المأزق الإثيوبي

مشهد امني متفاقم يحاصر الحكومة المركزية الإثيوبية.
جبهات عدة تقاتل فيها إثيوبيا بوقت واحد
أزمة ترتبط بأزمة أشبه بسلسلة حلقات تتسع طولا تلف جسم الحكومة الإثيوبية

مأزق حوض النيل لم بنته بعد، وإريتريا تفتح جبهة قتال في عمق إثيوبيا، وتبني قواعدها في إقليم تيغراي، دون إبداء رغبة في الانسحاب وفق مطلب الأمم المتحدة الملح.

جبهات عدة تقاتل فيها إثيوبيا بوقت واحد، أخطرها تأثيرا الجبهة الداخلية المشتعلة أصلا على قاعدة الخلاف في تشريعات دستورية تنظم حكم البلاد، فرئيس الوزراء آبي أحمد المنتهية ولايته منذ اغسطس العام الماضي، وقفت المعارضة في أقاليم عدة ضد تمديد ولايته بإلغاء الانتخابات العامة المقررة في يونيو 2020.

وبرز الخلاف على أشده بين آبي أحمد وإقليم تيغراي الذي وصفه بـ "الدكتاتور في طور التكوين"، وظل الخلاف يتعاظم حين يصل إلى صدام مسلح يدعو سكان تيغراي إلى الاستنجاد بمنظمات المجتمع الدولي.

حزب جبهة شعب التيغراي الذي لم يعترف بالحكومة المركزية في اديس أبابا، نظم انتخابات منفردة، لم تعترف حكومة أحمد آبي بنتائجها، باعتبارها "غير قانونية وغير دستورية"، ليبقى الصراع قائما على أشده بين الطرفين، وينذر مبدئيا بإعلان انفصال تيغراي عن إثيوبيا وق ما ينص عليه الدستور " لكل شعب من شعوب إثيوبيا حق تقرير المصير والانفصال غير المشروط".

فتح صراع إقليم تيغراي مع حكومة أديس أبابا، أبواب أزمة إثيوبية جديدة مع السودان الذي يرتبط معه بحدود مشتركة، جعلته ملاذا للفارين من قساوة حرب أهلية تزداد عنفا، لا يقوى أحد على إخمادها.

السودان تحركت عسكريا، واستعادت منطقة متنازع عليها، وحفرت خنادق الحرب في حدودها المواجهة مع إثيوبيا، دون الخوض في حرب حدودية مسلحة، هدفها تامين قواعد امنها القومي، لكن احتمال الحرب بات واردا.

مشهد امني متفاقم، يحاصر الحكومة المركزية الإثيوبية، كرسه التدخل الاريتري العسكري في إقليم تيغراي، وسط صيحات مجلس الأمن الدولي بضرورة انسحاب الجيش الإريتري من الأراضي الإثيوبية فورا.

التدخل الاريتري لم يكن جديدا في المشهد الإثيوبي المتأزم، فالنزاع على أراض بين الطرفين قديم، بدأ منذ تحرير اريتريا وإعلان استقلالها، إلا أن ما يجري الآن في تيغراي هو أمر وصف بـ "المروع" لما يتعرض له السكان من انتهاكات جسيمة على جيش اريتريا وصلت إلى حد الاغتصاب الجنسي وقتل المدنيين.

أزمة ترتبط بأزمة، أشبه بسلسلة حلقات تتسع طولا تلف جسم الحكومة المركزية الإثيوبية، في غياب القدرة على فصلها، أو إيقاف تمددها، عززتها بحلقة صراع لا يقل خطورة مع أكثر من دولة من دول حوض النيل المهددة بانخفاض كبير في مناسيب المياه المقررة في حصصها القانونية التي تؤمن شروط ديمومتها الحياتية.

معطيات الواقع الراهن وبديهيات إدارته العقلانية، تجعل المراقب السياسي ينظر باستغراب لسياسية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد المتمادية في تعميق الأزمات الداخلية والخارجية والخوض في مجابهتها بوقت واحد.

ربما يرى آبي أحمد أن أزماته الداخلية التي تنذر بحرب أهلية، وتهدد نظام حكمه، سترحل بإثارة صراع خارجي لم يحسب حسابا لمخاطره الأكبر، واقعا تحت تأثير قوى عير معلنة تستدرجه إلى مستنقع كارثة إقليمية خططت لها من قبل.