معرض القاهرة للكتاب يحتفي بذكرى شاعر القصة القصيرة

يوسف إدريس التقى يحيي الطاهر عبدالله في منتصف الستينيات، واستمع إلى إحدى قصصه في "مقهى ريش"، فقدمه في مجلة "الكاتب".


الكاتب المصري كتب كثيرًا عن الأقصر وناسها ومشكلاتهم ومخاوفهم


يحيى الطاهر عبدالله تميز بجرأته على التجريب

في التاسع من إبريل/نيسان 1981 توفي القاص يحيي الطاهر عبدالله إثر حادث أليم، فنعاه الكاتب الكبير يوسف إدريس  بمقال عنوانه "النجم الذي هوى" كتب فيه "حين رأيته كان قادماً لتوه من أقصى الصعيد من قرية الكرنك بجوار الأقصر وكان نحيلاً كعود القمح حلو الحديث والمعشر كعود القصب فتان القامة والبنية واللمحة وذلك الخجل الصعيدى الشهم الذى لا تخطئة عين".
وكان يوسف إدريس قد التقى يحيي الطاهر عبدالله في منتصف الستينيات ، واستمع إلى إحدى قصصه في "مقهى ريش"، فقدمه في مجلة "الكاتب" ثم ساعده في نشر مجموعته الأولى وكتب له مقدمتها، فقد أعجب بتمرده على أشكال القص المعتادة، مقدمًا صوته الخاص الذي يمزج بين التشبع بالقرية، وبين لغة شاعرية صنعت عوالم قصصية متفردة. وتحضر في قصصه القرية بأعرافها الصارمة، وشخصياتها المميزة التي صبغتها قسوة الجنوب بصبغة متقشفة، لكنه لم يقدم القرية ذلك التقديم الواقعي، بقدر ما استند على موروث خرافي تشبعت به القرية البعيدة عن كل محاولات التحديث، طارحًا واقعية هي أشبه بواقعية سحرية تستحضر الجنوب بكل خصوصيته الاجتماعية، في إطاره الثقافي المستمد من أصول عدة.
كتب يحيى الطاهر كثيرًا عن الأقصر وناسها ومشكلاتهم ومخاوفهم، ووصف قريته الكرنك، بقوله: "أرى أن ما وقع على الوطن وقع عليها، وهي قرية منسيّة منفيّة، كما أنا منفيّ ومنسيّ، كما أنّها أيضًا قرية في مواجهة عالم عصري، إذن عندما أبتعد عن قريتي أسعى إليها في المدينة، وأبحث عن أهلي وأقربائي، وناسي الذين يعيشون معي، وأنا لا أحيا إلا في عالمها السفلي، فحين ألتقي بهم نلتقي كصعايدة وكأبناء الكرنك ونحيا معًا".
وقد تميز يحيى الطاهر عبدالله بجرأته على التجريب، فقدم سردًا يمتزج برؤية فانتازية، وفي "حكايات للأمير حتى ينام"، استلهم قوالب التراث الشرقي كـ "ألف ليلة وليلة”، مازجًا بين أسلوبها الحكائي، وبين لغة سردية حديثة ومتمردة على المألوف، لذلك قيل عنه أنه نجح في تخليص جيله من كتاب القصة القصيرة، من قبضة يوسف إدريس، الذى رثاه ، مؤكدا أن ما أنتجه يحيى الطاهر كان بمثابة إرهاصة لمشروعه الكبير الذي لم يكتمل فقد مات وهو في الثالثة والأربعين قبل أن يقدِّم كل ما لديه.
وقد احتفل معرض القاهرة الدولي للكتاب بذكرى مرور 39 عاما على رحيل يحيي الطاهر عبدالله، فكانت أعماله موضوعا لندوة أدارتها الصحفية منة الله الأبيض، وتحدث فيها الروائي فتحي سليمان، والدكتور خالد عبدالفتاح، والدكتور رضا عطية، في البداية قالت مديرة الندوة إن الكاتب الراحل تلقَّى تعليمه في مدينة الكرنك بالأقصر جنوبي مصر حتى حصل على دبلوم الزراعة المتوسطة ثم عمل في وزارة الزراعة لفترة قصيرة، وفي عام 1959 انتقل إلى قنا مسقط رأس الشاعرين عبدالرحمن الأبنودي وأمل دنقل حيث التقى بهما ونشأت بينهم صداقة طويلة.
وقد أنجز عددًا كبيرًا من المجموعات القصصية والروايات منها: "الطوق والأسورة"، "أنا وهي وزهور العالم"، "حكايات للأمير حتى ينام"، "ثلاث شجيرات تثمر برتقالًا"، ونشرت أعماله الكاملة في عام 1983، وضمت مجموعة قصصية كان يحيى قد أعدها للنشر ولكنه توفي قبل أن يبدأ في ذلك وهي "الرقصة المباحة"، وتعددت طبعاتها فيما بعد كما ترجمت أعماله إلى عدة لغات منها الإنجليزية والإيطالية والألمانية والبولندية والصينية.

واقعية سحرية
وقال الكاتب فتحي سليمان: إن مشوار القاص الراحل صغير، ملهم رغم قصره، مشيرا إلى أن كتابته اختلفت تماما عن كتابات جيله، إذ كانت تتناول سمات المجتمع الجنوبي، وأنتج أدبا ملهما، ويمكن اعتباره سفيرا للجنوب خاصة في فترة الستينيات ونشاط الاشتراكية ومرحلة بناء السد العالي، إذ ساهمت هذه الفترة في تطور مفرداته التي أصبحت واضحة المعالم، وأوضح أن البيئة التي جاء منها لعبت دورًا كبيرًا في تكوينه المعرفي والثقافي وهو ما ظهر في كتاباته بشكل كبير، إذ مثّل عالم الصعيد بأسراره وخصوصيته بيئة خصبة جدًا للكتابة، لذلك وبعد مرور 39 عاماً على رحيله لا يزال تأثيره عميقاً في السرد العربي المعاصر بفضل قدرته على خلق نمط خاص من أدب "الواقعيّة السحريّة" يقوم على إعادة الاعتبار لقيمة الحكايات الشعبية وأساليب القص الشفاهي.
وأوضح د.خالد عبدالفتاح، أن الطاهر عبدالله انتقى أشكالا جديدة في الكتابة، ففي القصة القصيرة، كان أمامه يوسف إدريس، لذا قدم مشروعا مختلفا من ناحية المضمون والشكل، لافتا إلى أنه قدم المجتمع والجيل الجنوبي بما فيها من قسوة وخصوصية، فكان التكوين الثقافي والبيئي للشخصية ملائما للواقع.  وأشار إلى أنه قدم في أدبه سمات الجنوب وأهله، والقرية التي عاش فيها، إضافة إلى حياة المهمشين في محيطها، وهذه نقطة تميز بها في كتابته والبيئة التي تناولها.
شاعر القصة
أما د.رضا عطية أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، فأشار إلى وصف إدوارد الخراط ليحيى الطاهر عبدالله بـشاعر القصة، لأنه كان ينحت في اللغة، لتخرج كالحفر بداخل الشخصية، ويرسم ما يدور بداخلها. ولفت إلى أن مفهوم الشعر الذي قصده الخراط مرتبط بالجانب الأبرز المميز في هذه الكتابة، فيحيى الطاهر عبدالله يعتني بتمثيل الطبائع النفسية الحادة والصارمة، من خلال الجملة التي يكتبها، وهو ما تلمسه إدوارد الخراط في كتابة الطاهر عبدالله، فأطلق عليه شاعر القصة. 
وأشار عطية إلى أن مصطلح الشعرية في الأصل مصطلح بنيوي، يستهدف الطريقة المميزة والعنصر المفتاحي المهيمن على الكتابة، فربما كان إدوارد يقصد أن كتابة يحيى لها شعرية خاصة في تمثيل الشخصيات. وعن تأثر كتاباته بروايات ألف ليلة وليلة، أكد أنه بالفعل تأثر بما يسمى بالتقطير السردي، ويعني هذا قصة رئيسية وتفريعات سردية، حكاية بداخل حكاية، كما تأثر بالجانب الأسطوري في ألف ليلة وليلة، في كتابته عن الجنوب، إذ مثّل البعد الخرافي والميتافيزيقي كأساطير الجن والعوامل الغيبية، والتحكم في مقادير العالم. "وكالة الصحافة العربية".