اللقطة المثالية لوجهك ليست مثالية لعقلك

تطبيقات تحرير الصور تبعث على القلق بشأن الصورة الحقيقية لمظهرنا مقارنة بالتي نريدها حقا لوجوهنا وأجسادنا من أجل مجاراة المعايير الجمالية السائدة في عالم اليوم.


التلاعب بالصور يرتبط بمخاوف أكبر متعلقة بالجسم


صورة الجسم السلبية تخلق خطرًا أكبر للأفكار الانتحارية


التقاط الصور المحررة يعزز التركيز على الكيفية التي ننظر فيها إلى الآخرين


هوس عدم الإعجاب بالنفس زاد مع التقنيات المتطورة


تطبيقات تحرير الصور من أكثر أشكال التكنولوجيا الحديثة تطرفاً

مع تطوير الكثير من التطبيقات الإلكترونية لتحرير الصور ومع تزايد الضغوط التي يفرضها التواصل الافتراضي، أصبح التركيز على المظاهر هوسا والحصول على اللقطة المثالية لوجوهنا وأجسامنا عبئا إضافيا يستهلك وقتنا وجهدنا وأعصابنا.
فمشاركتنا في أكثر من موقع للتواصل الاجتماعي تجبرنا على الدخول في دوامة من المقارنات المستمرة، نأخذ الصورة المناسبة ونحررها على تطبيق من خلال المرشحات (الفلاتر) ثم نحمّلها على حساباتنا الإلكترونية، ثم ننتظر آراء الأصدقاء وعلامات إعجابهم ثم نحصي عدد (اللايكات) ونقيّم مظهرنا بالأرقام.
هذه دوامة قد تبدو ظاهريا تطورا مثيرا للمتعة، وشكلا جديدا للهواية أو نوعا من المرح والترفيه وقضاء الوقت، لكنها في حقيقة الأمر تبعث على القلق بشأن الصورة الحقيقية لمظهرنا، مقارنة بالصورة التي نريدها حقا لوجوهنا وأجسادنا، وهذا في الغالب يسبب الاكتئاب وعدم الرضى عن النفس.
وما يزيد الأمر سوءا أن الكثير من تطبيقات تحرير الصور انتقل من مجرد إنتاج صور يمكن قصها وإشباع ألوانها وموازنة الإضاءة فيها، إلى إضافة فلاتر لتغيير مظهر الناس تماما، فمن التبييض إلى تنعيم الجلد وإخفاء التجاعيد والهالات السوداء تحت العينين إلى رفع الخدود وشد الترهل، إضافة إلى تغيير لون العينين والشعر والأسنان، كل هذا من أجل التناسق مع المعايير الجمالية السائدة في عالم اليوم.

الوجه الوحيد في العالم الذي لا يمكنك رؤيته أبدا هو وجهك

نعم، لقد جعلت هذه التطبيقات كل شخص بارعا في التلاعب بالصور كما لو كان مصمم غرافيك محترفا.
وأصبح برنامج تعديل الصور جراح تجميل افتراضي، فهو متمرس في طمس أي عيب في الشكل وإزالة كل الشوائب بتقدير ملتقط الصورة طبعا.
وأعتقد شخصيا أن هذا التطور التقني من أكثر أشكال التكنولوجيا الحديثة تطرفاً فهو ينتج مظهرا غير موجود ويخلط بين الوهم والحقيقة لدرجة طغيان الخيال على حساب الواقع.
بجانب أن وسائل التواصل الاجتماعي تنمي الضغوط حول الشكل المفترض والقلق بشأن صورة الجسد، فيتمثل الحل السهل والسريع في الاستخدام المفرط للفلاتر لتغيير الصور وسط مجتمع يستمر في إعطاء مثل هذه القيمة العالية للمظهر.

صورة سيلفي
الفلاتر تعكس معايير الجمال في الفضاء الرقمي

نبدو أفضل بشكل سيء
لكن في خضم هذا الضغط، من المهم أكثر من أي وقت مضى الحفاظ على صحتنا العقلية تحت السيطرة، فإضافة إلى الأثر التجميلي لهذه التطبيقات، يحمل تغيير مظهر الوجه أو الجسم أثرا نفسيا أيضا.
فالتلاعب بالصور، بغض النظر عن الهدف منه، قد يتحول إلى إدمان، إذ إن بعض الأشخاص يدخلون في حال من التبعية لنظرة الآخرين لهم، فيتجاوبون مع الضغوط المستمرة ليبقوا أكثر جمالا ووسامة مما هم في الواقع.
وتفيد الدراسات الاجتماعية والنفسية أن ولع بعض الأشخاص بتعديل صورهم قد تكشف الكثير من المعلومات المُثيرة للاهتمام حول شخصياتهم، التي قد تفصح أحيانا عن مستوى أعلى في سمات الشخصية النرجسية والسيكوباتية أو المعتلة نفسيا.
كما يؤدي استخدام خواص تصفية الصور الى إصابة الأشخاص وخاصة المراهقين والشباب باضطراب يسمى "ديسمورفوبيا" المعروف بأنه عدم إعجاب الشخص بنفسه.
ويقول الخبراء أن هوس عدم الإعجاب بالنفس زاد مع التقنيات المتطورة، خاصة وأن الفلاتر الموجودة في بعض تطبيقات الهواتف الذكية تُنشئ صورة غير واقعية لما يبدو عليه الأشخاص، فتتسبب في اضطرابات نفسية سرعان ما تتطور إلى عدم التصالح مع الذات.
ويؤدي الهوس بالمظهر الخارجي إلى الإصابة بما يعرف في الطب النفسي "اضطراب التشوه الجسمي".
فلا شك إذا أن التقاط الصور المحررة لأنفسنا ومشاركتها مع الآخرين أو حتى الاحتفاظ بها، يعزز التركيز على الكيفية التي ننظر فيها إلى الآخرين، إلى الحد الذي تتوضح فيه أمامنا أزمة عميقة تتعلق بصحتنا العقلية.

تعديل صورنا يؤكد ويعزز فكرة أن شكلنا الطبيعي غير مقبول أو جيد بما فيه الكفاية

في حقيقة الأمر لا نستطيع أن نفصل تطبيقات تحرير الصور عن استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي، فثقافة التوثيق بالصور التي نمت لدينا حديثا تضع معايير جمال يصعب الوصول إليها، بجانب الدراسات وجدت أن الأشخاص الذين يستخدمون أكثر من منصة للتواصل الاجتماعي معرضون لخطر الإصابة بالقلق أو الاكتئاب.
هذا يعني أن مستخدمي المواقع الاجتماعية يحدثون صورهم باستمرار ويوثقون لحظاتهم كل يوم، ومع ظهور الفلاتر التي تعكس معايير الجمال في الفضاء الرقمي، فإن الصور التي يقارن الناس أنفسهم بها لا تعكس الواقع الذي يعيشه أي شخص، وهذا بحد ذاته إرباك للنفس إلى درجة الضياع.
أنت جميل في كل حالاتك
ويرتبط التلاعب بالصور بمخاوف أكبر متعلقة بالجسم، فالدراسات تشير  إلى أن صورة الجسم السلبية تخلق خطرًا أكبر للأفكار الانتحارية خاصة لدى المراهقين، كما يعد الانشغال المفرط بالعيوب المتخيلة في المظهر نوعا من أنواع مرض الوسواس القهري حول صورة الجسد.
ويحضرني الآن قول لأحد أطباء التجميل ساخرا من أحد الأشخاص المهووسين بتحرير صورهم: "الوجه الوحيد في العالم الذي لا يمكنك رؤيته أبدا هو وجهك"، فأنت لن ترى سوى صورا أو انعكاسات عن نفسك ليست مصادر موثوقة تماما لصورتك الواقعية.
ويمكن أن تكون الفلاتر لعبة مثيرة لكن يجب علينا أن نتذكر أن معظم الناس لا يلاحظون حتى العيوب التي قد تجدها في صورك، فالنسخة المفلترة منك ليست نسخة أفضل، وإذا كانت صورك الحقيقية تشعرك بالإحباط تجاه نفسك فخذ استراحة من التطبيقات الخادعة وقل لنفسك إنك جميل في كل حالاتك، وحاول أن تحب عيوبك المظهرية فهي التي تميزك عن غيرك.
 وربما يجب أن نتذكر باستمرار أن تعديل صورنا يؤكد ويعزز فكرة أن شكلنا الطبيعي غير مقبول أو جيد بما فيه الكفاية، بينما تتغير مع تقدمنا في العمر والتجربة والخبرة، الطريقة التي نرى بها أنفسنا كل يوم، وهذا بحد ذاته يعني أننا بحاجة إلى فلاتر لتصفية أفكارنا ووعينا وفهمنا للحياة، وتقدير أجسادنا كما هي، فهي مجرد جانب واحد من هويتنا، وهي أيضا الوحيدة التي تعمل من أجلنا، لذلك ينبغي تكريمها والاحتفاء بها.