاجتماعي هو دور الإنسان ومدى قابليته للتحول وانخراطه فيه على جميع المستويات، وخاصة الجانب المادي والفكري والثقافي.

إن الخروج من أي مشكل أو أية أزمة يتطلب من الجميع الانخراط والتضامن ضدها، والتفكير في إمكانية ناجعة للانتصار على هذه الأزمة بأقل الأضرار. وإن كانت هناك مظاهر للصراع السياسي أو الفكري فينبغي على الجميع تجاوزها، واعتبار أن الأزمة هي فرصة حقيقية للتصالح والتضامن بين الجميع وتجاوز الصراعات والمشاحنات، لأن الجميع في سفينة واحدة إن غرقت فسيغرق الجميع دون استثناء. بل يجب أن تسود في إطار ذلك ثقافة التسامح والعفو عند المقدرة والتخلص من الأحقاد والضغينة والتطرف والتعصب لصالح فكرة أو موقف أو رأي أو عقيدة. كل هذه القيم هي المنطلق الأساس لتحول اجتماعي يقود إلى التغير الاجتماعي الشامل على مستوى التفكير والتدبير والتسيير.

لقد أثرت كل المبادرات التي قام بها الإنسان العربي عموماً من المحيط إلى الخليج في كل فرد داخل مجتمعه وحتى بين شعوب العالم، التي تفتقر إلى مثل هذه القيم، لأن القيم المادية تغلبت على باقي القيم الإنسانية الأخرى، وتوغلت القيم الفردية على حساب القيم الجماعية والمجتمعية. كما فرضت نوعاً من الوعي لدى كل أفراد المجتمع لينضموا إلى كل مبادرة هنا أو هناك، حسب المستطاع، حيث أصبحنا نعيش نوعاً من المنافسة بين الجميع في التسابق نحو المساهمة والتضامن مع الآخر المحتاج، كما حصل في المغرب مثلاً مباشرة بعد إعلان ملك البلاد إحداث صندوق لمواجهة نتائج الوباء اقتصادياً واجتماعياً. ومن المؤكد أن انخراط الشباب كقوة اجتماعية وسياسية مؤثرة في إطار تجليات التحول الاجتماعي وتعدد أوجه التحرك السياسي والاجتماعي الذي انخرط فيه منذ الربيع العربي، يشكل ظاهرة جديرة بالاهتمام والدراسة والتحليل المعمق؛ كونها تنطوي على تحولات اجتماعية وسياسية أفضت إلى أن تمكنت تلك القوة الشبابية من تحقيق ما عجزت عن تحقيقه فئات مجتمعية أخرى على مدى عقود على اختلاف توجهاتها وانتماءاتها، وأدى ذلك إلى أن أصبح الشباب يمثلون القوة الأساسية والجديدة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية العربية بعد التغيير المذكور؛ ومن ثم فإن كسب هذا القطاع من قبل صانعي القرار والسياسيين يعني كسب معركة التغيير، في حين أن أية محاولة لتهميشهم أو تضييق فرصهم في المشاركة في بناء مؤسسات النظام السياسي والاجتماعي سينعكس على استقرارها ووظائفها السياسية والاجتماعية المفروضة عليها. ففئة الشباب كانت في الواجهة ومازالت في ظل الانحسار الذي أنتجه وباء كورونا، ودفعهم بكل نكران للذات أن يكونوا في الصفوف الأولى لمواجهته والتقليل من انتشاره واستفحاله في مجتمعاتهم.

نحن نؤمن دائماً بأن أية مبادرة خير أو فعل إنساني يقودنا مباشرة إلى تبني فكرة وجود الخير في مجتمعاتنا، كما نؤمن إيماناً مطلقاً بأنه قد يكون مثل هذا الفعل، إذا ما كان عاماًّ ومنتشراً بكثرة في المجتمع، هو بداية لتحول اجتماعي وثقافي قد يؤدي إلى نتائج جيدة وعظيمة في المستقبل. لأن الأساس في قيمنا يقوم على عمل الخير والتضامن بيننا والتعاون والتكافل في زمن الأزمات، خاصة وأننا ننهل في تفكيرنا ومعتقداتنا من القيم الدينية والعربية الأصيلة والضاربة في عمق التاريخ الذي لنا فيه قدوة صالحة على مستوى قيم الكرم والجود والتضامن والتكافل الاجتماعيين والوحدة وحب الخير للآخر... وغيرها من القيم التي تغيب عند العديد من المجتمعات العالمية اليوم. ما يثلج الصدر هو انخراط العديد من الفئات المسلمة والعربية في دول المهجر في عملية توزيع المساعدات الغذائية والدوائية على المحتاجين كما حصل في أميركا وبعض الدول الأوربية.

إن التحول الاجتماعي الذي نتحدث عنه هنا، يمكنه أن يكون مرحلياً أو بداية لتغير اجتماعي على مستوى الفكر والموقف والفعل ورد الفعل. ولا ندعي هنا أن هناك تحول اجتماعي قادر على تغيير ملمح اجتماعي بأفعاله وسلوكاته وأفكاره وثقافته إلى ملمح آخر مختلف قد يخلق لنا نوعاً جديداً من المجتمع، بل نعتقد أن هذا الشكل من التفكير عند المجتمع ومدى انخراطه القوي في التضامن ونكران الذات هو نوع من التحول على مستوى التفكير في حق الآخر على العيش وعلى الوجود داخل المجتمع الواحد والتفكير في مساعدته على تجاوز محنته مع الفقر وفقدان مورد العيش، وهذا لعمري منطلق نحو التغير الاجتماعي الذي نرغب فيه كلنا.

نعتقد أن هذا الوباء كانت له نتائج سلبية ومدمرة للعدد من الشعوب على جميع المستويات، لكن نتائجه الإيجابية أيضاً يمكننا أن نفيد منها مستقبلاً، من بينها ذلك التضامن القوي بين أفراد المجتمع الواحد وحتى التفكير في مساعدة شعوب ودول أخرى تعيش أزمة خطيرة واستفحالاً عظيماً لا قِبَل لها بمواجهته لوحدها. فالتفكير في الآخر، حتى لو كان منافساً سياسياً أو اقتصادياً، هو نوع من التحول الاجتماعي الذي سيكون له نتائج عظيمة بعد انجلاء الوباء ونهايته.