الضروريات تبيح الكماليات

دورة المياه لم تكن من الضروريات، ولم تكن حتى من الكماليات قديما حتى بالنسبة للاباطرة والملوك والفراعنة.


دورة المياه والحمام من الأشياء التي لا نستطيع الإستغناء عنها


دورات المياه الآن ضرورة أساسية لكل إنسان حول العالم

منذ عدة سنوات سألت أفراد أسرتي هذا السؤال: ما هو الشيء الذي لا يمكن الاستغناء عنه في بيتنا هذا؟ زوجتي أجابت: الفرن لأن بدونه لن أستطيع الطبيخ، وبدون طبيخي سوف تصيعون وتضيعون!! ابنتى الكبرى أجابت: الكهرباء، لن نستطيع العيش بدون كهرباء، بدون كهرباء لن يشتغل أي جهاز في المنزل بما فيه الفرن. ابنتي الصغرى أجابت: الإنترنت، بدون الإنترنت سوف ننقطع عن العالم، أما أنا فكانت إجابتي صادمة لهن: دورة المياه والحمام هو الشيء الذي لا نستطيع الإستغناء عنه، الطبيخ: نستطيع شراء أكل جاهز أو الأكل في المطاعم، الكهرباء: نستطيع العيش على الشموع، الإنترنت: من السهولة جدا الإستغناء عن الإنترنت، أما المياه الجارية في الأنابيب والصرف الصحي فهذا الإختراع العجيب، نقل الإنسان نقلة نوعية هائلة، هل تتخيلون أن قصر فرساي بجلالة قدره كان لا يوجد به حمامات، وكل الفراعنة والملوك والأباطرة والملكات والنبلاء والذين نقرأ عنهم وعنهن بكل إجلال وإنبهار لم تكن لديهم حمامات في قصورهم! وكانوا يعملونها في الخلاء وإذا تخيلت هذا المنظر مثلا: رمسيس الثاني يصحو في منتصف الليل بعد أن تقدم به العمر لكي يقضي حاجته، ويكون مجبرا أن يخرج خارج قصره ويقف أو يجلس (حسب الحاجة) وراء شجرة أو وراء نخلة ويعملها ثم ينظف نفسه بـ... (لست أدري)!
هل لك أن تتخيل امبراطورة روسيا في عز شتاء موسكو القارس تخرج (خارج قصرها الضخم بردهاته والتي لا نهاية لها) مسرعة قبل أن تعملها على نفسها وفي درجة 40 تحت الصفر، وتبدأ في رفع طبقات وطبقات من الملابس التي ترتديها إلى أن تصل إلى آخر طبقة، وكل هذا يأخذ وقتا طويلا فمن الممكن أن تتجمد الأمور وهي في طريقها للخارج!

إذا لم نفرمل الزيادة السكانية الرهيبة في هذا الكوكب، فلا يوجد حل إلا مزيد من الإستهلاك ومزيد من الكماليات، وعن إذنكم سوف أذهب لشراء آيس كريم!!

دورة المياه لم تكن من الضروريات، ولم تكن حتى من الكماليات قديما حتى بالنسبة للاباطرة والملوك والفراعنة، فما بالك بعامة الناس، الآن دورات المياه ضرورة أساسية لكل إنسان حول العالم.
وعند نشأتي طفلا في حي شعبي من أحياء القاهرة القديمة، كانت الضروريات بالنسبة لنا  واضحة: الأكل والشرب وسقف فوق رؤوسنا وبنطلون وقميصين (واحد لابسه والآخر في الغسيل) وحذاء واحد، وكان والحمد لله هناك سقفا فوق رؤوسنا، إلا أنه كان هناك أيضا سقف لطموحاتنا وأحلامنا في الكماليات، أنا بالنسبة لي الكماليات كانت عبارة عن: كوب من عصير القصب من عند عم سعد عفيفي أمام بيتنا، وحذاء كاوتش ألعب به في الحارة، وكان في الغالب نشتريه مستعمل من محلات بيع الملابس المستعملة والتي يتخلص منها الجيش ببيعها للتجار في شارع الجلاء بوسط القاهرة.
أما أهم "كمالية" بالنسبة لي فكانت الذهاب الى سينمات درجة ثالثة، وكنت أعتقد أنه يطلق عليها درجة ثالثة لأنها كانت تعرض "ثلاثة" أفلام في العرض الواحد، وفيما بعد عرفت أنها درجة ثالثة لأنها كانت تعرض الأفلام القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب و ..!! ولكنها كانت بالنسبة لي أهم متعة وأهم كمالية، ولم يهمني أكانت درجة ثالثة أو درجة عاشرة.
وكنا نستمتع أيضا ببعض الكماليات المجانية، مثل لعب الكرة في الحارة، لم تكلفنا سوى كرة شراب نصنعها بأيدينا ونسرق موادها الخام من بيت الأهل، وأيضا من المتع الكمالية المجانية كانت التمشية ساعة العصاري على كورنيش النيل والإستمتاع بمنظر غروب الشمس، قبل أن تختفي الشمس الآن وراء العمارات العالية.
ولم يكن لدينا سيارة، فكانت وسيلة الإنتقال هي الأرجل لذا أطلقنا عليها "موتورجل"، وإذا كنا في عجلة من أمرنا "فالشعبطة" في الأنوبيس أو الترام هي الحل (لم أجد مرادف بالعربية الفصحى لكلمة "الشعبطة"، فعذرا الأخ سيبويه) وكنا محترفين في التزويغ من "الكمساري" وعدم سداد ثمن تذكرة الأتوبيس والتي لم تكن معنا أساسا!
وأنا أرى بأن جزءا مهما جدا من التاريخ الإنساني هو تحويل الكماليات إلى ضروريات، وبهذا تميز الإنسان عن باقي الحيوانات في المملكة الحيوانية.
أساسيات أي حيوان بما فيه الإنسان هي: أولا: الحفاظ على الحياة (أكل وشرب وعش). ثانيا: الحفاظ على النوع عن طريق التكاثر (لذا كانت غريزة الجنس قوية). ما عدا هذا هو كماليات.

الطائر والحيوان؛ يحصل على غذائه وشرابه بنفسه، ويبني عشه أو حجره بنفسه، ويتكاثر بدون زواج وبدون أي مشاكل، وكذلك فعل الإنسان الأول، ولكن بعد بداية الثورة الزراعية من حوالي 12 ألف سنة تغيرت الأمور الأساسية تماما بالنسبة للإنسان (وإن ظلت كما هي بالنسبة للحيوانات والطيور).
فبعد أن بدأ عصر الزراعة ظهرت أمور كثيرة، وظهرت مهن جديدة لم تكن موجودة، فإلي جانب صياد السمك وصياد الحيوانات ظهرت مهن مثل: المزارع الذي يزرع الأرض ويخزن المحصول من السنة للسنة، وظهر الصانع الذي يصنع أدوات الزراعة، ثم ظهر التاجر وتعددت المهن بشكل سريع، حتى وصلنا للقرن العشرين وأصبح التخصص المهني شديد الدقة والتعقيد، وأصبحت المهن الخدمية أكثر بكثير من المهن الإنتاجية، فعلى سبيل في أميركا المهن الخدمية تشكل ما بين 75% إلى 80% من الأيدي العاملة، وصاحب هذا إقبال محموم غير مسبوق في تاريخ الكرة الأرضية على تصنيع وشراء الكماليات، وأصبح التمايز بين البشر هو غالبا في كمية وندرة الكماليات التي تمتلكها أكثر من غيرك، فمثلا خاتم ألماس بخمسة مليون دولار لا قيمة له بالنسبة لأي طائر أو حيوان أو الإنسان الأول، أما بالنسبة للممثلة إليزابيث تايلور فهو شديد الأهمية ويرقى لمستوى الضروريات ويتصدر أخباره صفحات الجرائد الفنية. 
ومع هذا التطور السريع ودخولنا عصر الثورة الصناعية والآن في عصر الثورة الرقمية، أصبحنا نلهث وراء الكماليات بشكل مرضي، فعند نشأتي طفلا لم أكن أتخيل أن يكون لدينا سيارة، اليوم لدي أكثر من سيارة ولا أستطيع التخلي عنها. حتى 15 سنة ماضية لم نكن نتخيل وجود التليفون الموبايل الذكي والذي ربطنا بالعالم، بل كان كمالية ترفيهية منذ سنوات قليلة، الآن أصبح إدمانا لدى أكثر من نصف شعوب العالم فقراء وأغنياء.
الجري وراء الكماليات بنهم قد يسبب إحباطات كثيرة، والغيرة من جارك لأن لديه ما ليس لديك قد يدفعك إلى أن تنسى ما لديك فعلا والذي قد يحسدك عليه جارك أيضا؟؟
وأعترف بأني أحيانا أقرر شراء أشياء كمالية جدا ولا أحتاجها بالفعل فقط بهدف تنشيط الاقتصاد وإبقاء فرص عمل للآخرين، لأننا لو إشترينا فقط ما نحتاجه لأصبح أكثر نصف سكان العالم عاطلين عن العمل. 
يجب أن نعترف ونقبل أننا قد خلقنا مجتمعات إستهلاكية تنتج وتستهلك الكماليات وبعض الضروريات، وإذا لم نفرمل الزيادة السكانية الرهيبة في هذا الكوكب، فلا يوجد حل إلا مزيد من الإستهلاك ومزيد من الكماليات، وعن إذنكم سوف أذهب لشراء آيس كريم!!