"القيروان".. أمّ المدائن العربية بتونس

طه حسين يحب صوت علي البراق ويستمع إلى تراتيله ويقول: القرآن يرتَّل في تونس على نحو ما أُنزل.


يوم الجمعة يصمت إيقاع المطارق فوق القصاع والأباريق والقصدير.


مع دويّ صرخة الخِتانة، تتكسّر في صحن المقام جَرَّة مُلِئت باللّوز والزّبيب والحلوى

كانت هذه الزيارة الأحدث التي قمت بها، قبل أيام، للقيروان، ذات مذاق مختلف؛ فقد قصدتها متسلحًا برصيد من المعرفة أتاحتها لي عدة زيارات سابقة للمدينة بصحبة مبدعين قيروانيين مرموقين، وتكللت بدعوة شاعرتها البارزة جميلة الماجري، مديرة بيت الشعر، باعتبارها مديرة الدورة الثالثة والعشرين لمهرجان "ربيع الفنون الدولي" لأحل ضيفًا على دورته الأحدث بعد أن أسهمت مع صديقي الناقد والروائي والأستاذ الجامعي التونسي الدكتور محمد آيت ميهوب في إهداء المكتبة العربية عددًا خاصًا من فصلية "الجسرة الثقافية" عن تجليات الثقافة التونسية بعنوان: "تونس.. فسيفساء المدن والثقافات، قدمنا من خلاله أربع مدن، كانت القيروان إحداها، بينما المدن الثلاث الأخرى كانت: توزر، وتستور، وجِرّبة.
وقد رأينا أن نحيي في هذه المناسبة رؤية الشاعر القيرواني الراحل حسين قهواجي لمدينته، وقدمنا لمختاراته بهذه الأسطر التي قد يحتاج من يشد الرحال صوب المدينة أن يطالعها.
المدينة الموعودة
"القيروان" أمّ المدائن العربية في تونس، احتضنت لحظة التأسيس الأوّل لحضارة تسامقت إلى السماء علمًا وصناعةً وفنًّا ومعمارًا، وخرجت من البادية التونسية القاحلة لتطلّ على البحر وتصل بيارقها إلى صقليّة. وهي رابعة ثلاث مدن يَعتبر المسلمون كلّ واحدة منها قبلة لهم: مكة، والمدينة، والقدس، ثم القيروان. يحلّ بها الزائر فيذهله عمق الاتصال فيها بين الماضي والحاضر، والحسي والمجرد، والمادي والروحي. هنا المكان زمان، والزمان مكان. الحبر في القيروان يكتب الحرف، ولكنّ الحرف هو كذلك حبر لكل كتابة. العادات والتقاليد ونواميس إحياء الأفراح والأعياد وطقوس الموت ودفن الأحباب كلّها ما زالت تجري إلى اليوم كما جرت أوّل مرة منذ مئات السنين، يحييها الإنسان وفي ظنّه أنه يُحافظ على ذكرى الأجداد، ولكنه يعلم جيّدًا أنها هي التي تُحييه، وذكرى الأجداد هي التي تجعل أبواب القيروان مفتوحة أمامه. لا حاجة لنا بعلم الاجتماع أو علم النفس لنفهم صلة القيروانيّ الغريبة بماضيه، فالقيروان كل شيء. في القيروان كون من الرموز الحيّة، وما على القيروانيّ ليعيش في سعادة إلا أن يعيش داخل الرموز، والويل له إن حاول تفسير الرمز وتأويله.

أخشى أن لا تصدّقوني لو قلت إنّ الطّبلة تنتقم من صاحبها أثناء نومه، فكلّ الضّربات تتجمّع أصداؤها في سمعه، وتتحوّل إلى أصوات تَقرَع طبلةَ أذنه وهو نائم

والشاعر القيرواني حسين القهواجي هو خير من وُلد داخل هذه الرموز، وفيها نشأ وتربّى، وبها وعنها كتب وتغنى في شعره ونثره. لقد ظلّ طيلة حياته عاشقًا مجنونًا بحبيبته القيروان، لا يجري على لسانه اسم غيرها، ولا مكان في نصوصه لامرأة أخرى إلّاها. أُلاقيه في تونس العاصمة فأجده كالنادم على مفارقته إياها ليوم هو نصف يوم لا يزيد، وألاقيه في القيروان وأصاحبه في جولانه المسترسل المحموم بين أسوارها وساحاتها، فأشعر كأنما هو عنها يبحث. ويستقرّ في خلدي أنّ له معها موعدًا ما في زقاق من أزقتها.
منذ أقل من سنتين (أكتوبر/تشرين الأول 2017)، توفي شاعر القيروان حسين القهواجي، وكانت النيّة أن يتولى هو الكتابة عن القيروان في هذا الملف. لذلك لم نستسلم لغيابه، واجتهدنا ما أمكننا لندع قلمه يكتب هذا المقال بالعودة إلى كتبه النثرية: "باب الجلادين"، "سوق الوراقين"، "ليلة رأس العام العربي" الذي سماه "سيرة روائية"، فانتخبنا منها فقرات هي لوحات "تشكيلية" تصوّر مشاهد متفرقة من الحياة القيروانية، قد يحسبها القارئ لأوّل وهلة شتاتًا من الذكريات، ولكنه متى تقدم في أزقة النص تبيّن له أنّ خيطًا من الحبّ والألفة والشاعرية العالية يربط بين هذه اللوحات، ويمنحها عروتها الوثقى.
حفريّات في أسطورة التأسيس
بعد الفتح خرج عقبة بن نافع من مدينة قسطيليّة على حدود الصحراء في أقصى بلاد المغرب، يتقدّم عشرة آلاف فارس نحو أرض المدينة الموعودة، وحين وصل ركز رمحه قائلًا: هذه قيروانكم، قرّبوها من السّبخة.
 قالوا: إنّا نخاف أن تُهلكنا الذئاب، ويُهلكنا بردُها في الشتاء، وحرُّها في الصيّف.
 قال: لا بدّ لي من ذلك لأنّ أكثر دوابّكم الإبل، وهي التي تحمل عسكرنا. 
كانت البقعةُ غدرانَ ملح ولفيفَ أشجار تأويها الوحوش، فقالوا لعقبة:
 أمرتنا بالبناء في دغل لا يُرام، ونحن نخاف السّباع وغير ذلك من دوابّ الأرض.
مضى عقبة إلى السّبسب وفي الوادي نادى: أيّتها السّباع والحيّات، نحن أصحاب رسول الله، فارحلوا عنّا إنّا نازلون، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه. بهِت النّاس من أمر مُعجِب، السّباعُ خرجت من الأدغال تحمل أشبالها، والذّئب يتبعه جروه، والأفاعي تقود أبناءها! ولمّا خرج ما فيها من الهوامّ، أمرهم أن يُطهّروا بالنّار السّباسب.
خُطّت المدينة سنة خمسين، وشُيّدت سنة خمس وخمسين هجريّة.

سماء الربيع
عند ساحة باب الجلاّدين قطبِ المدينة، تتوافد عربات الفراولة مع سلال اللّوز الأخضر وصناديق البطّيخ الباكور، وهو شَمّام باردُ الصّفرة بحجم الثّدي النّاهد، وقبيل أذان المغرب الطّالع من شاهق الأبراج، يُحوّم الزّبائنُ وتمتزج نداءاتُ الباعة وسَقسقاتُ الخطاف السّعيد بعودته إلى سماء المدينة وساحاتها. وبالجانب الأيسر من البوّابة، غريبٌ على الرّصيف يبيع ألوانَ ورد جيء بمشاتله من أوروبا. حرفاؤُه من عشّاق تربيةِ العصافير، وإذا كنت محظوظًا ربّما تصادفك رائحةٌ لا تُنسى، بل تُذكي الذّاكرة. فعندما يفتح العمّالُ أفرانَ البنّ بعد قلي حبوب القهوة، تَنشر النّسائمُ أريجًا يُضمِّخ الهواء. نكهتُه لا تَستطعمها عند ارتشافكَ القهوة، تمامًا مثل تبغ الأمسترادام تَتشمَّمه ولا تتذوّقه أثناء تدخينكَ الغليون.
في أماسي الربيع يَشدّ انتباهكَ أحيانًا سربٌ من الكراكي شرّدته النّسائمُ، فأَتْلف المرفأَ والسّاح، تسمعُه زاعقًا فوق أرض الشِّيح والطَّرفاء عابرًا طريقَه في الجوّ وئيدًا مَهيبًا كالسّائر في نومه، وعندما تُضاء فوانيسُ الأسوار المطوّقة بالمدينة يَهفَت الشّارعُ وتبتدئ العودة.
ومع بشائرِ أمطارِ مايو/آيار الحافظةِ لمحصول البرقوق والمشمش وحَبِّ الحَصيد، تنزل النّسوةُ القرويّات من الجبال والوهاد إلى سوق الحِنّاء والزَّبيب والقِرفة متبجّحاتٍ بِأطواق الخَرَز، مزهوّاتٍ بِرنين خلاخيلِ الفضّة، وبالأحزمة الشّعشاعة وَسطَ ملاءاتهنّ الزّاهرة كريشِ الطّواويس وأعرافِ الدّيوك.
وإذا كنتَ عابرًا حومةَ الشّرفة (حيّ الأشراف) في طريقك إلى بُرج البَقر، تَذكَّرْ ذلك الحائطَ المديد، باطنُه لصحن جامع الأنصاري، وظاهرُه على الطّريق، ترى الحنّاء ملطّخة على مدى الحائط مع أَثَر الأصابع وراحة اليد المبقَّعة في خطّ مسترسل. مع ازرِقاقِ الفجر أو عند غُسوق المساء تجيء النّسوةُ بالحنّاء المُبلَّلة متستّراتٍ، يُمَرِّغن الحائط والأبواب ضارعات.
وفي موسم الأمطار أوصيكَ بتأمّلِ الحائط، سترى جمالَ فنِّ التّجريد في طقوسه القُدسيّة، فمع تساقط سبائك النَّوْء، تسيل الحنّاءُ على بياض الحائطِ المتقشِّر كِلْسُه، وتنساب الصبغة كما في الرّسوم والألواح، وليس مع المشاهدة فهم. وفي الزّقاق الذي يُفضي بك إلى "بَرُّوطة": جملٌ معصوب العينين، مشدود إلى ناعور ينتشل ماءَ البئر في قواديس من فَخّار. ترى سلالًا من الورد المرهف وحِزَم العَطرُشاء المخضرّة، وبساطًا عليه الزّهر المُغلَق الأفواف، كلّ هذا لموسم تقطير العطور مع النَّعنع البرّي والنِّسرين، وهي عُدَّة البيوت أيّامَ الهجير، وتُتّخَذ لحُمّى الصّبيان، وللصّداع، وللملاحف المفروشة. 
مياهُ العطور هذه تمامُ هدايا العروس لزوجها وفقَ التّقاليد العريقة، في العائلات الميسورة يُخبِّئ القيروانيُّ ليوم وفاته قِنّينةَ ماء الورد، مع كفنٍ جيء به من البقاع المقدّسة رفقة الحجيج العائدين بالمسابح وبَخور الجاوي وقارورةٍ من ماء زمزم مع حفنة من تراب مكّة.
الحمّامُ رحمُ المياه الأولى، أدخله مُتمعِّنًا في البخار الطافح على صفحة المغطس، متلذِّذًا سُخونة الماء الذي خفي لونُه على الأبصار، واستعصى طعمُه على كل ذائقٍ، ومحتملًا لذعة الكلسيوم والمغنيسيا وأملاحٍ أخرى تجلو عُطونة الأعضاء وتُنشِّف الخبيث من القروح.
في المقاصير المزدحمة وعلى مَصاطب الحجر، تلتحف الأجسامُ بالضّباب كما الأطيافُ في معبد السّحر تحترق. والأكثر رهبة في هذا المناخ الخانق، عناقيدُ العرق الرّاشح من نوافيرِ المسامّ، وحُمّى العطش المتزايد، ورجعِ الأصداء المدوّي كمن يستغيث في جوف كهف بركانّي، وخِيمِ الهواء عَطين الرّطوبة.
بعد منتصف ليلة الرّابع عشر من شهر رمضان، يتناثر على المدينة رذاذٌ من ضوءٍ أزرق، فيبتلّ زجاج الفوانيس نَداوة، وتخفت الإضاءة تلقائيًّا، ويتجمّل الشّارع بسحر لا يوصف، وترى في جانب قصيٍّ من السّماء أمواجًا مُزبِدة ساكنة. تنظر مليًّا، وفي الأخير تدرك أنّ هذه الأمواج اللّولبيّة، نهرُ المجرّة، أو الدّربُ اللَّبَني.

Kairouan
الشاعر القيرواني الراحل حسين قهواجي 

في الثالثة صباحًا، وفي الشّوارع المهجورة، طبّالٌ يهرول ولا أحد يؤنس عزلتَه سوى الصّدى ورجعِه الذي يدفعه إلى دقّ الطّبلة بِحزم كَمَن يضرب حمارًا "بُوطْبِيلَةْ" لم يعد مرغوبًا فيه، والنّاس في المدن اليوم لا يستهويهم السّحورُ والأكلُ مرّة أخرى، ولكنّه يعرف أنّ في البيوت أطفالًا يستمعون إليه بانجذاب، ويحومون من حوله في صباح كلّ عيد.
أخشى أن لا تصدّقوني لو قلت إنّ الطّبلة تنتقم من صاحبها أثناء نومه، فكلّ الضّربات تتجمّع أصداؤها في سمعه، وتتحوّل إلى أصوات تَقرَع طبلةَ أذنه وهو نائم، وكأنّي بهذه الأصوات صراخُ قُدّر عليه أن يُتّخذ من جلده طبلٌ فتتمرّد روحُه وتَثْأر بالصخب. تَيس لجوج هذا الطبّال وعنيد لا يفرّق بين غنّي وفقير، تراه على العتبات يدقّ طبله باستنفار، ولا يهدأ حتّى ينفتح الباب، وتَخرج له المرأةُ بِصحن الزّلابية أو بقطعة نقديّة، "عيّادي وسنين دائمة".
يومَ الجمعة تقفل المدينة منتصفَ النّهار، ولا ترى إلاّ المتسوّلين على أعتاب المساجد وأبواب المخابز بانتظار درهم أو رغيف، أقبيةُ "البلاغجية" الإسكافيّين قَفراء إلاّ من دكّان تلمح فيه شيخًا أَشيبَ مثقوب الإبهام بفعل الشّفرة والإشفى، منكبًّا على الزُّبرة يَرتق نعلًا.
وفي سوق "النحايسيّة" النُّحَّاس حدّادون أشدّاء على وجوههم قساوة الفولاذ والدّخان، إذا شددتَ مصافحًا يد أحدهم ينطبع في كفّكَ أثرُ الهُباب الأسود، بأحماض الملح تَراهم متشنّجين يُزيحون الصّديد والزُّنْجارَ الأخضر من طبقات النّحاس والأواني.
يوم الجمعة يصمت فيه إيقاع المطارق فوق القصاع والأباريق والقصدير، وأحيانًا يمرّ موكبُ جِنازة صامتٌ يزيد في كآبة الحسّ وفي رتابة النّهار، وأنّى توجّهتَ يلاحقكَ صوت المقرئ علي البرّاق (1889-1981). تجويده القرآنيّ - قيروانيٌّ لا يُطرب ولا يُغنّى، بل يقشعرّ له الجلد وتفيض له الأعين. كان أحبَّه الدّكتور طه حسين واستمع إلى تراتيله في خَلوته المظلمة وكلاهما ضرير، وفيه قال: "القرآن يرتَّل في تونس على نحو ما أُنزل"، كذلك سيّدةُ الشّدو والإنشاد أمّ كلثوم، لمّا سمعت أسطوانة في مقهى المَرابط بسوقِ التّرك بالعاصمة، أصغت وقالت: "هو ده هكذا يُقرأ القرآن!". وفي مكّة أذِن له الملكُ بترتيل القرآن في الرّوضة الشّريفة، فأحدث موجةَ وَجدٍ هيّجت شجون الحجيج، فانهالوا عليه لثمًا وتقبيلًا، حتّى إنّهم صاروا ينثرون المال من حوله آلافًا.
وقبل أن يُسمِّم الفرنسيّون طعام المنصف باشا، كان قلّده نِيشان الإيالة، وفي قصر باردو اتّخذه محمّد الأمين باي مقرئَ شرفٍ وإمامَ العائلة في صلاة العيدين، وضيفًا يزور البلاطَ متى شاء، وذلك قبل أن يسكن القيروان مع أحفاده، مخلوعًا من عرشه، ومن أوسمة عِزّه ومتحف كنوزه: لوحات، خزائن صَدَف، سيوف مرصّعة، رسائل أمراء، وعربة جياده الستّة، فَتَكْبو، وتهوي آخرُ ورقة في دوحة السّلالة الحسينيّة، التي امتدّ ظلّها من صبيحة 1705 حتى غروب 1957.