الممرات بين الكتب ترسم خارطة العالم

كتاب 'زيارة لمكتبات العالم' للإسباني خورخي كاريون يعتبر المكتبة خريطة بداخلها جو متميز من الحرية، يتباطأ فيها الزمن، وتصبح السياحة نوعاً مختلفاً من القراءة.


الكتاب تمت ترجمته لأكثر من عشر لغات حول العالم


المؤلف يتعامل مع الكتب كحاجات والمكتبات كمواقع للتنقيب عن الآثار

"العالم مكتبة والمكتبة عالم"، جملة طوباوية من كلمتين تجعل كلا منهما مرادفة للأخرى، وتدفعك من الغلاف الذي تتصدره إلى متن الكتاب الذي  يبدأ بالتأكيد على أن "كل مكتبة لبيع الكتب نسخة مكثفة من العالم. إن ما يربط بلدك ولغته بالمناطق الأخرى التي تتكلم لغات مختلفة، ليس خطوط الطيران والرحلات، وإنما الممرات الممتدة بين الكتب".
هكذا ينظر الإسباني خورخي كاريون إلى المكتبة باعتبارها خريطة بداخلها جو متميز من الحرية، يتباطأ فيها الزمن، وتصبح السياحة نوعاً مختلفاً من القراءة. ويوسع كاريون عالم بيع الكتب ليصبح مجالا عالميا شديد الارتباط. يبدأ تناوله من المنطقة المحلية لكل مؤسسة، ثم ينتقل من المحلي إلى الأبعد: الكون.
ومن ثم فإن قصته تعتمد على الإقليمية وتختار قراءة شبه موضعية للمكتبة التي يمكن من خلالها طرح أسئلة مثل: كيف تتداخل هذه المساحات في البناء التاريخي للثقافة؟ ما هو الدور الذي تلعبه في المجتمع الجماليات أو عادات القراءة؟ هل يمكن أن تشكل بعض الاختلافات في الاستهلاك واكتساب المعرفة؟
وعبر محاولات الإجابة عن هذه التساؤلات يصحب  الكاتب قارئه في رحلة سياحية مميزة في كتابه "زيارة لمكتبات العالم" الفائز بجائزة أنا جراما فى إسبانيا عام ٢٠١٣، وتمت ترجمته لأكثر من عشر لغات حول العالم، وصدرت ترجمته إلى العربية مؤخرا عن “العربي للطبع والنشر- القاهرة ” بترجمة مميزة لريم داوود.
في المقدمة يذكر المؤلف أن كتابه سيتحدث عن القراءة العادية بأسلوب يبعث على الارتياح، ثم يناقش التناقضات التي تثير الانزعاج، وسوف يعيد تركيب التقاليد المعتادة، ويتعامل مع الكتب كحاجات، والمكتبات كمواقع للتنقيب عن الآثار، أو كدكاكين للبضائع المستعملة الرخيصة، أو كأرشيف، وحالة مكانية تستمد قوتها من أهمية التراث ضد تآكل الماضي والذاكرة، ويعرض رؤيته للكتب باعتبارها حركات مقاومة تكافح من أجل عدم احتلال مكانها في تاريخ المعرفة البشرية، ويشبه مكتبات بيع الكتب والمكتبات العامة بتوأمي روح أو وجهي الإله يانوس، وهو في الميثولوجيا الرومانية إله للبوابات والممرات، يتم تصويره بوجهين لأنه ينظر إلى المستقبل وإلى الماضي معا، كاريون أيضا يتطلع إلى مستقبل المكتبات في العصر الرقمي، وينقب في ماضيها، ويقر بأن مكتبة الأسكندرية هي الأولى في التاريخ التي اعتمدت على نظام الفهرسة، ويرجح أن فكرتها جاءت من المكتبة الخاصة بأرسطو، ويرى أن المقارنة بين المجموعات الخاصة والعامة، وبين مكتبات بيع الكتب والمكتبات العامة مقارنة قديمة  قدم الحضارة نفسها، لكن كفة التاريخ تميل دائما نحو المكتبة العامة، فمكتبات بيع الكتب خفيفة كالحاضر، تلتصق بعصبه وتعاني مشكلاته، ومدفوعة بإدمانها على التغيير، بينما المكتبات العامة  بثقل تقاليد الماضي الذي يوفر لها أمانا واستمرارية في المستقبل الذي يهدد وجود مكتبات بيع الكتب، وفي ختام الكتاب يؤكد على تلك التهديدات باستعادة  مشهد تحويل مكتبة “كتالونيا” والتي يزيد عمرها عن مائة عام، من مكتبة لبيع الكتب إلى أحد فروع مطعم ماكدونالدز.
لكن المستقبل ليس مظلما تماما في موضع آخر من الكتاب يشير إلى حالة مناقضة، ففي غواتيمالا ظهرت مكتبة "لا ليبيريريا دل بينساتيفو" بفضل جهود باحثة أنثروبولوجية هي ماريا كوفينو، فقد تم تحويل محطة بنزين وورشة ميكانيكا لإصلاح السيارات إلى مكتبة لبيع الكتب، هذه الكتب عجزت لفترة عن استيراد الكتب من الخارج بسبب الحرب التي دارت هناك بين الجيش والعصابات المسلحة، فلجأت إلى تشجيع الأدب المحلي والاحتفاء بإصداراته وإقامة المعارض الفنية، فتحولت المكتبة إلى مركز للمقاومة ظل موجودا في اثني عشر عاما.

كاريون  يتطلع إلى مستقبل المكتبات في العصر الرقمي وينقب في ماضيها

أساطير وطرائف
يسرد خورخي الروائي والباحث الحاصل على الدكتوراه فى الإنسانيات، تاريخ مكتبات بيع الكتب بشكل خاص وليس المكتبات العامة، ويرجع اهتمامه بها لكونها "تفتقر إلى الاستمرارية والدعم المؤسسي، ومع ذلك تتميز بقدرتها على التجاوب الجريء مع الجمهور وتلبية احتياجاته، وتتمتع بالتالي بنوع من الحرية، ولكنها غالبًا ما تعاني من ندرة اهتمام الباحثين بها إلى أن ينتهي وجودها الفعلي، وتتحول مع الوقت إلى أسطورة، مثل ساحة كاتدرائية القديس بولس بلندن، والتى كانت تضم ثلاثين مكتبة، منها "ذا باروت" التى كان صاحبها أحد ناشرى ويليام شكسبير لكن أحدًا لا يهتم بدراستها، وتغفل الكتيبات السياحية ذكرها، على العكس من تاريخ المكتبات العامة الذي يمكن سرده بسهولة، وبتفاصيل دقيقة، وفقًا للحدود الجغرافية التي حددتها اتفاقيات جغرافية معروفة، ومن خلال السجلات الأرشيفية لكل مكتبة".
ومن بين المكتبات التي يراها أسطورية يشير كاريون إلى مكتبة انشئت في نابولي عام 1825، هي مكتبة "دي ماريني" التي تغير اسمها فيما بعد لتحمل اسم منشئها "كاسيلا"، وقد ورثها عنه ابنه فرانشيسكو الذي تعامل مع المكتبة كمكان لاستقبال ضيوفه، ودعا إليها في مطلع القرن العشرين أدباء كبارا مثل إدواردو دي فيليبي، وبول فاليري، وأناتول فرانس، وجورج برنارد شو، لكن من المؤسف أن يفتقر هذا النوع من المكتبات إلى الوثائق التي تؤرخ له، لذلك وجد كاريون نفسه مضطرا إلى الرجوع للصور الفوتوغرافية والبطاقات البريدية المصورة، فضلًا عن الاستعانة بالنصوص الأدبية والمقالات.
ويرجح كاريون أن تكون مكتبة "ديليمن" في باريس هي أقدم مكتبات هذا النوع، إذ فتحت أبوابها للجمهور داخل مسرح الكوميدي فرانسيز عام 1700، أما في بريطانيا، فأقدم مكتبة "بي آند جي ويلز" في مدينة وينشيستر، وبحسب الكتاب: "فرعها الوحيد يؤكد استقلاليتها الواضحة، وتم الاحتفاظ بإيصالات شراء تعود إلى عام 1729، ويرجح أن نشاط الكتب في المقر الواقع في كوليج ستريت لم يتوقف منذ خمسينيات القرن الثامن عشر".
كذلك يشير إلى بعض المكتبات التي تمَّ تخليدها في نصوص أدبية، ومنها مكتبة "ليوناردو دافينشي"، ويشير إلى القصيدة التي أسماها "مارسيو كاتوندا" مكتبة، وصف فيها الممر المؤدي إلى الطابق الأرضي من مبنى ماركيز دي هارفيل.
ومن الأشياء الطريفة التي يذكرها خورخي أنه في زيارة له إلى فنزويلا، قام جندي بشم ثلاثة وعشرين كتابًا كان يحملها كاريون في حقائبه، وفسر ذلك بقوله "إنهم صاروا يمزجون المخدرات بالصمغ المستخدم في لصق أغلفة الكتب". (وكالة الصحافة العربية)