معرض الكتاب يتذكر صاحب أيام الإنسان السبعة

حياة عبدالحكيم قاسم كانت عاصفة من الاختيارات الصعبة والألم والسجن والسفر، لكنها مع ذلك أودعت لدينا أعمالا روائية وقصصية لا يمحوها الزمن.


سيد الوكيل: رصد التفاصيل الصغيرة في عالم قاسم الفني يسبب مشكلة لأنها لا ترقى إلى مستوى التحليل الفلسفي والاجتماعي


"أيام الإنسان السبعة" تسرد  قصة جماعة "الدراويش" بقيادة الحاج كريم منذ وعاها الطفل عبدالعزيز

في آخر أيام دورته الحادية والخمسين تذكر معرض القاهرة الدولي الكاتب الكبير عبدالحكيم قاسم، الذي ودع عالمنا قبل ثلاثة عقود (نوفمبر/تشرين الثاني 1934 - نوفمبر/ تشرين الثاني 1990) فأقام له ندوة اختتم بها محور الأدب والإثنوجرافيا، وتحدثت فيها الناقدة رشا حسن  والناقد سيد الوكيل، وأدارتها أمل حسن فراج التي أشارت إلى أن حياة قاسم كانت عاصفة من الاختيارات الصعبة والألم والسجن والسفر، لكنها مع ذلك أودعت لدينا أعمالا روائية وقصصية لا يمحوها الزمن، كتب عنه الروائي والناقد السوري نبيل سليمان "أعلنت رواية (أيام الإنسان السبعة) الهاجس الحداثي لعبدالحكيم قاسم، ثم جاءت (محاولة للخروج) وأعقبتها (سطور في دفتر الأحوال) و(قدر الغرفة المقبضة) ثم (المهدي) و(الأخت لأب) و(طرف من خبر الآخرة) و(الظنون والرؤى)، وفي كل رواية كان الهاجس يكبر ويتنوع ويتعمّق ويثري التجربة الروائية العربية الحداثية.‏ وقد كان عبدالحكيم قاسم من أجرأ كتّاب جيله على النقد المبكّر للحداثة. فهو إن كان يكتب رواية حداثية أو حديثة، إلا أنه كان لا يفتأ يعرّي الأوهام الحداثية السائدة والزيف الحداثي المطّرد.
وقال عنه د.محمد برادة: لقد كان عبدالحكيم قاسم ذا طبيعة منفعلة شخصيا وروائيا، ولكن انغماسه في وصف تفاصيل العالم القروي، يبدو وكأنه حال دون ظهور هذا الانفعال فهذبه بدلا من أن يبدو صارخاَ مباشراً.

في البداية كانت علاقة قاسم بالغرب محبة غير مشروطة، غير أنها تحولت إلى كراهية غير مشروطة، ويرجع ذلك إلى شدة اعتزاز قاسم بنفسه وعمله، وشعوره أن برلين لم تقدره حق قدره

وأشارت رشا حسن إلى أن نشأة قاسم في إحدى قرى محافظة الغربية، لأب يؤجر بضعة أفدنة، فيزرعها وبالكاد تكفي لإعالة أسرته، وتمنحه فرصة أن ينفق بعض الوقت في ممارسة شعائر الصوفية، وقد كتب قاسم فيما بعد عنهم في روايته الأولى المدوية، ثم ظلوا يظهرون على أنحاء مختلفة بعد ذلك في رواياته وقصصه القصيرة.
التدين الشعبي
تسرد  "أيام الإنسان السبعة" قصة جماعة "الدراويش" بقيادة الحاج كريم منذ وعاها الطفل عبدالعزيز، وهو راو يتكرر في أكثر من عمل أدبي لعبدالحكيم قاسم ويحمل سمات الروائي وما حدث لهذه الجماعة حتى انهيارها بموت الأب. كل فصل يمثل لحظة في تاريخ الجماعة وفي وعي الراوي. طفل مبهور بالأب وجماعته، وغلام يلج على مشارف المراهقة، ويبدأ في السير وحده، والتحديق في كل شيء حوله، وطرح الأسئلة عن العالم والله والأب والأم، حتى تصل إلى لحظة ينشق فيها وعيه بين الجماعة والعالم الحديث، عالم المدينة السريع القاسي، وتنتهي الرواية بمرض الأب وموته ومحاولة الراوي للتكيف مع العالم المتغير.
وفي مقابل التطور الخطي لوعي البطل، يرى القارئ الجماعة في ليالي "الحضرة" ويتعرف على أهم أعضائها، ويلمس ما يعانونه في بحثهم عن الرزق الشحيح، وما يفعلونه من طقوس "الخبيز" والاستعداد للسفر إلى طنطا، ثم وصولهم إلى المدينة حيث مقام السيد البدوي، وعلاقتهم بأهل المدينة في هذا كله تكتب، ربما للمرة الأولى، الحياة المهمشة التي يحياها الدراويش الفقراء، ورؤيتهم للعالم، ورؤيتهم "للدين" من خلال معرفة وثيقة وخبرة ممتدة بهذا النمط من التدين الشعبي، وعبر خطاب روائي يجد حلوله المبتكرة في تنظيم الزمن الروائي وتكوين الشخصيات.
انتصار أم انسحاق
وفي مداخلته أشار الروائي والناقد سيد الوكيل إلى شيوع القول بأن عبدالحكيم قاسم تعرض للظلم والتهميش حيا وميتا، وأعلن اختلافي مع هذا القول، مؤكدا أن قاسم لم يجعل النقاد متمكنين من العمل بشكل أفضل على أعماله الأدبية.. كما أن رصد التفاصيل الصغيرة في عالم قاسم الفني يسبب له مشكلة لأن تلك التفاصيل لا ترقى إلى مستوى التحليل الفلسفي والاجتماعي.
وأضاف قائلا: قد يتساءل أحد هل هذا التحليل هو دور المبدع؟ وأقول إنه مطلوب من المبدع أن يعطي مساحة للقارئ من التفكير والتأمل والتفاعل، وهذا في ظني نوع من التنمية المستدامة للمعرفة، وتلك هي وظيفة الأدب، لكنه في الحقيقة كان مفتقدا عند قاسم، ففي الوقت انشغل في بعض الأعمال بنقل معارف أخرى كما حدث في رواية "طرف من خبر الآخرة" التي تحدث فيها عن الموت، حيث تعرض لذكر طقوس دافن الموتى وكيف ينقل عظام الموتى، وتمييزه لأكفان الراحلين، هذه تفاصيل ومعارف مدهشة تعرض لها قاسم لكنه لم يربط كل ذلك بفكرة الموتى وموروث الإنسان ولا سيما المصري القديم.

ندوات
في آخر أيام المعرض

وأكد الوكيل أن قاسم عانى مثل غيره من أزمة "الشرق والغرب" ففي وقت سافر إلى ألمانيا وبقى هناك لمدة أحد عشر عاما لكنه عندما عاد من ألمانيا شعر بمأزق "عضة الواقع" حيث كان يشجب كل ممارسات الحياة منذ الولادة ويعتبرها مرضا وجهلا، واختتم سيد الوكيل كلمته بالتساؤل عن تجربة قاسم الروائية هل هي انتصار أم انسحاق؟ قائلا: إن الإجابة في ظني تميل لكونها تجربة لم تفض إلى انتصار، معتبرا أن الرافد الخاص بعلم النفس في أعمال قاسم تحتاج إلى انتباه من قبل أساتذة علم النفس.
حب وكراهية
وكان عبدالحكيم قاسم قد سافر إلى ألمانيا في عام 1975، وهناك حاول أن يحصل على الدكتوراه عن جيل الستينيات، وعمل على أطروحة نقدية عن إبداع إدوار الخراط وإبراهيم أصلان وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وسعيد الكفراوي، بسبب الأوضاع اضطر إلى العمل حارساً ليلاً لكي ينفق على عائلته، إلى أن عاد إلى مصر سنة 1985.
عن عبدالحكيم قاسم العائد يقول صديقه القاص سعيد الكفراوي: أنا وعبدالحكيم ننتمي إلى الكتّاب الفلاحين، أولاد القرى، عبدالحكيم عاش القرية المصرية بكل أبعادها، وكان في جيل الستينيات من أبرز كتابه، وقد استفاد كثيرا في رحلته الألمانية غير أنه شعر خلال وجوده هناك بالإهانة نظراً إلى طبيعة المهن التي عمل بها. وأحس بأنه في مكان لا يقدر إبداعه. وبالتالي عندما عاد إلى مصر وجدناه شخصاً مختلفاً. عاد متمسكاً بثقافته العربية التراثية، بل أعلن أنه يعتزم إعادة كتابة أشهر رواياته، "أيام الإنسان السبعة"، كي "ينقيها" من الكلمات المصرية العامية، لم يستطع أن يتوافق بعد عودته مع التغيرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت في فترة غيابه، لذا لم يستطع العودة مرة أخرى، فقد أحس أن الغرب سحقه. في البداية كانت علاقته بالغرب محبة غير مشروطة، غير أنها تحولت إلى كراهية غير مشروطة، ويرجع ذلك إلى شدة اعتزاز قاسم بنفسه وعمله، وشعوره أن برلين لم تقدره حق قدره. (وكالة الصحافة العربية)