الحقيقة دمها ثقيل

لماذا الإنتظار سنتين حتى يتم فطام الرضيع، لماذا لا "تخر له الجبابر ساجدينا" فورا بمجرد الولادة؟


من الأغاني القليلة التي قالت الحقيقة أغنية لفريد الأطرش "مرة يهنيني ومرة يبكيني"


الهدف هو الإثارة والغرابة أكثر كثيرا من الحقيقة

من الأقوال المشهورة للكاتب الأمريكي الساخر (مارك توين):
”Never let the truth get in the way of a good story”
"لا تجعل الحقيقة تقف عائقا أمام قصة جميلة".
وقديما قال العرب: "أجمل الشعر أكذبه" 
الشعر عادة يعتمد على تجميل الواقع أحيانا، وعلى المبالغة أحيانا أخرى، والأمثلة كثيرة، خذ عندك معلقة عمرو بن كلثوم:
لنَا الدُّنْيَا ومَنْ أمْسَى عَلَيْها
ونَبْطِشُ حَيِنَ نَبْطِشُ قَادِرِينا
بُغَاةٌ ظَاِلَمينَ وَمَا ظُلِمْنَا
وَلكِنَّا سَنَبْدَأُ ظَاِلِميِنَا
مَلأنَا البَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا
ونَحْنُ البَحْرُ نَمْلَؤُهُ سَفِينا
إذا بَلَغَ الرَّضِيعُ لَنَا فِطاماً
تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدِينا
يعني لو بعث أبو لمعة المصري من قبره لما تجرأ وقال أن "لنا الدنيا ومن أمسى عليها" وأنهم ملأوا البر والبحر، مع أن أهل نجد في البادية لم يكن لديهم بحر أساسا أو أي سفن لكي يملأوا بها البحر ولم يكن لديهم سوى الجمل (سفينة الصحراء)!
ثم لماذا الإنتظار سنتين حتى يتم فطام الرضيع، لماذا لا "تخر له الجبابر ساجدينا" فورا بمجرد الولادة، لماذا تضيع الوقت، ويصبح بيت الشعر:

الميديا أصبحت في أغلبها وكأنها الصحف الصفراء، وأصبح كل من هبّ ودبّ يكتب ما يريد على صفحته بالفيس بوك، وكلما كان الخير غريبا وصادما  لقى الإعجاب والانتشار

إذا نزل من بطن أمه رضيعا 
تخر له الجبابر ساجدينا
صحيح الوزن مكسور قليلا، ولكن لا يهم، المهم المبالغة!
وطبعا أذا تكلمنا عن المبالغة والبعد عن الحقيقة، فالأغاني كلما بعدت عن الحقيقة كانت أجمل، خذ عندك أغنية عبدالحليم حافظ (الهوى هوايا):
أنا الهوى هوايا
أبني لك قصر عالي
وأخطف نجم الليالي 
وأشغل لك عقد غالي 
وإنتي أحلى الصبايا
طبعا كاتب الأغنية كان قاعد في غرفته الفقيرة فوق السطوح بجوار عشة الفراخ، ويحلم ببناء قصر، ليس أي قصر، ولكن قصر عالي، فهو لن يدفع شيئا من جيبه، كله كلام، ويخطف لها نجم الليالي، ولست أدري فيم سوف تستخدم حبيبته (نجم الليالي) بفرض أنه أستطاع خطفه بالفعل، وطبعا لا بد أن يقول أنها أحلى الصبايا لكي يوقع بها.
ومن الأغاني القليلة التي قالت الحقيقة، هي أغنية لفريد الأطرش يقول فيها:
مرة يهنيني ومرة يبكيني
وانا كلمة تجيبني وكلمة توديني
يعني الرجل تحت أمر حبيبته وكلمة تجيبه وكلمة توديه، ورغم هذا لم يسلم من الإهانة أحيانا؟
ومن الأغاني الصارخة في المبالغة أغنية لمحمد رشدي يقول فيها متغزلا حبيبته:
كعب الغزال يا متحني بدم الغزال
ما تبطل تمشي بحنية ليقوم زلزال
ويبدو أن حبيبته كانت منقبة تماما، ولم يشاهد منها سوى كعب رجلها، وتخيل أنه كعب غزال من كثرة التشققات فيه! ثم أني شاهدت أكثر من مرة كعب الغزال، ولم أشاهد فيه أي جمال ولا يفرق أي شيء عن كعب المعزة! ثم لماذا هذا الغزل الدموي ويتخيل أن كعبها (متحني بدم الغزال)! وتأتي الطامة الكبرى عندما يطلب من حبيبته التأني في المشي خوفا من أن يحدث زلزال، ويبدو أن حبيبته كانت من الوزن الثقيل جدا بحيث تهتز الأرض تحت أقدامها أذا "مشيت الحبيبة بحنية" فما بالكم إذا مشيت بالخطوة السريعة!
والمبالغة في الأغاني لا تقتصر على الأغاني العربية، ولكنها ظاهرة عالمية، بالأمس كنت أسمع أغنية في الراديو يقول المطرب المشهور بون جوفي  لحبيبته:
I want to be there for you
If you breeze, I want to be the air for you
سوف أكون هناك من أجلك
لو تنفست فسوف أكون الهواء الذي تتنفسين
كونه سوف يكون متوجدا من أجلها، هذا مفهوم، ولكنه يريد أنه عندما تتنفس حبيبته فسوف يكون كابسا على نفسها!
والأفلام وخاصة الرومانسية منها خلقت فينا منذ مرحلة المراهقة فكرة جميلة غير واقعية عن العلاقات العاطفية، فكم مرة في حياتنا الواقعية رأينا رجلا بكامل قواه العقلية يجري بأسرع ما يمكن على شاطيء البحر تجاه فتاته ويناديها قائلا بأعلى صوته (وكأنه المسحراتي في ليل رمضان): منى... فترد عليه وهي تجري ناحيته حتى تنقطع أنفاسها وتنادي: أحمااااااد...! هل رأي أحدكم شيئا من هذا في حياته؟
وكان الصحفي المصري مصطفى أمين (مؤسس دار أخبار اليوم)  يقول إذا جاءني خبر يقول: إنه إذا قيل لي بأن هناك كلبا عض شخصا ما، فإن هذا خبر لا يستحق النشر، أما الخبر الذي يستحق النشر حقيقة هو أن هناك شخصا ما قام عض كلبا!
الهدف هو الإثارة والغرابة أكثر كثيرا من الحقيقة، فيبدو أن الحقيقة دمها ثقيل.  
والفن بصفة عامة وخاصة فن السينما والمسرح يريد أبعادنا عن الحقيقة قدر الإمكان، فأحيانا يقوم بتجميل الواقع، وأحيانا يقوم بتشويه الواقع، فعلى سبيل المثال: كثير من الأخوة العرب قبل زيارتهم لمصر يتوقعون أن يروا راقصات وفتيات غاية في الجمال في إستقبالهم في المطار ومعهن زجاجة ويسكي وسيجارة حشيش، لأن هذا هو ما يشاهدون في الأفلام المصرية، ويصدمون عندما يفاجئون بأن معظم بنات مصر إما محجبات أم منقبات ناهيك عن مشيتهن الحنونة والتي سوف تحدث الزلزال!
وكذلك الكثير يتوقع أن يرى في أميركا عند اول زيارة عصابات شيكاجو ونيويورك وبنات الملاهي الليلة يلقين بأنفسهن على الزوار؟ وتفاجئهم الحرية والانضباط في معظم نواحي الحياة في أميركا.
والمبالغة والبعد عن الحقيقة شيء مقبول في الفن بصفة عامة، لأن هذه هي وظيفة الفن بأن يأخذك إلى أماكن أخرى تحلق بعيدا عن الواقع، وتخلق واقعا آخر غير موجود في معظم الأوقات. 
ولكن أن تأتي المبالغة والبعد عن الحقيقة عندما يتعلق الأمر فيم ينقل إلينا من أخبار عبر وسائل الإعلام المقرؤة والمسموعة والمرئية، وحديثا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهذا غير مقبول، وأصبحت الميديا في أغلبها وكأنها الصحف الصفراء، وأصبح كل من هبّ ودبّ يكتب ما يريد على صفحته بالفيس بوك، وكلما كان الخير غريبا وصادما  لقى الإعجاب والانتشار، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي أكبر تجمع للنميمة عبر التاريخ الإنساني، وعن إذنكم لكي أرى آخر أخبار النميمة على صفحتي بالفيس بوك.