التكتيكات الفلسطينية مقابل خطة الضم الصهيونية وتقديرات الصهاينة في مواجهتها

الالتزام الفلسطيني بتطبيق الشق الأمني من أتفاق أوسلو ولو بشكل منفرد، يغري العدو بالاستمرار في مخططه.


الاحتلال الإسرائيلي يعيش رفاهية في ظل سلطتين منقسمتين في غزة والضفة


اسرائيل اختارت وقتا مناسبا لتنفيذ خطة الضم في ظل ضعف المواقف العربية والردود الفلسطينية


حماس يناسبها الوضع الحالي لانه يحفظ نفوذها في امارتها بغزة

الضفة وغزة وحدة جغرافية واحدة وهما معاً أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة، لكن واقع الحال اليوم غير ذلك نحن أمام سلطتين تخضعان للاحتلال وتنسقان معه أمنياً بشكل مباشر وغير مباشر، بل وتحصلان على جزء كبير من عائداتهما المالية من خلاله إن كانت أموالاً مستحقة تسمى المقاصة وهي عوائد الجمارك التي تُحصلها سلطات الاحتلال نيابة عن السلطة الفلسطينية، أو الأموال التي تصل من دولة قطر لحركة حماس بناء على تفاهمات تمت بواسطتها بين دولة الاحتلال والحركة الإخوانية وفق مبدأ "المال مقابل الهدوء".

لا يذكُر التاريخ احتلالاً مشابهاً، عاش مثل هذا الوضع من الرفاهية الاستعمارية الاستيطانية التوسعية كما حال الصهاينة مع السلطتين في غزة والضفة، حيث أعترف صاحب الأرض ممثلاً بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عام 1993 دون مقابل سياسي على حق دولتهم الاستعمارية الإحلالية في الوجود على 78% من الأرض الفلسطينية وقبل الفلسطيني ممثلاً بالمنظمة التفاوض على الـ 22% الباقية وهي الضفة الغربية وقطاع غزة، وأصبحت الصيغة العربية والدولية لا تتحدث عن حقوق شرعية ومشروعة وفق قرارات دولية، بل عن صيغة أوسلو، التي تقوم على مبدأ أن كل شيء يُحسم بالتفاوض، بمعنى قبل الفلسطيني بوعي أو غياب وعي أن الأراضي المحتلة عام 1967 متنازع عليها قانونياً وما يحسم مصيرها هو المفاوضات وإلى أن تنتهي المفاوضات لا يقوم طرف من الطرفين بأي تغييرات على الأرض، في المقابل وإلى أن يتم الاتفاق على حل نهائي يلتزم الطرف الفلسطيني بحماية الصهاينة جنوداً ومستوطنين ويحبط أي أعمال عدائية تجاههم.

معادلة فيها إذلال وإهانة للكرامة الوطنية الفلسطينية ولمبدأ التحرر الوطني، والقبول بها كان ومازال كشرب "ماء النار"، لكن بُرر ذلك قبل اليوم أنه آلية لبناء جسور الثقة والوصول للدولة المستقلة، وفي الحقيقة كانت هذه الصيغة مقبولة لدى أنصار منظمة التحرير ودافعوا عنها بخجل أو بدون خجل رغم تعثر المفاوضات واستمرار الاستيطان البطيء.

لكن إعلان الصهاينة تنفيذ خطة ترامب والتي تتضمن ضم ما يقارب الـ 30% من أراضي الضفة الغربية يعني أن لا دولة فلسطينية ستُقام، وبالتالي فإن مصوغات التنسيق الأمني لن تعد مقبولة فلسطينياً لا رسمياً ولا شعبياً.

من هنا جاء إعلان منظمة التحرير الفلسطينية وقف التنسيق الأمني بصيغته المباشرة مع تعهدها للطرف الصهيوني، الحفاظ على جوهره من طرف واحد بمنع وأحباط أي عمل مسلح ضد قوات الأحتلال ومستوطنيه! وهذه الصيغة مقبولة اسرائيلياً بحسب نداف ارغمان رئيس الشاباك (جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي) الذي زعم أن الرئيس الفلسطيني أبومازن أبلغه شخصياً بها.

بناء على هذه المواقف الفلسطينية المعلنة، والعربية المتوقعة، اعتبر تحليل أجرته وزارة شؤون الاستخبارات الإسرائيلية أن الفترة الحالية هي أكثر فترة مناسبة لتنفيذ مخطط الضم في الضفة الغربية وغور الأردن. وبحسب تقديرات الباحثين في مجلس الوزراء الصهيوني، وفقا لصحيفة "يسرائيل هيوم"، فإنه "لا يتوقع حدوث تصعيد أمني، والعلاقات مع الدول العربية ستعود إلى حالها سريعا بعد الضم".

وقالت الصحيفة إن ورقة موقف تم تقديمها إلى وزير شؤون الاستخبارات الإسرائيلي، إيلي كوهين، استعرضت "حسنات" مخطط الضم، بادعاء أن "هذه خطوة ستغير شرط بداية مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين لصالح إسرائيل، ويوضح ثمن الرفض الفلسطيني بالحضور إلى طاولة المفاوضات، ولذلك من شأنه أن يحضهم على العودة إلى الطاولة من أجل وقف استمرار النبضات" أي مراحل الضم.

واضح أن الالتزام الفلسطيني بتطبيق الشق الأمني من أتفاق أوسلو ولو بشكل منفرد، يغري العدو بالاستمرار في مخططه فقد ضمن أن لا عواقب وخيمة ستحدث، ومع أن هذا التعهد هو حاجة سلطوية فلسطينية كما يرى خبراء، إذ ستحصل السلطة في مقابله على عدم تدمير وجودها كمؤسسات وعدم ملاحقة قياداتها وكوادرها واعتقالهم أو ابعادهم، ويعني استمرارها في حكم ذاتي إداري لبعض المناطق المحتلة من أراضي عام 1967، وهذا ما فهمته سلطات الأحتلال ومحلليها الاستخباراتيين حيث أشارت الورقة المقدمة لوزير الاستخبارات الصهيوني إلى أن تنفيذ الضم الآن وعدم تأجيله سيكون قراراً حكيماً، بسبب عدم معرفة نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية. حيث "لا يتوقع حالة غليان واسعة في الأردن، خاصة في حال عدم حدوث غليان في الضفة". واعتبرت أن ثمة سبباً آخراً لتنفيذ الضم الآن وهو "معارضة السلطة الفلسطينية لاستخدام العنف، وذلك على ضوء مصلحتها الذاتية الوجودية".

وتابعت ورقة الموقف أنه ينبغي تنفيذ الضم في التوقيت الحالي لأسباب أخرى، وهي "مكانة السلطة الفلسطينية الدولية المتدنية بسبب الخلاف مع الولايات المتحدة، وغياب محفز لدى حماس لجولة قتالية أخرى، وعدم مبالاة الجمهور الفلسطيني في الضفة والذي بغالبيته منهمك بمشاغله اليومية، والعالم المنشغل بكورونا والجمهور العربي المنهمك بقضايا محلية".

السلطة في مأزق وحماس لا، مشروع السلطة سقط قبل اليوم حيث وجودها كجسر للدولة فشل بفشل التسوية، لكن حماس لا تعنيها الدولة بل الإمارة الإسلامية وبالتالي الحفاظ على غزة وحكمها فيها، هذا هو أساس مبعث السلوك السياسي الإخواني وما يبرر استمرار حماس في تلقي الأموال عبر الصهاينة، رغم رفض السلطة ذلك.

وبما أن لا حكم دون مال فإن التزام السلطة الأمني بمنع الأعمال المسلحة ضد كيان العدو وامتداداته الاستيطانية سيصبح بلا منفعة فلسطينية رسمية، حيث معادلة الأمن والمال هي سبب وجود السلطة ذات المؤسسات، وفي ظل تخاذل عربي في تأمين محفظة مالية عربية بديلة لأموال المقاصة، سيبقى وجود السلطة مرتبط بالمقابل الذي تدفعه سلطات الأحتلال، أي استلام عوائد الضرائب بشكل مباشر التقديرات الصهيونية أن السلطة لن تصمد طويلاً في رفضها.

ورغم أن هذا الأمر بديهي، إلا أن الغريب هو الغاء السلطة الفلسطينية التنسيق المدني أيضاً ومنه ما يتعلق باتفاقية باريس الاقتصادية، حيث أدى ذلك الى عدم استلام الموظفين الحكوميين لرواتبهم دون إيجاد بدائل.

سلطات الاحتلال استعدت ورتبت ودرست جيداً السلوك الفلسطيني التفاوضي والاحتجاجي وما توقعته حدث وتظن أنه سيحدث، فقد ذهب المواطنون الفلسطينيون للتعامل مع مكاتب الإدارة المدنية الإسرائيلية مباشرة أو عبر تطبيق المنسق للحصول على تصاريح عمل وغيرها، يرافق ذلك خطوات عملية على الأرض ضمن سياسة ضم الأراضي قامت بها قوات الاحتلال في مناطق الأغوار وغيرها.

يبقى السؤال المطروح، هل ستستطيع السلطة من خلال هذه التكتيكات ضمان تغيير المخطط الصهيوني وايقافه فلسطينياً؟

من غير الواضح كيف ستنجح الخطوات الفلسطينية دون أنياب، دون أنياب لن تستطيع أن تحشد العالم لدرء أخطار الانجراف للعنف في المنطقة، فقد تعودنا في منطقتنا أن الغرب يتحرك فقط عندما يهتز الامن الصهيوني.

ما بُلغ به الصهاينة بحسب رئيس الشاباك أن منظمة التحرير ستلجأ لمقاومة المخطط الإسرائيلي بحراك دبلوماسي عالمي فقط! وهو ما أراح سلطات الاحتلال حيث هكذا وضع يمكن التعامل معه بهدوء من قبل الصهاينة والأميركان، دُرسَ الصهاينة وحماتهم السلوك الفلسطيني جيداً وأصبح لدى الصهاينة عديد التجارب معه، فهم يتنبؤون به وهو لا يخيفهم، ولديهم القدرة على استيعابه، حيث ينظرون إلى التصريحات المعبرة عن القلق والاحتجاجات العالمية الإعلامية وعبر المنظمات الدولية كخطوات طبيعية يراهنون على الزمن والتطورات الميدانية لجعلها حبراً على ورق.

وهذا ما عبرت عنه ورقة تقدير الموقف الاستخبارية السالفة الذكر بحسب صحيفة "إسرائيل هيوم" حيث ترى أن الانتقادات الدولية ستتلاشى بعد فترة ليست طويلة. وجاء فيها أنه "بعد احتجاجات سياسية، خاصة من جانب حكومات، لن يوقظ الضم الشارع العربي ضد الأنظمة. وعدم تطور غليان في الشوارع سيوضح للقيادة العربية غياب ضرر القضية الفلسطينية لهم. ومن شأن تغلغل هذا الإدراك، في الأمد المتوسط، أن يضع برنامجاً لتحسين العلاقات مع إسرائيل، من دون انتظار تسوية إسرائيلية – فلسطينية".

وادعت ورقة العمل هذه أن مخطط الضم من شأنه أن يدفع الفلسطينيين إلى استئناف المفاوضات مع إسرائيل. "بعد فترة تعتاد المنظومة الدولية خلالها على الضم، ستحض هذه الخطوة الفلسطينيين وجهات في المنطقة والعالم على التوصل إلى حلول وتسويات لا تكون راسخة عند حدود 1967 وعلى جوانب إقليمية بالأساس".

 في الخلاصة:

العنف ليس الوسيلة الأفضل لنيل الحقوق، إلا إذا كان عنفاً مشروعاً للدفاع عن الحقوق وأخر وسيلة بعد تجربة باقي الوسائل، لكن لا أظن أن احتلالاً عنصريا أحلالياً توسعياً يمكن أن يمنح من هم تحت نيره حقاً دون أن يفرضوا هم عليه ذلك.

كثير من القيادات الفلسطينية والعربية يتمنون أن لا يحصل الضم حتى يبقى كل شيء على حاله وكأن الوضع الراهن أفضل من الضم!

التعايش مع الاحتلال بشكل أو بآخر مثل القبول به، لا احتلال يخرج دون مقاومة خاصة عندما يكون احتلالاً استعماريا احلالياً، ينازعك الوجود والحقوق والرواية.

لن يخرج مُحتل بالقبلات والمصافحات وحسن النوايا من قبل من هم تحت الاحتلال ولا مفاوضات مع محتل تنجح دون رديف يتمثل بعناصر الضغط الأخرى إن كانت شعبية أو مسلحة، لا أدري كيف يفكر البعض لكن الآن أو غداً أو بعد عشر سنوات ستنفجر الأوضاع كما لم يتوقعها أحد، ليس بفعل تخطيطنا بل بفعل الاحتلال وممارساته.