التفاوت الاجتماعي والعودة للبدايات

العودة للبدايات يعني عودة للإجماع وللإرادة الكلية والتعاون على قاعدة الاحترام للآخر لأجل التنمية، والقضاء على الفقر والحرمان، والأمراض المزمنة.


الفكر السياسي والاجتماعي أقام نموذج الدولة الحديثة على مشروعية سياسية وأخلاقية وقانونية


التطور اللامتكافئ ينتج علاقات كسيحة واستعلاء القوى الكبرى، ويؤسس للبؤس في أبشع صوره

بوادر المجتمع المدني - كما يقول جون جاك روسو في كتاب "أصل التفاوت بين الناس" - تعود بالدرجة الأولى إلى الملكية الخاصة وسياسة التحايل والاندفاع الجسدي في السطو على ممتلكات الغير، بدافع القوة والحرية المطلقة دون ردع القوانين الوضعية والمؤسسات، ودون تحكيم العقل في النافع والمفيد للتعايش والسلم. 
شرارة العنف تتفاقم في واقع الاندفاع واستفحال النزاعات، والنزوع نحو القوة، ولا سبيل للتخلص من أسباب الحروب والصراعات إلا بالتأسيس للكيانات المدنية، والدخول في السلم وإرساء قواعد المجتمع المدني السليم. القوة لا تؤسس للحق كما قال روسو، وما يؤسسه تلك القوى المشروعة الناتجة من الإرادة العامة في استبدال مجتمع القوة بالمجتمع المدني السليم البناء. والتفاوت الاجتماعي بين الناس يعني غياب سياسة متوازنة في درء الصراعات، وتجنب الوقوع في الحرب الشاملة وإعادة الاعتبار للإنسان في كرامته وحقوقه دون تهديد أو سيطرة على الممتلكات. 
فالفكر السياسي والاجتماعي أقام نموذج الدولة الحديثة على مشروعية سياسية وأخلاقية وقانونية، الرجل الذي سيج أرضا وادعى أنها ملك له، كان يعرف بالتمام أن الأرض وثمارها للجميع، ولا يمكن السطو على الأملاك المشاعة والمشتركة، لا تعني رضى المجتمعات على توزيع الثروة واقتسام الخيرات بالقوة، لا وجود لإطار سياسي يمكنه ضمان كافة الحقوق بالمناصفة، ولا يمكن ردع كل الناس بدافع تغليب المصلحة العامة على المصالح الذاتية، وليس الناس على توافق تام في النزعة العقلانية والاحتكام للعقل والأخلاق، القوة الردعية مفيدة في إلجام النزوات والأهواء، حالة القوة لا تؤسس للمجتمع ولا تساهم في بناء الدولة المدنية، حرب ضارية على الفكرة، ونزعة الإنسان في التملك قوية حتى أصبح العالم منقسما إلى طبقات اجتماعية، بين قلة الأغنياء وكثرة الفقراء، هذه الهوة التي تتسع وتزداد بين أصحاب النفوذ والسلطة وبين أصحاب الخبرة والكفاءة والقدرة، تحالف متين بين السياسة والاقتصاد والثقافة، وتكريس الهيمنة بواسطة القوة الإعلامية المسخرة في خدمة الطبقة المهيمنة، وبذلك فالملكية الخاصة أصل المشكلة، والصراعات المغلفة بالعوامل الأخلاقية والقيمية ليست في الأصل إلا قشور الأزمة في العالم، باعتبار الاقتصادي المحدد للأفعال والمواقف والصراعات، فعندما صاح ذلك الإنسان في وجه من سيج الأرض، ومن أراد زرع الشقاق بين الجماعة والسطو على الخيرات بدافع المكر والدسائس وبدافع القوة والعنف، خرج من الناس شخص يمتلك وعيا طبقيا، فصاح يحذر الآخرين من هذا المحتال لإثارة الناس بعدم الإنصات لهذا المخادع والدفاع عن حقوقهم، المحتال استعمل كل الآليات الممكنة في التملك وضرب جوهر الاجتماع البشري على أساس المشاع والمشترك بين الناس.      

لا بد من العودة للبدايات، للمرحلة التأسيسية من صياغة العهود والمواثيق وبناء العلاقات الإنسانية على المشروعية القانونية والأخلاقية، وليس على القوة والتحايل والمنفعة الضيقة، حتى يمكن للعالم محاربة الظواهر المرضية، والتقليل من التفاوت الاجتماعي والطبقي

الماركسية - في شخص الفيلسوف كارل ماركس - تعزز هذا الطرح بالتشخيص والتحليل العلمي للملكية الخاصة، وأسس النظام الرأسمالي، ويطرح البديل في النظام الاشتراكي وفي الصراع الطبقي لإعادة توزيع الثروة واقتسام الخيرات مناصفة بين كل الناس، قناعة الفيلسوف آتية من استقراء التاريخ اعتمادا على المادية التاريخية والمنهج الجدلي في تعرية العلاقة بين السياسة والاقتصاد، والصراع بين الطبقات يفرز نتائج خاصة بأنماط الإنتاج وقوى الإنتاج والعلاقات الإنتاجية، هذا التحالف يعني ممارسة العنف والقوة من قبل الفئات المهيمنة على الفئات الأخرى، فكل الأشياء التي تغذي النظام الرأسمالي وتعمل على تقويته وتعميمه موجودة في الأسباب المادية وثقافة الاستهلاك، ومنطق الحكم في الحفاظ على امتيازات الطبقة البورجوازية، والإبقاء على الاستغلال والاستلاب للطبقة العمالية، هذا النوع من الهيمنة يعاد قراءتها في الفكر الفلسفي المعاصر، وفي القراءة السوسيولوجية عن نهاية الغرب في نموذجه اللبرالي سواء بالمعنى الايجابي أو السلبي، في نهاية النماذج الممكنة في جدارة الليبرالية أو في أفول النموذج الغربي وإتاحة المجال للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، حتى يتبلور نظام جديد يرقى إلى تطلعات البشرية في المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية، ومن الناحية السوسيولوجية هناك آراء ومواقف تنطلق من نهاية المجتمعات، ونهاية الدولة البورجوازية، وكل ما هو مؤسس على الفكر الليبرالي، نهاية الدولة القومية ودخول العالم في الاختلال والغرق كما أمين معلوف، والسبب كذلك في رأي جون بودريار اختلال العلاقة بين الشر والخير، واعتبار العولمة لا إنسانية ولا أخلاقية، عندها يصبح الشر ظاهرة عالمية وتصبح القرارات الأممية والمجالس الدولية بدون فعالية، وتعلن كل دولة عن سياسة الاحتراز، وتتعالى المصلحة الذاتية على مصالح الشعوب الأخرى، ويتحول الخطاب عن حقوق الإنسان والديمقراطية والعولمة لمجرد ألاعيب في دغدغة العواطف والمشاعر، دون إصلاح أعطاب السياسة العالمية، ومراعاة مصالح الشعوب المستضعفة. 
هذا التطور اللامتكافئ ينتج علاقات كسيحة واستعلاء القوى الكبرى، ويؤسس للبؤس في أبشع صوره، من الحرمان والفقر والبطالة وانحصار الآفاق، تك معالم الحضارة المادية التي أنتجت وسائل وآليات ساهمت في تأجيج العنف في العالم واستفحال ظاهر الإرهاب، الذي اخترق الكيانات وحرضت عليه أقلام ووسائل الإعلام في عملية البث والنقل المشوه للوقائع والحقائق بدافع الزيادة في نسب المشاهدة، وغسل الأدمغة، وتوجيه العقول وتنميطها، هذا العالم يزداد بشاعة رغم ما يعرفه من ثورة تكنولوجية، وتقدم هائل في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لأن الجانب الآخر المعتم يهتم بترويض النفوس وإنتاج وعي سطحي في إطار نظام التفاهة، وينتج عقولا استهلاكية، وصعود التيارات الشعبوية والحركات المتطرفة، والانجرار نحو الحروب بأنواعها، وانتشار أسلحة الدمار الشامل والأوبئة والأمراض. 
العالم لا يتجه نحو الانسجام والتعايش أكثر كما يبدو، بل هناك بوادر في عودة حالة الطبيعة والمجتمعات السابقة على الدولة المدنية، حالة من القوة التي تعني عودة الإمبراطوريات السابقة، والمكبوت الثقافي والسياسي والديني في حروب الإبادة والتصفية العرقية، ومن يدري أشكال ومظاهر القوة المقبلة في عالم يشهد تصاعد التوتر والاندفاع نحو المصالح القومية للدول الكبرى على حساب الضعفاء، يمكن أن نشهد في العالم صراعات طبقية على طريقة تحليل ماركس وميلاد القوى العمالية بفكر جديد في حالة الزيادة في درجات بؤس الطبقة العمالية، وانحصار الملكية الخاصة بأيدي قلة قليلة من اصحاب رؤوس الأموال والشركات العملاقة، ونشهد تراجع وظيفة الدولة لصالح أصحاب الامتيازات، وصعود قوى أخرى من المنتفعين الوصوليين، وأصحاب الامتيازات من أولئك الذين يسخرون الدولة لأغراض ذاتية، ونشهد تحالفات القوى المهيمنة في مجال الاقتصاد والسياسة، وتعميم الفكر الوحيد ضد كل الحركات المناهضة للاستغلال والهيمنة.          

أقلام قليلة من المثقفين الذين يعتبرون عودة الصراع الطبقي مسألة حتمية، وأقلام جديدة تحذر من انهيار العالم والدخول في حالة من الاستقطاب والمنافسة الشرسة على الأسواق العالمية، والتحذير أكثر من الحروب بأنواعها. فالرأسمالية تجدد هياكلها وتبعث في روحها نسيما، تتنفس على الإصلاح وحل الأزمات المالية والسياسية بتعميم نماذجها أو بمحاولة استنزاف طاقات وموارد الشعوب الأخرى، والإبقاء ما أمكن على تقسيم العمل العالمي، بين الإنتاج الصناعي والتكنولوجيا المفيدة للغرب، وبين تسويق المنتوجات خارج حدودها، وتوزيع حصص الأرباح من التجارة العالمية على الأقوياء، وتسخير السياسة في خدمة المصالح الحيوية والإستراتيجية، واستخراج الموارد الأولية للشعوب الأخرى، فالحروب القادمة ستكون على الأرض والفضاء، حروب بالوكالة أو اتفاقات مسبقة في إشعال نيرانها والزيادة في مبيعات الأسلحة دون السماح للدول الصاعدة بامتلاك تقنية صناعة السلاح، ناهيك عن تطبيق السياسة الميكيافلية للربط بين الوسائل والغايات، وتجسيد الفكر البرغماتي في حدوده الضيقة من خلال المنفعة الأحادية، حتى أصبحت السياسة في عالم اليوم تنهل من المصلحة والتنازل، وتحالفات القوى في السر والعلن، وينقل الإعلام المرئي وشبكات التواصل الاجتماعي تصريحات وآراء لا تعبر عن الحقائق في  إستراتيجية الدول، ما وراء الخطاب مفاوضات لا تنكشف إلا للذي ينغمس قي غمار السياسة وصناعة القرار. 
في الحرب السورية تتضارب الأنباء عن حسم المعارك ثم تظهر بؤر جديدة للصراع، وتدخل أطراف أخرى على الخط، وفي ليبيا تشتعل الحرب، وتنطفئ ونسمع هدنة وصفقات واستعداد كل طرف للقضاء على الطرف الآخر، ولا نملك حقائق عن صفقات الغاز والعتاد الحربي وتنازلات الأطراف، وفي السودان يكاد يكون المشهد صامتا في عودة السلطة للجيش أو يرغمك الإعلام على تصديق الاتفاق والتراضي في اقتسام السلطة بين الجيش والقوى المدنية. 
وهكذا يجب العودة للبدايات عندما تأسس المجتمع المدني والدولة الحديثة على الاتفاق والتعاقد، وضرورة وضع نهاية للحرب الشاملة، وصيانة الحق الطبيعي والعمل بالقانون الوضعي، وتحقيق الأمن والسلم واقتسام الثروة بالمناصفة دون اللجوء للخداع والمكر والتحايل على الناس بدافع الحق في التملك والسطو على الخيرات المشركة، أصل البلاء يعود للطبيعة الإنسانية الميالة للجشع والعدوانية، والحرية المطلقة بدون ردع القانون والمؤسسات، وبدون تحقيق التعايش المشترك في نصيب الإنسان من الأرض وثمارها. 
والآن يخطو العالم نحو ابتلاع حقوق الآخر، وتسخير كل الإمكانيات للحفاظ على الامتيازات، وتطفو للسطح السياسة في تمرير المغالطات عن حروب الإرهاب الاستباقية ومفاوضات الحلول النهائية وجولات من المحادثات والتنازلات، وعن تحقيق الديمقراطية أو غياب حقوق الإنسان، وكلها مزاعم مزيفة هدفها التوغل أكثر في الطبيعة لاستنزافها واستغلالها. فلا بد من العودة للبدايات، للمرحلة التأسيسية من صياغة العهود والمواثيق وبناء العلاقات الإنسانية على المشروعية القانونية والأخلاقية، وليس على القوة والتحايل والمنفعة الضيقة، حتى يمكن للعالم محاربة الظواهر المرضية، والتقليل من التفاوت الاجتماعي والطبقي في عالم يعرف بالتمام هوة عميقة بين الأغنياء والفقراء. العودة للبدايات يعني عودة للإجماع وللإرادة الكلية والتعاون على قاعدة الاحترام للآخر لأجل التنمية، والقضاء على الفقر والحرمان، والأمراض المزمنة.