الترجمة .. يالها من خيانة ممدوحة بل منشودة

الروائي السوري هيثم حسين يؤكد أنه بالكتابة يروّض الحنين ويهدّئ ثورته.


المترجمون رُسل الإبداع وسفراء الخيال لإيصال الإبداع الأدبي إلى ضفاف جديدة


الأدب المكتوب بالفرنسية لم يعرف في تونس الأطوار نفسها التي عرفها في المغرب وفي الجزائر

هاتفته، بمجرد أن بلغني نبأ صدور الترجمة الفرنسية لروايته العربية "إبرة الرعب"، عن دار النشر الفرنسية الشهيرة "لارماتان"، بقلم مترجم، لي تجربة عمل معه جعلتني أدرك مدى أهميته في مجال تصدير إبداعنا العربي إلى الناطقين أو القارئين بالفرنسية ببراعة الفرنسيين أنفسهم.
إنه منصور مهني التونسي الذي يعود إليه الفضل في ترجمة رواية الكاتب السوري الكردي المهاجر هيثم حسين، ومن قبلها ترجم العديد من الروايات من مختلف البيئات العربية إلى الفرنسية، بمهارة وحذق شديدين.
ودارت محادثتي كلها مع الروائي هيثم حسين حول أهمية أن يوضع اسم منصور مهني المترجم إلى جانب اسمه هو على متن كتاب واحد وهو الذي كتب دراسة مهمة نشرتها له عن "الإبداع التونسي المكتوب بالفرنسية، والذي استهله قائلًا: أفرز الاستعمار الفرنسي في شمال أفريقيا أدبًا باللغة الفرنسية، اختلفت الآراء حوله كما اختلفت أغراضه وأهدافه وإنشاءاته حسب المرحلة التاريخية التي نتج فيها، فكانت مرحلة ما سُمي بالأدب الإثنوجرافي أو الوثائقي، ثم مرحلة الأدب النضالي الذي واكب حركات التحرير، ثم أدب الاستقلال الذي أتى بطرح جديد لعلاقة الأنا بالآخر في أشكال أدبية وفي كتابة تتسم بنزعة واضحة للتحديث والتجديد، خاصة من حيث قضايا الأجناس الأدبية وتشكل القراءة في خضم حوار النصوص واللغات والثقافات وتداخلها.
إلا أن هذا الأدب ظل إشكاليًّا لمدة طويلة بعد الاستقلال لأجل الاحتراز من لغته التي هي لغة المستعمر القديم، فاعتبره البعض مواصلة للاستعمار بالسبل الثقافية عوضًا عن السبل العسكرية أو السياسية، في حين اعتبره البعض الآخر "غنيمة حرب" (والعبارة للكاتب الجزائري كاتب ياسين)، ومكوّنًا من مكوّنات الحركة الإبداعية في بلدان المغرب العربي، إذ يستمد إلهامه من وجدان الشعور الوطني، ومن الانخراط في أسئلة المجتمع الحارقة والإشكاليات المتعددة والمتنوعة التي تثيرها. 

novel
حكايات إنسانية عابرة للغات

نشأ الأدب التونسي المكتوب بالفرنسية في خضم هذه الحركة الأدبية التي برزت على مشارف النصف الثاني من القرن العشرين، وجاء ذلك على خلفية تاريخية مشحونة بالعنف المادي والمعنوي في مجتمع امتاز بالتنوع العرقي والثقافي. ولعل أبرز مظاهر هذا التنوع يكمن في التعايش السلمي بين جاليات ثلاث: العرب، والأوروبيون، واليهود. فالأوائل هم ورثة السلطة الدينية التي نظمت المجتمع منذ الفتح العربي الإسلامي، والأوروبيون هم أصحاب السلطة الفعلية بموجب منظومة الاستعمار، واليهود هم من أصيلي البلاد القدامى لكنهم يخضعون لتنظيم خاص بهم يقوم على صلابة العلاقة بين الانتماء العرقي والمعتقد الديني والتنظيم الاجتماعي، وهم يتمسكون بذاك التنظيم لاعتباره الضامن الوحيد لوحدتهم ولهويتهم، رغم أقليتهم أو بسببها.
ويشار أيضًا إلى أن الأدب المكتوب بالفرنسية لم يعرف في تونس الأطوار نفسها التي عرفها في المغرب وفي الجزائر، حتى إن البعض اعتبره الابن الفقير لهذه العائلة الأدبية. والواقع أن الأدب التونسي باللسان العربي ازدهر قبل الاستقلال، والتصق بالقضايا الوطنية، فتنوعت تفاعلاته السياسية عبر مختلف المسالك الفكرية والإبداعية، خاصة تلك التي تستلهم فكر الإصلاح. لذلك كانت الكتابة باللغة الفرنسية في مرتبة ثانوية جدًّا، وأكثر من تعلق بها وثابر عليها - في البداية - هم اليهود، ولعلهم كانوا يرون في امتلاك اللغة الفرنسية وفي إتقانها إلى حد الإبداع الطريق الأفضل للارتقاء الاجتماعي وللأخذ بمكونات الحضارة الحديثة.
وأعود إلى ما دار بيني وبين الروائي هيثم حسين الذي فهمت منه أنه يعتبر أن تجربة ترجمة روايته "إبرة الرعب" إلى اللغة الفرنسيّة بمثابة محطّة مهمّة بالنسبة إليه على الصعيد الشخصيّ؛ فهي تنقله إلى عالم جديد، مختلف عن أمزجة العالم العربيّ، والكرديّ أيضًا.
وهنا التحدّي، والترقّب لسبل التلقّي، ولكيفيّته، ولآراء القارئين الفرنسيين والفرانكفونيين، ولاسيّما أنّ الحكايات الإنسانية تكون عابرة للغات.
ويشير هيثم إلى أن الرواية لم تكتب لقارئ بعينه، مع أنّها مكتوبة باللغة العربيّة، وفيها تطرّق لقضايا تهمّ العالمين؛ العربيّ والكرديّ، فضلًا عن القضايا الإنسانية التي تهمّ القرّاء أجمعين في اللغات كافة. 
وهو يوقن بأنّ الترجمة تخرج روايته من فضاء إلى آخر يزيد رحابة عالمها، عندما تطلقها في مسار مختلف، فتبثّ فيها حياة جديدة، برداء جماليّ لغويّ مختلف، تكتسب هوية مضافة تثري هوياتها الإنسانية الساحرة. 
ويرى هيثم حسين أن الترجمة تغدو أفضل جسر للتعريف بالآخر، وهي تبتعد عن فعل الخيانة الذي ألصق بها، وإن كان ذاك الإلصاق اتّهامًا مسبقًا أحيانًا، إلّا أنه يعتبرها "خيانة" ممدوحة، ومنشودة، وتحظى بالاحترام والتقدير، لأنّ كلّ ترجمة جديدة تهب الرواية حياة جديدة، وتنفخّ روحًا في ثناياها، وشخصيّاتها.
ويرى كاتبنا أن المترجمين رُسل الإبداع وسفراء الخيال لإيصال الإبداع الأدبي إلى ضفاف جديدة.
وهو يعتبر نفسه محظوظًا لكون المترجم التونسي الكبير منصور مهنّي ترجم روايته إلى الفرنسية، وهو الخبير بقضايا الترجمة وخباياها، المتبحّر في اللغتين اللتين يعيشهما عالمًا متكاملًا، ولذلك فقد عاش الرواية في العربية ثم عاشها في لغته الفرنسية أيضًا.
ويذكر لي هيثم حسين أن رأي دار "لارماتان" الباريسية العريقة في الترجمة كان مفصليًا، فلقد أشادت بها وبلغتها العالية، وهو ما أبهجه أكثر. وقبلها أشاد عدد من الخبراء بالفرنسية، والمترجمين من الفرنسية وإليها بالمستوى الرفيع لهذه الترجمة، فأيقن أنّ الرواية نُقلت روحًا وكينونة إلى اللغة الفرنسية.
وقد سبق أن ترجمت روايته "رهائن الخطيئة" إلى اللغة التشيكية، فكانت أوّل رواية تتحدّث عن عوالم الأكراد تترجم إلى التشيكية، ونالت استحسان عدد كبير من القرّاء هناك، كما أنّها تحوّلت إلى عمل مسرحيّ حظي بنجاح لافت بحسب ما ورد من الأصدقاء هناك، ممن كانوا يتابعون ما يكتب عنها، ويرصدون ردود فعل القرّاء والكُتّاب نحوها. 
وعن الحياة في المنفى، أو المهجر، أو في الغربة؛ يقول هيثم: الغربة تزيد الارتباط بالعوالم التي تسكنني؛ عوالم الوطن التي تظلّ عالقة بوجداني، أعيد رسمها عبر عملية الكتابة، عندما أعيد معايشة تفاصيها من خلال التذكّر، فتغدو الكتابة والتذكّر من سبل تصالحي مع واقعي، لأنّني من خلالهما أتفهّم نفسي أكثر. وكما تعلم، فالإنسان مجبول من الذكريات والحكايات التي تؤثّث لمعماره المتخيّل المبنيّ على وقائع بعيدة وقريبة. 
ويضيف قائلًا: وخلال هذه السنوات التي خرجت فيها من بلدي، لم أنقطع عنه بأيّ شكل من الأشكال، فأنا أعيش يومياته، وأشعر باغتراب لا يزايلني، وأصحو أحيانًا وأسأل نفسي ما إن كنت هنا في لندن، أم في دمشق، أما تزال أحلامي وكوابيسي مرتبطة بما يجري في بلدي، ويجتاحني حنين جارف دومًا إلى هناك، فأروّض الحنين وأهدّئ ثورته بالكتابة.

ويتازمن مع نشر الترجمة الفرنسية للرواية، صدور الطبعة العربية الجديدة منها عن "دار خطوط وظلال للنشر" في العاصمة الأردنية عمان. 
وتتناول الرواية موضوعات عدة من خلال محاور متداخلة منها؛ التعرّف المغلوط إلى العالم، والردّ العنيف على الظلم اللاحق بالشخصيّة، ومحاولة الشخصية الانتقام لتاريخ مديد، ثمّ الدخول في تفاصيل الفساد والتهميش والإتجار بالبشر، والتحوّل الجنسيّ، وبعض الممهّدات للتطرّف، والدور الذي لعبه بعض السوريّين في الحرب الأهلية اللبنانية، وهذا كله في سياق روائيّ، يصوّر عدّة أمكنة، ابتداءً من قرية نائية في شمالي شرقي سورياً، مرورًا بدمشق وريفها، وصولًا إلى بيروت.
وقد اعتمد الكاتب في هذه الرواية تعدّد أصوات الرواة، وحاول الخوض في موضوعات إشكاليّة خطيرة، متجاوزًا الخطوط الحمراء التي تفرضها الأنظمة السياسيّة أو المنظومة الاجتماعيّة.
وترصد الرواية مشاركة الكرديّ السوريّ في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، وتأثير ذلك على ضفاف المجتمع الكرديّ، ثمّ المشاركة لاحقًا في بعض الكوارث التي خلّفها قسم من الجيش السوريّ في لبنان. وبخاصّة الممارسات التي أساءت كثيرًا للناس.
 وفي السياق، تحضر بدايات الاصطدام بالذهنيّة الاجتماعيّة والتحريمات المفروضة والقيود المكبّلة لحرّيّة الأفراد. 
وهيثم حسين من مواليد عامودا 1978، وهو يقيم حاليًا في لندن. وهو عضو جمعية المؤلفين في بريطانيا، ونادي القلم الإنجليزي، ونادي القلم الإسكتلندي. ومؤسّس ومدير موقع "الرواية نت".
ترجمت روايته "رهائن الخطيئة" إلى اللغة التشيكية، وصدرت في براغ عام 2016 بترجمة يانا برجيسكا، كما ترجمت روايته "رهائن الخطيئة" إلى اللغة الكردية وصدرت في ديار بكر بتركيا سنة 2018.
نشر له في الرواية أيضًا: "آرام سليل الأوجاع المكابرة" ط1 دار الينابيع، دمشق، 2006، ط2 عن دار النهرين بدمشق أيضًا. أما "رهائن الخطيئة" فصدارت عن "دار التكوين" بدمشق، 2009.
وأصدرت روايته "إبرة الرعب" أكثر من دار نشر عربية: "ضفاف" في بيروت، و"الاختلاف" في الجزائر 2013، وصدرت "عشبة ضارّة في الفردوس" عن "منشورات مسكيلياني" بتونس، و"ميارة" بتونس 2017، و"قد لا يبقى أحد" عن "منشورات ممدوح عدوان" في دمشق، 2018.
وله في النقد الروائيّ: "الرواية بين التلغيم والتلغيز"، عن "دار نون4" في حلب، 2011، و"الرواية والحياة" عن "منشورات الرافد" بدولة الإمارات العربية المتحدة 2013، و"الروائيّ يقرع طبول الحرب" عن "دار ورق" في دبي 2014، و"الشخصيّة الروائيّة.. مسبار الكشف والانطلاق" عن "دار نون" في الإمارات 2015.
وله في الترجمة: عن الكردية مجموعة مسرحيات "مَن يقتل ممو..؟" لبشير ملا 2007.
وقد أعدّ وقدّم كتاب "حكاية الرواية الأولى" الصادر عن "منشورات قنديل" في دبي 2017.