حدوة حمار

الحمار رغم تاريخه النضالي في حمل الأثقال والبشر، فإن مالكه لم يفكر بتركيب حدوة لحماية حوافرة من شظف الطرقات الوعرة والجبال وغيرها.


لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اِشتَكى ** وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي


الحصان كان يستخدم في الحروب وكان بدلا من دبابات العصر الحديث

عندما أزور مصر أقيم لدى أخي الأكبر في مزرعته خارج القاهرة، ولا أخرج من المزرعة إلا نادرا، وكلما ذهبت إلى المزرعة ألاحظ حمارا عجوزا مربوطا بحبل متهالك ويقف في ظل شجرة كبيرة، وأمامه كومة من التبن ووعاء من الماء، يأكل ويشرب ويدخل الحمام وهو مربوط إلى تلك الشجرة، وكثيرا ما أراه يحمل أحمالا ويتحرك بها من مكان إلى مكان، وغالبا ما يكون وراءه عامل يلهب ظهره بعصا رفيعة إذا ما أظهر أي إعتراض على مقدار الحمولة أو على المشوار في حر أغسطس/آب. 
وفي أثناء زيارتي الأخيرة، وكانت في عز أيام وباء الكورونا، لا حظت أن الحمار لابس كمامة زرقاء كبيرة، اقتربت منه لكي أتأكد أنها كمامة بالفعل، وفوجئت بأنها فعلا كمامة كبيرة وكنت أنا أيضا ألبس كمامة زرقاء صغيرة من المقاس الإنساني وليس المقاس الحميري الكبير، وسألت العامل في المزرعة عن سبب وضع كمامة على وجه الحمار؟ فأجاب: "أنه نظرا لسنه الكبيرة فهو يعتبر من الفئات الحرجة المعرضة للإصابة بالفيروس، وإذا كان الفيروس انتقل من الخفّاش إلى الإنسان، فما الذي يمنع من انتقاله من الإنسان إلى الحمار، ونحن لا نستطيع الإستغناء عن الحمار، فهو عصب المزرعة، وشايل المزرعة كلها على ظهره"!
أقتنعت بقول العامل واقتربت مرة أخرى من الحمار وربت على ظهره الذي بدا عليه آثار السنين، وفؤجئت بالحمار يشير برأسه إلى الأرض وفي الوقت نفسه يرفع قدمه الأمامية اليمنى وكأنه يريد أن يشير إلى حافره (قدمه)، وأخذ يضرب بحافره الأرض أكثر من مرة مثيرا الأتربة وكأنه يريد أن يوصل لي رسالة ما، وكانت مفاجأة أخرى عندما وضع حافره فوق حذائي وضغط بقوة فوق قدمي، ولأول مرة فهمت ما يريد، أذا لا حظت أن حافرة بدأ يتآكل بدون أي حماية، ولأول مرة في حياتي لاحظت أن حافره لا يوجد عليه حدوة تحميه مثل حدوة الحصان، وفي الحقيقة أنني تأثرت جدا من منظر الحافر المتآكل بسبب عدم وجود "حدوة" تحميه، وتذكرت قول عنترة العبسي يصف مشاعر حصانه في نهاية إحدى معاركه الوهمية: 
لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اِشتَكى ** وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي
فربت على ظهر الحمار مرة أخرى، وطلبت من العامل أن يشتري فورا عدد 4 حدوة حمار، فقال لي العامل وهو يكتم ضحكه نظرا لجهلي (الحميري): "يا سعادة البيه لا توجد حدوة حمار، الحدوة للحصان بس". 

donkey
احبك يا حمار

فلأول مرة في حياتي أدركت أنني بالفعل لم أسمع في حياتي عن "حدوة حمار" دائما أسمع عن حدوة الحصان، حتى أن بعض الناس يستخدمونها لجلب الحظ بتثبيتها على مداخل بيوتهم، وبعض المعماريين يصممون المباني على شكل حدوة الحصان، وأخذت أتعجب عن عدم وجود عدالة اجتماعية حتى في أوساط الحمير والأحصنة، الحمار يستخدم في حمل الأثقال والنقل منذ آلاف السنين، الحصان كان يستخدم في الحروب وكان بدلا من دبابات العصر الحديث، ويبدو أنه نظرا للتاريخ العسكري للحصان، فقد تم تكريمه وأصبح في العصر الحديث يستخدم للنزهة والسباق ومظهر من مظاهر الثراء، وأصبحت بعض الأحصنة تباع بملايين الدولارات، لذلك كان ولا بد من حماية حوافرها الرقيقة، وأصبح لدينا ما يسمى بحدوة الحصان.
وعلى الجانب الآخر فإن الحمار رغم تاريخه النضالي في حمل الأثقال والبشر، فإنه ونظرا للظلم الإنساني، لم يفكر أي مالك للحمار بتركيب حدوة له حماية لحوافرة من شظف الطرقات الوعرة والجبال وغيرها.
ونرجع لحمار المزرعة وأسأل شقيقي: "لماذا لا يعتزل حمار المزرعة والذي بلغ من العمر أرذله؟" فيقول لي: "لأنه حمار وسوف يظل يعمل حتى يسقط ميتا"، فسألته: "وهل تعتقد أن الحمار يستمتع بهذا العمل الشاق؟ فقال لي: "طبعا يستمتع لأنه حمار، ويعرف أن هذه هي وظيفته في الحياة". 
حزنت كثيرا لهذا الحمار المظلوم، لأنه رغم عمله الشاق، فأنه لا يجد أي عرفان بالجميل، حتى الناس عندما يريدون شتيمة أحد يقولون له: "يا حمار إفهم بقى". ويقولون: "التكرار يعلم الحمار". وعندما ينتقدون شخصا لكثرة عمله يقولون: "أصله حمار شغل".
رجعت إلى حمار المزرعة ونزعت الكمامة من على فمه وأنفه وربت على ظهره قائلا: "باحبك يا حمار، ولا يهمك سوف أعمل مشروعا إستثماريا لتصنيع حدوة الحمار، ولا يهمني لو وصفني الأهل والأصدقاء بأني لا أعرف كيف أستثمر أموالي لأني حمار"!!
وودعت الحمار الذي نهق نهيقا عاليا دليل الإمتنان والشكر الحميري!!