'العمل عن بعد' من إجراء وقائي ضد الوباء إلى تحول مستدام

الاندفاع نحو الرقمنة الذي بات شيئا عاديا ومفروغا منه في القطاع التكنولوجي، يتعدى بطريقة العمل إلى مختلف القطاعات الأخرى.


الزمن القادم سيكون لهيمنة العمالة المستقلة على أسواق العمل في العالم


الوظائف عن بعد تتيح مرونة أكثر في تنظيم جداول العمل


العمل عن بعد يدعم مبادرات تقليل انبعاثات الكربون والتأثير على تغير المناخ


العمل عن بعد يسمح للشركات بتبني التنوع من خلال توظيف أشخاص من خلفيات مختلفة

سرعت جائحة كورونا من التحول الرقمي بطريقة لا مثيل لها، وشهد العالم تحولا شاملا نحو الرقمنة على كافة الصعد، وانتشر مفهوم "العمل عن بعد" ليس فقط بين الشركات العاملة في قطاع التكنولوجيا بل تعداه إلى مختلف القطاعات الاقتصادية سواء كانت صناعية أو زراعية أو سياحية وصولا إلى التعليم والثقافة والسياسة والأدب.
ولا يوجد قطاع اقتصادي أو اجتماعي لم يتأثر بالرقمنة، ولكن الكثير من الأسئلة أثيرت وقتها حول استمرارية هذا التوجه للعمل بعد انتهاء الجائحة، حيث قال الكثيرون إن كل هذا سينتهي ويتلاشى وتعود الحياة إلى طبيعتها السابقة قبل الجائحة. 
لكن يبدو أن هذا غير صحيح تماما، فالتحول نحو الرقمنة باق ومستمر ومتواصل، فقد تعلم البشر أن يعيشوا ويعملوا عبر الانترنت، ولا عودة للوراء، واذا كان العمل عن بعد صار شيئا عاديا ومفروغا منه في القطاعات التكنولوجية، فإن هذه الطريقة في العمل لم تعتد تقتصر عليه بل تعدته إلى مختلف القطاعات الأخرى.
قطاعات غير تقنية تكتشف فوائد العمل عن بعد
ذكر تقرير صدر مؤخرا عن موقع شركة "أبوورك" وهي أكبر مشغل عالمي للعمال المستقلين (الفريلانسرز) أن هناك أكثر من 25 مليون فرصة عمل جديدة في أميركا فقط يمكن القيام بها عن بعد خلال السنوات المقبلة في الصناعات غير التكنولوجية، وهو ما سيكون له تأثيرات مستقبلية كبيرة على الاقتصاد وطرق العمل في العالم كله.
وذكر التقرير الذي جاء تحت عنوان: "ليس فقط للتقنية: العمل الحر عن بعد عبر الصناعات" أن الشركات العاملة في قطاعات غير تقنية مثل الزراعة والتعدين والبناء أخذت تدرك لأول مرة أن هناك العديد من الوظائف الخدماتية المساندة التي لا تحتاج إلى وجود الموظفين في مكان العمل للقيام بها.
وتوصلت "أبوورك" إلى هذا الاستنتاج باستخدام أرقام مكتب إحصاءات العمل الأميركي لتحليل عدد وظائف الخدمات المهنية في الصناعات غير التقنية.

التنقل إلى العمل يوميا يرتبط بمشكلات صحية مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول وارتفاع نسبة السكر في الدم وزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب

وأوضح التقرير أنه ليس كل من يعمل في صناعة منتج معين يكون له تدخل مباشر في صناعته، فهناك الباحثون الذين يدرسون احتياجات السوق، وهناك الفنيون المصممون لعبوات التغليف، والمتخصصون بالتسويق، ومطورو الويب الذين يقومون بإنشاء موقع إلكتروني للمنتج، وموظفو خدمة العملاء الذين يجيبون عن أسئلة الزبائن ويتابعون طلباتهم، وكل هؤلاء لا حاجة فعلية لهم للوجود في المصنع أو مكان العمل، بل يمكن أن يؤدوا وظائفهم عن بعد من المنزل.
العصر الرقمي.. زمن العمال المستقلين
أوضح التقرير أن "الخدمات المهنية المساندة" تعتبر جزءا مهما من أي شركة أو قطاع، وهي تشارك بشكل أساسي في كل جزء من دورة العمل،  فهناك أقسام شؤون الموظفين، والباحثين والمطورين والمصممين والمسوقين وغيرهم ممن تحتاجهم جميع الشركات والمؤسسات في كل القطاعات، ومع ذلك لا حاجة فعلية لهم للتواجد في مكان العمل، بل يمكنهم العمل من منازلهم من غير أن يتأثر سير العمل.
ويشير التقرير في هذا السياق إلى قطاع البناء وهو أحد أكثر القطاعات تطلبا لوجود الموظفين والعمال في مكان العمل، ومع ذلك فإن هناك 10.5% من الموظفين الذي يعملون في الخدمات المساندة، ويستطيعون القيام بأعمالهم عن بعد، أي حوالي 1.2 مليون وظيفة في أميركا فقط.
وبشكل عام فإن 37% من الوظائف في القطاعات غير التقنية تقع في مجال تقديم الخدمات، ويمكن إنجازها عن بعد أو من خلال التعاقد مع عامل مهني مستقل، وهو ما سيوفر الكثير من الأموال على الشركات، ويؤدي أيضا لازدهار العمال والمهنيين المستقلين عبر العالم، ويبدو أن الزمن القادم سيكون زمن هيمنة هؤلاء المستقلين على أسواق العمل في العالم.

العمل عن بعد
العمل عن بعد يوفر مساحة شخصية مريحة للموظف

وقد لاحظت "أبوورك" وفقا لموقع "تيك نيوزولد" أنه ومن بين أكبر 100 شركة غير تقنية تتعامل مع منصتها، فقد زاد الإنفاق على المهنيين المستقلين العاملين لحسابهم الخاص المسجلين لديها بنسبة 40% في عام 2019 (قبل الجائحة) وقد زادت هذه النسبة إلى 80% عام 2020 أثناء الوباء، ولا يبدو أن هذه النسبة مرشحة للانخفاض في المستقبل.
وتشير هذه البيانات إلى نمو متنوع ومستمر في استخدام العمل الحر عن بعد بين الشركات غير التقنية وفي مختلف القطاعات، وبالذات في وظائف الخدمات المهنية المساندة داخل هذه الشركات التي أخذت تعتمد بشكل متزايد على الموظفين المستقلين بغض النظر عن استمرار الجائحة من عدمه.
صحة أفضل وتوفير للنفقات 
بعد عام ونصف العام تقريبا على اندفاع الشركات نحو العمل عن بعد، أصبح واضحا للمدراء والمسوؤلين وأرباب العمل أن الموظفين يمكن أن يكونوا منتجين ومركّزين أكثر عندما لا يكونوا في المكتب، لكن الوباء ليس السبب الوحيد للعمل عن بعد، فقد أثبتت التجارب أن لهذا الشكل من الوظائف العديد من الفوائد.
تقدم الوظائف عن بعد مرونة أكثر في تنظيم جداول العمل، مما يعني أنه يمكن للعاملين بدء يومهم وإنهائه حسب رغبتهم، طالما أنهم يؤدون ما عليهم بالشكل المطلوب، ويمكن أن يكون هذا التحكم في برنامج العمل لا يقدر بثمن عندما يتعلق الأمر بتلبية الاحتياجات الشخصية للموظف المتعلقة بالتزاماته الحياتية مع أسرته أو مع ذاته.

%37 من الوظائف في القطاعات غير التقنية تقع في مجال تقديم الخدمات، ويمكن إنجازها عن بعد أو من خلال التعاقد مع عامل مهني مستقل

ويوفر العمل عن بعد الوقت في الوصول إلى المكتب والعودة أيضا إلى البيت، وهذا أحد الجوانب السلبية للتنقل يوميا، ما يثير مستويات متزايدة من التوتر والقلق لدى الموظف.
وتكشف الدراسات أن التنقل لمسافة 10 أميال إلى العمل يوميا يرتبط بمشكلات صحية مثل: ارتفاع نسبة الكوليسترول وارتفاع نسبة السكر في الدم وزيادة خطر الإصابة بالاكتئاب.
ويتيح توفير الوقت للموظف التركيز على الأولويات خارج العمل، مثل الحصول على نوم إضافي في الصباح، أو قضاء المزيد من الوقت مع العائلة، ويمكن أن يؤدي العمل من المنزل أيضا إلى صحة أفضل من خلال حصول الموظف على مزيد من الوقت لممارسة النشاط البدني وتناول الأكل الصحي، والتعافي من المرض أو الجراحة في المنزل، وقلة التعرض للأمراض والفيروسات الموسمية، وخيار إنشاء مساحة عمل مريحة.
ولا ترتبط الفوائد بتوفير الوقت فقط، فيمكن للعاملين من المنزل توفير المال أيضا عندما يتعلق الأمر بالوقود وصيانة السيارات والنقل ورسوم وقوف السيارات وأثمان ملابس رسمية، ووجبات طعام وغير ذلك من النفقات التي خفضها العمل عن بعد أو ربما مسحها من قائمة المصاريف تماما.
وهذه فائدة يجنيها أيضا أصحاب العمل، فمع نفقات أقل أو معدومة تماما للورق مثلا أو الأجهزة والتكييف والتدفئة والإضاءة واستخدام مرافق المكاتب، يكون للتوظيف الرقمي تأثير إيجابي على جيب أرباب الشركات.
يدعم العمل عن بعد مبادرات التقليل من تلوث الجو، فهو واحد من أسرع الطرق وأرخصها بالنسبة لأصحاب العمل والموظفين لتقليل انبعاثات الكربون والتأثير على تغير المناخ عن طريق الحد من تنقل الموظفين، وقد شهد العالم فعليا انخفاضا ملحوظا في التلوث والازدحام وحركة المرور أثناء احتواء الوباء وفرض قيود على التنقل.
ويسمح العمل عن بعد للشركات بتبني التنوع من خلال توظيف أشخاص من خلفيات اجتماعية واقتصادية وجغرافية وثقافية مختلفة، وهو من الصعب تحقيقه عندما يقتصر التوظيف على منطقة محلية معينة.