"الكابتن أبو رائد" سلّة من المعالجات

الفيلم الأردني أظهر مدينة عمّان في مشهد بونورامي، وهي تسبح في فضاء من الألوان والموسيقى.    


عائلة تبحث عمّا يعزز مكانتها في المجتمع من خلال اختيار الزيجات المناسبة


"أبو رائد" يمثل دوره الممثل الأردني المتميّز نديم طوالبة

تبوأت الأردن مركزا مرموقا في مجال الصناعة السينمائية التي لم تر النور في تاريخها الفني، من خلال فيلمها "الكابتن أبو رائد"، والذي حصل على العديد من الجوائز السينمائية العالمية ،كما أحرز إعجابا في المملكة الأردنية، وحرك البركة الفنية الراكدة، فتسلق الفيلم بسرعة قياسية مؤشرات النجاح، والتي تمثلت بحصوله على عدة جوائز وترشيحه للأوسكار.
الفيلم من إخراج وسيناريو الفنان الأردني/ الأميركي أمين مطالقة. 
"أبو رائد" والذي يمثل دوره الممثل الأردني المتميّز نديم طوالبة، يشتغل كعامل نظافة في مطار عمّان، ويسكن وحيدا في أحد أحياء عمّان الشعبية، حيث توفيت زوجته، ولكنه مازال محتفظا بمكانتها، وكان يجسد حضورها، والذي يتمثل في مناجاة صورتها التي تتوسط غرفة نومه، والوسادة التي تلازمه، وكذلك جلسة الشرفة حيث الكرسي المخصص لها، وكذلك مقعدها والطاولة التي يصر أن يشاركها كأس الشاي.

فيلم "الكابتن أبو رائد" جاء جميلا في أداء ممثليه ولاسيما نديم طوالبة، الذي استطاع أن يجسد لنا الدور بكفاءة عالية، وكذلك الأطفال الذين تدربوا بما فيه الكفاية ليتقنوا أدوارهم

كان يكنس أرضية المطار في أحد الأيام، فوجد قبعة كابتن طائرة، فأزال ما علق بها من تراب، ووضعها على رأسه وهو عائد إلى بيته، وفي الطريق يراه أحد أطفال الحي، ويظن الطفلُ أنّ أبا رائد قد أصبح كابتنا، ولم يخيّب الأخير ظنّه، فقد إدّعى أنه يقود طائرة فعلا ويذهب إلى بلدان مختلفة، وقد تجمع أغلب أطفال الحي وهم يتحلقون حوله، ليُشبعهم بحكايات السفر وسحره، ولكن عماد ابن جار أبي رائد يفضح سرّه، مُعلنا أن أبا رائد مجرد زبّال في المطار، وكان الطفلُ يعاني من اضطهاد أبيه السكير، والذي يُسقط كل خيبات وضعه المعاشي على زوجته وأطفاله، فيشبعهم ضربا دونما سبب، وقد أراد أن يؤكد عماد الطفل لأصحابه صحة دعواه، فذهب بهم إلى المطار ليكشفوا حقيقة أبي رائد بأنفسهم، وقد أصيبوا بخيبة أمل، حينما رأوه يكنس أرض المطار، فتلاشت شخصية البطل والكابتن الذي يسافر إلى كل العالم في أعينهم.
ولكنّ أبا رائد حاول أن ينقذ  هذا الطفل المشاغب وأمه من قسوة الأب، بمحاولة إخبار الشرطة، وحينما لم تنفع هذه الخطة اتفق مع الكابتن نورا (والتي تمثل دورها المذيعة التلفزيونية رنا سلطان) على تهريب العائلة إلى الملجأ، وحينما تمّ التهريب بنجاح، انتظر أبو رائد في بيت الزوج السكير والمتوحش، وحينما عاد إلى بيته وعرف حقيقة هروب العائلة، حمل هراوة وأنهى بها حياة أبي رائد. 
لقد نجح الفيلم من الناحية التقنية، وذلك لأن المخرج أمين مطالقة قد استعان بما يملك من خبرة أميركية في صناعة السينما. وقد كان التصوير مذهلا، حيث الكاميرا التي تحاول أن تمنح عمان مشهدا شاملا من خلال التلال المحيطة بها، ومشهد الآثار الرومانية، والأحياء التي تتسلق التلال، أو تهبط في الوديان إضافة إلى روح الشوارع العمّانية في الأحياء الشعبية، والبيوت الفقيرة، والأماكن التي تضجّ بالوجوه المتعبة. 
كان تركيز الفيلم على الشخصية الرئيسية، فأضفى عليها جملة من الصفاتٍ المثاليةً، وهو اختزال غير واقعي للشخصية التي يجب أن تُنتزع من قسوة الواقع، لا من فنتازيا الخيال. فقد ظهر أبورائد مثقفا بامتياز، تجعله يختلف عن جميع العاملين معه، وتتناقض هذه الثقافة مع طبيعة عمله، وقد تَجَلَّت في إتقانه لجملة من اللغات كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية، كما أنّه من النوع الذي استوعب الكثير من الآداب العالمية ،من خلال قراءاته المستمرة، حتى أصبح ملازما للكتب لا يعيش بدونها، كما انعكست ثقافته في سلوكه وأحلامه، حتى حينما كان يختلق القصص للأطفال الذين يتحلقون حوله، حيث يرفدهم بما يملك من ذخيرة قصصية، يستقيها من الكتب التي تستهويه، كما أنه كان وفيا لرفيقة دربه الراحلة، حتى أنه كان يرفض غيابها من خلال ترك وسادته كما هي، وكذلك مقعدها وكأس شايها، كما كان يبادرها التحية حينما يدخل البيت، وكأنها تعيش فيه. 
إضافة إلى ذلك فهو شديد التسامح حتى مع من يسيء إليه من الناس، وقد ظهر ذلك في موقفه مع الطفل الذي حرّض زملاءه من الأطفال ضده، وكشف حقيقة أنه ليس بقبطان طائرة، وإنّما مجرد عامل نظافة. لقد استوعب الأمر وسلك مع الطفل بنبل، حيث يواجه الإساءة بالإحسان. كما قدّمه الفيلم على أنّه مصلح اجتماعي، يحاول أن يعالج التسيب المدرسي بسبب الفقر والعمالة المبكرة للأطفال، وكان يشتري كل بضاعة الطفل من الشيكولاتا كي تُتاح له أن يلتحق بمدرسته. كما كان موقفه متميزا من قضية مساندة المرأة المضطهدة من قِبَل زوجها، والذي يجعله يدفع حياته في سبيل ذلك. 

cinema
مشهد بونورامي

ولقد أوقع كاتب السيناريو أمين مطالقة نفسه في فخ الرومانسية، فشخصية أبي رائد غير واقعية بالمبالغة في الصفات النبيلة التي أسبغها عليه؛ بوفائه المنقطع النظير لزوجته الراحلة، حيث يتعامل مع غيابها على أنه حضور دائم، وفي ثقافته العالية التي تتمثل بشغفه بالقراءة ذات المستوى الرفيع، وتمكنه من إتقان لغات عالمية عدة، مع أن المخرج لم يقنعنا بكيفية حصوله على ذلك، ولماذا يعمل كنّاسا؟ إضافة إلى الطيبة المتناهية وإنكار الذات، والتضحية بالمال في سبيل معالجة بعض العيوب الاجتماعية، والتي تجعله يضحي بنفسه ويعرض نفسه للموت في سبيل إنقاذ امرأة مُعَنّفَة. 
لذا فلم يكن الفيلم موفقا في بناء هذه الشخصية، والتي لم يكن مقنعا بواقعيّتها، وكان بالإمكان أن ينتزع من هذا الواقع الاجتماعي المشحون بالمتناقضات شخصية حقيقية، ترتبط برحم الفقر والجوع واللهاث خلف رغيف الخبز.    
من زاوية أخرى، ففيلم الكابتن أبو رائد يفتقر إلى الوحدة الموضوعية، فقد تشظّى بين عدة مواضيع مختلفة ومنها:
النظرة الاجتماعية لطبيعة العمل والتي تحدد مكانة الإنسان في محيطه، فأبو رائد عامل نظافة، لا قيمة فعلية له في المجتمع الأردني، كما ورد في متن الحوار. 
لقد عالج أيضا التسيب الدراسي بالنسبة للأطفال، بسبب فقر ذويهم، وقد بدا ذلك من خلال العلاقة بين أبي رائد والطفل الذي يجبره أهله على العمل، ومن خلال بقية الأطفال الذين يتعرضون للعنف العائلي، والذي يحرمهم من متابعة التعليم.  ثم تناول العنف الأسري، بسبب الضيق الاقتصادي والذي أدى بدوره إلى الإدمان على الخمر، واستخدام كل أشكال الاعتداء الجسدي على النساء والأطفال. كما تصدّى إلى الهوة السحيقة التي تفصل بين طبقات المجتمع في الأردن، فطبقة الأثرياء (والتي تمثلها عائلة نور التي تشتغل ككابتن)، فهذه العائلة تبحث عمّا يعزز مكانتها في المجتمع من خلال اختيار الزيجات المناسبة، والتي تتكون من عائلات ثرية، ولكنّ عامل الحب والتفاهم لا قيمة له أمام مزايا الثراء والوجاهة، لذلك فأب الشابة نور يبحث عن عريس لابنته من هذه الطبقة المخملية، كمدير شركة أو مهندس أو غير ذلك.  
وهكذا فقد قدّم لنا المخرج سلّة حافلة بالمعالجات المتفرّقة، والتي افتقرت إلى وحدة الموضوع، متناسيا أن السرد السينمائية كالسرد الروائي، ينبغي أن يحافظ على منهجية الفكرة المحورية. 
ولكن من زاوية أخرى فقد كان فيلم "الكابتن أبو رائد" جميلا في أداء ممثليه ولاسيما نديم طوالبة، الذي استطاع أن يجسد لنا الدور بكفاءة عالية، وكذلك الأطفال الذين تدربوا بما فيه الكفاية ليتقنوا أدوارهم، وذلك من خلال تعبيرات وجوههم وإيماءات أجسادهم، كذلك الممثلة الجميلة رنا سلطان والتي كانت إطلالتها تمنح الفيلم رونقه وجماليته، كما كان التصوير في الأحياء الشعبية، والتي أظهرت لنا جمالية مدينة عمّان في مشهد بونورامي، وهي تسبح في فضاء من الألوان والموسيقى.