الواقعية المصرية والتهور التركي

"إعلان القاهرة" حبل إنقاذ سياسي يحفظ ماء وجه قوى كثيرة كادت أن تصل إلى حائط مسدود بفعل الغزو العسكري التركي لليبيا.


الضجيج لا يبني الدول، والاعتماد على المرتزقة والميلشيات لا يضمن دورا إقليميا لأصحابه


البعض لم يفهم حقيقة الخطاب الرسمي بأن ليبيا خط أحمر وضمن أولويات الأمن القومي المصري


اعلان القاهرة فرض على تركيا الاختيار بين الاستمرار في سلوكها العدواني والانصاب لصوت العقل

يُحسب للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قدرته على التعامل بواقعية مع الأزمات الخارجية، والتي تراعي مصالح مصر في ظل خرائط إقليمية معقدة، وتفاعلات دولية غامضة. من هذا المنطلق يمكن فهم تحركاته حيال الأزمة الليبية، فلم يتورط في مستنقع ولم يبتعد عن تفاصيل، وفي لحظة حاسمة حوّل التهور العسكري التركي إلى مكسب مصري عندما أطلق إعلان القاهرة السبت الماضي لحل الأزمة، ووضع جميع القوى الداخلية والخارجية أمام مسئولياتها.

اشتعلت بورصة التقديرات بشأن دور مصر في الأزمة الليبية. البعض تحدثوا عن غياب واختفاء، والبعض أشاروا إلى حذر وتقاعس. لم يفهم هؤلاء وهؤلاء الحقيقة التي يرددها الخطاب الرسمي بأن ليبيا خط أحمر وضمن أولويات الأمن القومي المصري، ولم يفسروا المعاني الإستراتيجية التي تحملها هذه العبارات، منهم من انساقوا وراء الصخب التركي والإخواني وتصورا أن الصمت معناه قبول بالأمر الواقع، ولم يدركوا أنه في زمان ما ومع مكان ما يصبح الصمت أبلغ من الكلام، خاصة أن الجميع على علم بأن الضجيج لا يبني دولا، والاعتماد على المرتزقة والميلشيات لا يضمن دورا إقليميا لأصحابه.

قلب إعلان القاهرة الذي استند على مخرجات المبادرات السابقة، وأبرزها مؤتمر برلين في يناير الماضي، الطاولة على تركيا وحشرها في زاوية ضيقة، وفرض عليها الاختيار بين الاستمرار في سلوكها العدواني والانصاب لصوت العقل المصري، وجعل القوى الليبية تنظر بدقة إلى جوهر الأزمة الكامن في شيخوخة السلطة في طرابلس والجهات التي تستثمر فيها، حيث قدم الإعلان روشتة متكاملة للحل ورفع كل الأيادي الخارجية عن ليبيا، وأكدت ردود الأفعال الإقليمية والدولية أن هناك فرصة حقيقية للبناء عليه وتنفيذه على الأرض.

تحولت المبادرة إلى حبل إنقاذ سياسي يحفظ ماء وجه قوى كثيرة كادت أن تصل إلى حائط مسدود بفعل الغزو العسكري التركي، والإسراف في نقل المرتزقة والإرهابيين، وعقد اتفاقيات غير شرعية مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، ومحاولة السيطرة على جزء من الاقتصاد الليبي، وما تمثله هذه الخطوات من تهديدات مباشرة على أمن قوى غربية لها مصالح تقليدية، يمكن أن تجد نفسها في مواجهة غير مرغوبة مع روسيا التي أذاعت الولايات المتحدة معلومات أنها تحتفظ بوجود عسكري على الأراضي الليبية، ما يفرض على بعض الدول الاختيار بين تقديم تنازلات أو الدخول في مواجهات مفتوحة، فدرجة السخونة التي وصلت إليها ليبيا قد لا تتحملها قوى كبرى حاليا.

قدم إعلان القاهرة نموذجا عمليا للحل للقوى الراغبة في السلام، وتلك التي درجت على البلطجة ودق طبول الحرب، وحوى رؤية شاملة، وأغلق جميع الأبواب على من يتشدقون بصعوبة البحث عن السلام في ظل وجود قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على أبواب طرابلس، فوقف إطلاق النار كشرط أساسي في المبادرة المصرية، جاء عقب اقتناع الجيش الليبي بإعادة التموضع بعيدا عن العاصمة، ونزع أحد أهم المبررات الزائفة لاستعانة حكومة الوفاق بتركيا عسكريا.

كشف محتوى إعلان القاهرة، وما سبقه وما لحقه من مشاورات مع قيادات كثير من الدول، عن اختلاف في الأولويات والمقاصد والتحركات والأدوار بين مصر وتركيا، فالأولى تدير الأزمة الليبية برشادة واضحة سعيا وراء الهدوء والأمن والاستقرار، والأخيرة تتبنى رؤى متهورة لا تتماشى مع قدرات النظام الحاكم في أنقرة، بل تفوق إمكانياته الإستراتيجية.

كسر التدخل التركي حواجز الجغرافيا السياسية الراسخة التي طالما كانت معيارا لقدرة الدول على القيام بمهامها الإقليمية، واستخدم أساليب ديماجوجية تهدف إلى مخاطبة فئات متأسلمة مارقة في العالم العربي، هدف قياداتها وروافدها المقيمة في اسطنبول خدمة أوهام العثمانية الجديدة، ومرجح أن تقود إلى نهاية حلم أردوغان وكل إخوانه في المنطقة.

تحدث كثيرون عن تحويل ليبيا إلى نموذج سوري جديد، وتكرار لعبة توزيع أدوار بين أنقرة وموسكو، واستندوا إلى شواهد ظاهرة تجعل المقاربة بين النموذجين شبه واقعية، غير أن هذا الاتجاه تجاهل مجموعة من المحددات جعلتها بعيدة عن ذلك، فمن حيث الحدود سوريا على مرمى بصر من تركيا، بينما تبعد عنها ليبيا مئات الكيلو مترات.

كما أن الأطماع في الأولى أمنية وجغرافية بصورة رئيسية، بينما في الثانية اقتصادية أساسا. وفي سوريا لم تكن الحرب بالوكالة، فكل الأطراف تعلم من يحارب من، ومن يتحالف مع من، بينما في ليبيا تظل تركيا الجهة الأكثر انخراطا في المشهد، وتأتي تدخلات القوى الأخرى مختلفة في الأهداف والمآلات النهائية.

رفعت المبادرة المصرية الغطاء عن كثير من التصورات السلبية، وهدفت إلى الحفاظ على مصالح الشعب الليبي ووحدة واستقرار بلاده، وتنحية التدخلات الخارجية، وفي مقدمتها تركيا، والتي عليها التعاطي بإيجابية وتثبت أنها ليست دولة إحتلال، كما تدعي، أو تستخدم ألاعيبها لعرقلة المبادرة كي تضمن استمرار دورها، المنتعش على الفوضى والمنكمش مع الهدوء، وتحريض أذرعها السياسية والعسكرية في طرابلس لقطع الطريق على مبادرة راعت كل التقاطعات والمواءمات للخروج من المأزق الراهن وبناء دولة قابلة للحياة.

أصبحت الكرة في ملعب أنقرة رأس الحربة، والموزاييك السياسي والعسكري في طرابلس الذي تعايش الفترة الماضية على وجود خصم واحد، وهو الجيش الوطني الليبي، وتوارت الكثير من التناقضات، وتراجعت المعارك العسكرية التي دارت بينهم سابقا للاستحواذ على مفاصل السلطة والثورة، ومتوقع أن تعود إلى الصدارة. وفي كل خطوة نجاح تحققها المبادرة المصرية تخسر قيادات الكتائب المسلحة أرضا اعتقدت أنها ربحتها مع الغزو التركي.

تواجه مجموعة طرابلس تحديا عميقا، لأنها باتت على مقربة من تفخيخ التعاون الهش بينها. فالتسوية السياسية أكبر خصم يمكن أن تواجهه، فهي تنزع عنها سر الوجود على الأرض. ولذلك سوف تسعى لمقاومة حل الأزمة الليبية، وتتحايل على التحركات الرامية لتنفيذ إعلان القاهرة، فتطبيقه معناه خروج الخلافات داخل حكومة الوفاق على السطح، والتي استفادت من عملية تحرير طرابلس في التغطية عليها، بالتالي من الطبيعي أن ترتفع أصوات الرفض حتى يتم السيطرة عليها، ومن الضروري أن يكون ضغط المجتمع الدولي عليها جادا هذه المرة.