العرب وتحديات الالفية الثالثة

التحدي الأخطر الذي يواجه العرب حاليا هو العودة إلى الجغرافيا السياسية للمنطقة، بعدما غابوا وغيبوا عن تاريخها.


التحدي الأول الذي يواجه العرب اليوم أسئلة متصلة بالنظم السياسية التي ينبغي ان تبنى في كياناتهم المهترأة


بعض العرب منقسمون اليوم حول سياسات دولية منتعشة هذه الأيام بين أقطاب دولية كبرى

لم يشهد العالم العربي ظروفا كالتي يمر فيها حاليا، ثمة تحديات ينبغي الاجابة عليها، قبل الانتقال إلى منعطفات جديدة في تاريخه السياسي المعاصر الحافل اصلا بالكثير من علامات الاستفهام التي لم يعثر عن تفسير منطقي لها. فمنذ قرن ولا زال العرب شعبا وقيادات ونخبا وأنظمة، تتحرك وتعمل في دائرة الرهانات على المتغيرات التي تجري حولها، رغم التيقن ان تلك الوسائل لم تكن يوما ناجحة أو يمكن البناء عليها للمستقبل.

راهن العرب ابان الحرب العالمية الاولى على الحلفاء لنيل الاستقلال عن الامبراطورية العثمانية، فكانت النتيجة تقسيم ارضهم إلى جغرافية سياسية لا مثيل لها في تاريخ نشوء الكيانات والدول. تابعوا المسيرة عينها فخسروا فلسطين، وانقسموا فيما بينهم حول سياسات وأحلاف دولية، فخسروا اهم قضاياهم، ووصل بهم الأمر ان تنازعوا وتحاربوا على مسائل ثانوية وفرعية في حياة الشعوب والأمم. واليوم يغرق العرب مجتمعات وأحزاب ونخب بأحلام وردية أسموها ربيعا، وهم في هذا لا زالوا يراهنون على المتغيرات نفسها التي ركنوا إليها سابقا. فما العمل؟

التحدي الأول الذي يواجه العرب اليوم اسئلة متصلة بالنظم السياسية التي ينبغي ان تبنى في كياناتهم المهترأة اصلا، كيف يمكن الوصول إليها؟ هل عبر السبل الديموقراطية المتعارف عليها؟ ام ثمة عوائق تجبر القائمين فيها على اللجوء إلى عسكرة الثورات؟ وبالتالي المزيد من القمع والكبت والدم التي أظهرت الوقائع السالفة عدم جدواها حتى الآن. وماذا عن طبيعة الأنظمة وعقائدها وإيديولوجياتها المستساغة شعبيا، هل الحل بإعطاء فرص أخرى لمن وصل إلى السلطة والحكم لإثبات جدارته بقيادة مجتمعاته؟ ام ينبغي الاصغاء إلى الرأي الآخر الذي بات يتحدث بصوت عال عن تهميشه وعدم الاكتراث إليه في الوقت الذي يجاهر بأن من وصل إلى سدة الحكم بات مثل سلفه، بل يمارس السلطة عبر آليات أكثر استبدادا وشمولية وعنفا، ويستند في رأيه إلى نموذج كل من ليبيا وتونس ومصر والعراق وغيرها، التي استعمل فيها درة تاج الديموقراطية "الاستفتاء" لممارسة الكبت الفكري والعقائدي. اسئلة كثيرة تطول بطول خصائص مجتمعاتنا العربية وتقاليدها في ممارسة السلطة.

التحدي الأخطر الذي يواجه العرب حاليا هو العودة إلى الجغرافيا السياسية للمنطقة، بعدما غابوا وغيبوا عن تاريخها. لقد انتهى النظام الاقليمي العربي الذي عانى الكثير من عوامل التصدع والضعف والوهن، وهو الآن في حالة غيبوبة سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية تامة، في ظل سطوع نجم قوى اقليمية صاعدة، صعود يبدو متسارعا يصعب التنبؤ بمداه وتداعياته وأثاره في ظل الضمور المريع للامكانات العربية. كيف بمكن الخروج من هذا النفق في الوقت الذي لا يزال الكثير من العرب منقسمون حول الرؤية الاستراتيجية لتحالفاتهم الاقليمية.

التحدي الآخر الذي يبدو اكثر الحاحا هو الولوج في اعادة هيكلة الاقتصاد وعمليات التنمية في مختلف مجالاتها وبخاصة المجتمعية منها. فالعرب في العقد الثالث من الالفية الثالثة لا زالوا يتصدرون قوائم الامية والبطالة والفقر، وتدني النمو والدخل، في المقابل هم الأكثر مديونية والأكثر عجزا في ميزانيات التبادل البيني والخارجي، باختصار باتوا امة تبتعد عن التي اخرجت للناس. لكن في مقابل ذلك، يبدوا انهم الأمة الأكثر انقساما وتسارعا في انقسام الدول وتزايد اعدادها.

بعض العرب منقسمون اليوم حول سياسات دولية منتعشة هذه الأيام بين اقطاب دولية كبرى، ينتظرون تبدل الادارات والسياسات لحسم مواقفهم تجاه الكثير من الملفات البينية والداخلية، في الوقت الذي يعرفون جيدا انهم لم ولن يكونوا إلا وقودا لتلك السياسات ونتائج لها، ومن الصعب ان يكونوا فاعلين أو مؤثرين فيها. وهنا التحدي الأبرز الذي يواجه العرب نظما ونخبا ومجتمعات، وهو تحدٍ دائم الظهور، وحاضر في مختلف الاستحقاقات كبرت ام صغرت في مسار معالجاتهم لقضاياهم.

تلك هي حال الأمة في عقد يبدو الأصعب في تاريخها، فهل سيكون العرب في العقد الثالث بمستوى التحديات التي يواجهونها؟ ام سيكونون مجرد أرقام صعبة فيما بينهم، وسهلة على غيرهم في تفكيك الالغاز والطلاسم التي احاطوا انفسهم فيها.