الروائيات العربيات المعاصرات في كتاب بلغة غير العربية

كتاب أنستازيا فالاسوبولس يناقش هيكل النشاط الإبداعي النسوي والتأثير الاجتماعي والثقافي له.


محاولة فهم الأجواء التي انتشر فيها الأدب النسائي والرسالة التي يسعى لنقلها


من وجهة نظر الأديبات فإن كتابة الرجال عن النساء لا ترقى إلى مستوى معاناة النساء في التعبير عن قضاياهن

"الروائيات العربيات المعاصرات" كتاب وضعته أنستازيا فالاسوبولس الأستاذة بجامعة مانشستر البريطانية، نقله إلى العربية سمير محفوظ بشير، وصدرت مؤخرًا ترجمته في كتاب عن المركز القومي للترجمة في مصر. 
والاهتمام بالروائيات العربيات المعاصرات في كتاب بلغة غير العربية إنما هو دليل على أن الروائيات العربيات صار لهن مجال كبير ولافت للاهتمام بين دارسي الأدب الغربيين. وإذا كانت قضية المرأة في المجتمع الشرقي من الموضوعات التي تناولها كبار الأدباء في الأدب العربي بدءًا من عباس محمود العقاد في "سارة"، ومحمود تيمور في "سلوى في مهب الريح"، وطه حسين في "دعاء الكروان"، ومن بعدهم أحسان عبدالقدوس في أعمال كثيرة منها: "لا أنام"، و"الطريق المسدود"، و"الوسادة الخالية"، و"في بيتنا رجل"، و"النظارة السوداء"، وغيرها من الروايات قبل أن يظهر جيل جديد من الكاتبات الرائدات يهتممن بقضايا المرأة من أبرز من مثلوه: لطيفة الزيات في مصر، وكوليت سهيل، وليلى بعلبكي، وغادة السمان في سوريا ولبنان.
 كان هذا في جيل الستينيات، ولكن المفاجأة هي ظهور جيل جديد خارج السياق الإبداعي العربي التقليدي "مصر والشام والعراق"، فظهرت كاتبات في أقصى المغرب العربي؛ في تونس، والجزائر، والمغرب، وظهرت كاتبات في دول الخليج في الفترة ذاتها تقريبًا، بدءًا من مرحلة التسعينيات من القرن الفائت إلى اليوم.
والجميل في الأمر هو أن هؤلاء الكاتبات تنوعن في موضوعات كتاباتهن، وأكثرن من الإنتاج الروائي مما أصَّل للفن الروائي في هذه البقاع، وجعله أحد أهم فنون الأدب العربي المعاصر في هذه البلاد.
فهل هناك فرق بين الكتابات الرائدة للكتاب الرجال، والكتابات الرائدات النسائية؟

الكاتبة اهتمت بمتابعة العلاقة بين النشاط الأنثوي العربي والإنتاج الثقافي، فناقشت هيكل النشاط الإبداعي النسوي والتأثير الاجتماعي والثقافي لهذا المنتج

من وجهة نظر الأديبات فإن كتابة الرجال عن النساء لا ترقى إلى مستوى معاناة النساء في التعبير عن قضاياهن، ولا يمكن للرجال أن يتقمصوا أحاسيس النساء ليكتبوا عنهن كتابة صادقة، ولهذا فضلت الكاتبات حمل مسئوليتهن نحو ذواتهن والدفاع عن قضاياهن بالطريقة التي يرين أنها مناسبة لمجتمعاتهن.
ومع أن الكتابة بهذه الطريقة تعد في كثير من المجتمعات تحديًا للأعراف الموروثة، فإن الكتابة بهذه الطريقة تدل على المدى الذي قطعته هذه المجتمعات في التطور بحيث أصبح للنساء أو للجيل الجديد من النساء الحق في أن يرفعن راية الحديث عن قضاياهن الإنسانية والنفسية والاجتماعية.
ومما لا شك فيه أن التحولات التي حدثت في العالم العربي، وهي في الأساس تحولات اقتصادية، أنتجت ظواهر ثقافية مهمة كان من نتائج بعضها أن انتزعت النساء حقوقًا في التعبير لم تكن متاحة لهن من قبل.
هذا مع ملاحظة أن هؤلاء النساء مازلن خاضعات، من الناحية الشكلية، للتقاليد الاجتماعية الموروثة في مظاهر لباسهن التقليدي، ولكن من الواضح أيضًا أن عقول النساء سبقت حركة التغيير الاجتماعي، فبدأنا نسمع عن كاتبات في مناطق لم يكن يُعرف من قبل أنها تكتب هذا الفن الجديد، وهو فن الرواية.
ومع أن الكتاب الذي أتعرض له اليوم لم يشر إلى كل الكاتبات العربيات كما يدل عليه عنوان:  "الروائيات العربيات المعاصرات"، فهو في الحقيقة يقوم على عملية انتقاء لبعض الكاتبات اللائي يخدمن الموضوع الذي يُتعرض له مع الإشارة إلى البعض الآخر من الكاتبات، ولكنه لم يخدم الكل، ولو بالإشارة إلى أسمائهن، كما أشار إلى الدور الذي قامت به دار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة التي أمدت المؤلفة بأعمال الروائيات: أحلام مستغانمي، وبتول الخضيري، وراندا غازي، وسمية رمضان، وليلى أبو زيد، وبثينة الناصري، وهالة البدري.
 كما أشار الكتاب بأسف إلى أنه لم يستطع أن يتعرض لأعمال بعض النساء اللائي حصلن على اهتمام واسع مثل: سحر خليفة، ولطيفة الزيات، وفايزة جوين، وليلى أبوليلة، وليلى الأطرش، وغيرهن. 

Arabic writer
ظواهر ثقافية مهمة

 ولكن مؤلفة الكتاب اهتمت من جهتها بأعمال الكاتبات: آسيا جبار، ومي غصوب، ونوال السعداوي، وحنان الشيخ، وأهداف سويف في إطار التقسيم الذي بني عليه الكتاب.
ويشير الكتاب إلى بعض المرجعيات المؤثرة في أدب هؤلاء الكاتبات، فضلًا عن محاولة فهم الأجواء التي انتشر فيها هذا الأدب، والرسالة التي يود أن ينقلها.
 ومنها: كتاب ندساي مور "العرب.. المسلمون.. المرأة: صوت ورؤية في أدب ما بعد الكولونيالية"، وكذلك مبحث سوزان جوش "تحرير شهرزاد: النسوية، ما بعد الكولونيالية والإسلام"، ودراسة براندا مهتا "مسالك الذاكرة في كتابات الأديبات العربيات المعاصرات".
وعلى أية حال، فقد قسمت المؤلفة كتابها إلى ستة فصول، ركزت في الفصل الأول على المجادلات التي أثيرت عند الاحتكاك الأول بكتابات النساء العربيات، وما تبع ذلك من نقد وتقييم.
 كما اهتمت بمتابعة العلاقة بين النشاط الأنثوي العربي والإنتاج الثقافي، فناقشت هيكل النشاط الإبداعي النسوي والتأثير الاجتماعي والثقافي لهذا المنتج.
 وفي الفصل الثاني تناقش إمكانات انتقال الثقافات واختلاطها كما تتمثل في كتابات نوال السعداوي المبكرة. 
وترى المؤلفة أن السعداوي تسعى لتأصيل الكرامة الإنسانية التي يجب أن تسود على مستوى العالم أجمع، ولا سيما بالنسبة للنساء.
وفي الفصل الثالث تركز على الأعمال الأدبية النسوية التي تواكبت مع نشوب الحروب اللبنانية بشكل عام كما تعكسها بعض أعمال حنان الشيخ، ومي غصوب، على وجه الخصوص.
 وترى أن المداخلات التي قدمتها حنان الشيخ وغصوب تشجع على التطرق إلى موضوعات نقدية حديثة ومتطورة بالنسبة إلى المرأة وللمجتمع.
وفي الفصل الرابع ناقشت المؤلفة السلسلة التي نشرها جارنت تحت عنوان "الكاتبات العربيات"، بغرض نشر ترجمة لأعمال الأديبات العربيات اللاتي تهتم بالقضايا النسوية، وبإظهار بعض ملامح الحياة المنزلية والزواج واستبطان الصراع الدائر داخل نطاق العائلة والوطن.
 وكان من أبرز ما توقفت أمامه المؤلفة الاهتمام بالكتب المترجمة إلى اللغة الإنجليزية ليسهل على القارئ الغربي أن يفيد منها.
وقد أقردت المؤلفة الفصل الخامس للكاتبتين: أحلام مستغانمي، وأهداف سويف، وتحديدًا للحديث عن رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، ورواية "في عين الشمس" لأهداف سويف. لأنها ترى أن هاتين الروايتين ترسمان شكلًا يمتزج فيه الشأن السياسي بالاجتماعي.
وفي الفصل الأخير تتناول رواية "نساء الجزائر في جناحهن" للكاتبة الجزائرية آسيا جبار، ورواية "شهرزاد" للكاتبة ليلى صبار.
وتهتم الدراسة في هذا الجانب بالحديث عن معاناة المعايشة الشرقية في مجتمع مغلق.

قضايا الكاتبات العربيات
انتقال الثقافات واختلاطها

كما اهتم الكتاب بالإشارة إلى ثلاث دراسات انصبت على القصة القصيرة وبالذات القصص القصيرة للأديبات الفلسطينيات، ككتاب زينة أبي راشد "الروايات التصويرية"، وكتاب ليلى صبار "نسوة إفريقيا الشمالية: كارت بوستال" وذلك ضمن دراسة الفن المرئي والنص لكاتبات مثل: ديانا أبو جابر، وسامية سراج الدين، وليلى حلبي، وكذلك اهتمت ببعض قصائد سهير حماد، وألمظ أبي نادر، وإن كانت هذه الأعمال، تبدو منهجيًا، خارج سياق الدراسة التي نهض عليها الكتاب.
وتتساءل المؤلفة كيف يمكن لنا أن نحدد موقع الشخصية العربية المغايرة عن الآخرين؟ وكيف نرصد الحدود بين الشرق والغرب، وكذلك الحدود التي تفصل بين الدول المختلفة في الشرق لتصبح هكذا جامدة عصية على الولوج عبرها؟
 لكن الحال لم يكن هكذا على الدوام، ففي الماضي في سنوات ما قبل عام 1970 كان العالم العربي يشعر بقربه من الغرب مدركًا أن هناك هوية مشتركة تجمع ما بين دولة عربية وأخرى. 
كانت مدن مثل القاهرة وبيروت ودمشق تبدو وكأنها مدن غربية، وكانت المحافل الثقافية في هذه العواصم على وعي حقيقي بنشاطات كتاب الغرب، كما لو كانوا كتابًا عربًا، لكن في فترة ما توقفت هذه الحوارات، لذا فإن المبحث الذي يناقشه الكتاب حاول أن يؤسس ويبحث في حوار طال تأجيله، وبروح الحوار يكون هذا الكتاب.