انتخابات مبكرة لفتح، مثلما هي للكل الفلسطيني؟

من غير المقبول فتحاوياً وإقليميا ودولياً أن تتحالف فتح "القائمة الأم" مع حماس ضد ابنائها من التيار الوطني الفتحاوي. لا مكان لتفاهمات "الرجوب العاروري".


التأجيل بدوافعه الكامنة أو المعلنة هو هروب من استحقاق سياسي شعبي ووطني ودولي


فتح تخشى أبناءها ممن شكلوا قوائم أخرى تنافسها على أصوات الفتحاويين وأنصار فتح والمستقلين


ستطوى صفحة تفاهمات "الرجوب العاروي" لتفتح صفحة جديدة حول اتفاقات جديدة وبأسماء جديدة

هل ستجري الانتخابات الفلسطينية في موعدها؟ أم ستؤجل إلى أجل غير مسمى؟ وإذا أجلت هل يعني ذلك الغاء كافة الترتيبات التي تمت من قبل لجنة الانتخابات الفلسطينية أم سيتم الحفاظ عليها إلى أن تقبل حكومة الاحتلال إجراءها في القدس؟ وهل تأجيل الانتخابات بسبب القدس هو حقيقة أم ذريعة فقط؟

مجموعة الأسئلة أعلاه ليست اسئلتنا، بل هي أسئلة الشارع الفلسطيني ونخبه الثقافية والسياسية ولا أحد يعلم الإجابة عليها إلا رئيس دولة فلسطين تحت الاحتلال، محمود عباس (أبو مازن)، وثلة من القريبين جداً منه.

ومن متابعتنا، مثل غيرنا من العاملين في حقل السياسة، نجد أن ما بين اجرائها في موعدها وتأجيلها هناك خمسون بالمئة فاصلة بينهما، أي أننا كغيرنا لا نستطيع أن نرجح كفة على كفة في ميزان إجرائها في موعدها من عدمه، ولكن ما بين إجرائها وتأجيلها هناك مصطلح جديد يصك الأذان يطلق عليه التبريد أي تخفيض درجة الحماسة لدى الشارع الفلسطيني حول الانتخابات المنتظرة منذ خمسة عشر عاماً.

إذن الحال ما بين تأجيل أو تبريد، ما يحصل وما سيحصل خلال الأيام المتبقية؟

 لكن ما الفرق بين المصطلحين؟

التأجيل بدوافعه الكامنة أو المعلنة هو هروب من استحقاق سياسي شعبي ووطني ودولي، والتبريد هو وقف اندفاع الناس نحو الرغبة بالتغيير لجعلها تتقبل التأجيل إن حصل أو وقف اندفاعها باتجاه الصناديق. هكذا يرى بعض مرشحي القوائم المنافسة لفتح مصطلح التبريد.

لكن لماذا فتح تسعى لهذه المواقف أي التأجيل والتبريد إلى حين اتخاذ قرار قطعي نحو الاتجاه الذي ستسير به عجلة الانتخابات؟

كما قلنا في مقال سابق؛ القدس أولاً وهي مطلب محقّ ووطني لا يختلف اثنان في قدسيته وأولويته على ما عداه حتى لو اتخذ ذريعة عند اتخاذ القرار الذي يناسب الأهواء الفصائلية التي تخشى على أن يظهر حجمها الطبيعي وقيمتها الحقيقية لدى الجمهور الفلسطيني وأمام القوى الإقليمية والدولية.

وإذن التأجيل له علاقة بتلاقي المأزومين، الذين يطرحون الذرائع والحجج وبعضها يلامس الكرامة والحق الفلسطيني، لكنها تستخدم كمنفذ للهروب من استحقاق طال انتظاره، بدلاً من المواجهة مع المحتل وفرض أمر واقع برفض إجراءاته الاحتلالية والقمعية، وعدم التقيّد بتعليماته والسعي لالتقاط فتاته وانتظار موافقته.

في زحمة التصريحات الداعية للتأجيل باختلاق الذرائع، هناك قائمتان فقط تدعوان بثقة إلى إيجاد حلول وطنية بعيداً عن التأجيل أو الإلغاء، يبدو أن الحظ سيحالفهما وفق استطلاعات الرأي العام السريّة والعلنية، وستشكلان فارقا في النتائج إذا جرت الانتخابات في موعدها وهما من تسعيان بجد نحو الانتخابات أقصد قائمتي "الحرية" و"المستقبل". القائمتان اللتان توصفان بالفتحاويتين، حيث تهيمن على مرشحيهما الصبغة الفتحاوية التي يتداخل فيها ألوان أخرى لكنها قليلة نسبياً مع ظاهرهما الفتحاوي.

لكن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، لا ترغب في اجرائها وتخشى على ماء وجهها أكثر من الخسارة المباشرة.

على سبيل المثال لا الحصر، القيادي في حزب الشعب الفلسطيني وليد العوض يقول "الانتخابات بهذا الشكل يجب ألا تتم والأفضل الذهاب لتشكيل حكومة وحدة وطنية."

لا أدري السبب الكامن وراء كل هذا السيل من التصريحات التي تطالب بالتأجيل بعد خمسة عشر عاماً من توقف الحياة الديمقراطية، هل ما زلنا بحاجة إلى وقت آخر للتأجيل! ألم تكفي الخمسة عشر عاماً ليضاف إليها سنوات أخرى من التأجيل؟ وإذا أُجلت إلى متى؟

أنا أرى في الانتخابات تغييراً نحو الأفضل مهما كانت النتائج، ولا خوف لدي من تكرار تجربة 2006 فشكل هذه الانتخابات إن حدثت لن تسمح لطرف واحد التفرد بتشكيل حكومة، لذلك أنا مع اجراء الانتخابات لا تأجيلها أو إلغاؤها.

والسؤال الذي يطرح هنا إذا كانت فصائل صغيرة كحزب الشعب (وفدا) والتحرير الفلسطينية و"النضال" لا ترى في نفسها القدرة على تجاوز نسبة الحسم وبالتالي الوصول للمجلس التشريعي الذي سينعكس على تمثيلها أيضاً في المجلس الوطني، ما بال حركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية ممثلة التيار الوطني العريض في الشعب الفلسطيني تخشى الانتخابات؟

سيكون الجواب الأولي الصادر من قياداتها وأنصارها أن لا خوف ونحن مستعدون لذلك اليوم.

هذا حديث العلن، لكن أحاديث الغرف المغلقة مختلف، ففتح تخشى أبناءها ممن شكّلوا قوائم أخرى تنافس القائمة الأم على أصوات الجمهور الغفير من الفتحاويين وأنصار فتح والمستقلّين.

وهنا أيضاً قد يستغرب المراقب غير المطلع عندما يستمع إلى التقديرات حول توزيع الأصوات في النتائج المرتقبة حيث تشير الاستطلاعات أن فتح بقوائمها الثلاث مجتمعة ستحصل على ما يتجاوز الثمانين مقعداً توزع كالتالي 35 مقعداً للقائمة الأم و25 لقائمة الحرية و20 لقائمة المستقبل، وهكذا تستطيع فتح مجتمعة أن تشكل الحكومة القادمة بكل أريحية ودون حاجة للتحالف مع حركة حماس التي من المتوقع أن تحصل على أربعين مقعداً في الانتخابات القادمة، أو قوى اليسار مجتمعة مع القوائم المستقلة التي من المتوقع أن تحصل على 12 مقعداً.

مشكلة فتح ليس في سوء تقديرها لذاتها. على العكس! تعلم قيادتها علم اليقين أن التيار الوطني الذي يحمل اسمها، مهما تعددت قوائمه، هو الفائز في الانتخابات. لكن على ما يبدو أن ما يقلق البعض في قيادتها هو ما سيحصل في فتح ذاتها نتيجة تلك الانتخابات؛ ففوز مروان البرغوثي وناصر القدوة بعدد 25 مقعداً وفق أقل تقدير يعني أن هذا التيار سيعكس نفسه على قواعد وكوادر الحركة أينما وجدوا، وكذلك الأمر فيما يتعلق بتيار المستقبل، فمجموع ما سيحصل عليه التيّاران وفق التقديرات هو 45 إلى 50 مقعداً، أي انهما إذا تحالفا سيكونان الكتلة الأكبر في المجلس التشريعي القادم، وبالتالي سيكون على تفاهمات "الرجوب العاروي" التنحي جانباً أمام المشهد الجديد، إذ سيكون من غير المقبول فتحاوياً وإقليميا ودولياً أن تتحالف فتح "القائمة الأم" مع حماس ضد ابنائها من التيار الوطني الفتحاوي، بل إن ذلك سيعتبر بمثابة خيانة ستؤدي إلى انشقاقات في "القائمة الأم" وصراعات داخل اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وسيؤدي ذلك إلى فرز مراكز قوى جديدة داخل الحركة ستنعكس على قيادة الحركة حاضراً ومستقبلاً.

وعليه تحاول بعض قيادات فتح ممن تستشعر الخطر وأد قائمة الحرية ودفعها إلى الانسحاب من السباق الانتخابي، باستخدام شتى الأساليب مع مرشحي القائمة من ضمنها التهديدات المباشرة وكذلك المغريات كالحوافز والتعويض، لكن حتى الآن دون جدوى بحسب مطلعين.

وطالما الأمر كذلك فإن إجراء الانتخابات من عدمها مرتبط بقائمة الحرية دون غيرها فدون انسحابها قد لا تجري الانتخابات، وإذا جرت فستتعرض هذه القائمة إلى حرب إعلامية ودعائية شعواء من قبل "القائمة الأم"، مما سيضطر قائمة الحرية ومعها المستقبل بالضرورة للرد بالمثل على "القائمة الأم".. وهنا سنكون في مشهد أقرب ما يكون إلى أنتخابات فتحاوية داخلية لا فلسطينية عامة، وهي بصورتها التي سنراها ستعبر عن الصراعات الكامنة والنتائج المتوقعة لمستقبل حركة فتح وزعاماتها فيما بعد الانتخابات.

ألم يقل د.ناصر القدوة أن الهدف الذي يصبو إليه هو تغيير النظام؟

نعم قالها، وهذا ما أثار ثائرة الفريق الحاكم في فتح والسلطة عليه وأدى إلى فصله وتجريده من كافة مناصبه؟

يبدو أن الأمر كذلك.

إلا أذا تفاهمت قوائم فتح الثلاثة أو قائمتان؛ أقصد "الأم" والحرية على التعاون والتكامل في المجلس القادم وهو أقل الشرور بالنسبة "للقائمة الأم"، إذ أن التحالف مع قائمة المستقبل يبدو مستحيلا اليوم نتيجة للأحقاد التي تراكمت في العشر سنوات الأخيرة.

التعاون والتفاهم والتكامل هي الحل بين قوائم فتح المختلفة، أما لغة التهديد والوعيد فلن تجدي نفعاً، بل على العكس ستنعكس خسارة مبينة "للقائمة الأم"، وخسارة مقاعد بالنسبة لفتح الرسمية، يعني خسارة أوراق قوة وضغط ومساومة في مستقبل الحركة وقيادتها.

البعض يصف ما سيحصل بأنه انقلاب أبيض.

يبدو أن هذا الوصف قريب من الواقع، لكننا نتمنى أن لا يصل إلى مرحلة سفك الدماء بين الأخوة، ونتمنى أن تجد فتح من العقلاء والحكماء من يضع مستقبل الحركة كقائد وطني للشعب الفلسطيني نصب عينيه بدلاً من المصالح الفردية الأنانية المدمرة، وأن تبقى الديمقراطية هي الوسيلة والانتخابات هي الطريق الوحيد للمنافسة المؤدية إلى الحكم لأن الشعب هو مصدر السلطات وهو الجهة الوحيدة القادرة على تقدير من يمثلها.

المبادرة التي خرجت من المعتقلات قبل أيام من قبل الأسرى تمثل مخرجاً للأزمة التي تمر بها حركة فتح، لكن هل ستُقبل؟

أغلب الظن أنها لن تقبل، بل ما جاء في بنودها، يضع اليد على السر الذي يقف خلف أسباب الأزمة الداخلية في فتح، حيث أن الانتخابات التشريعية ليست إلا درجة أولى للوصول إلى أنتخابات الرئاسة، فبعد أن تم تجاهل القيادي مروان البرغوثي كمرشح للرئاسة وانحسار الصراع أو المنافسة بين رجلين فقط، هما الرجوب والشيخ، طرح الأسير المناضل نفسه وبقوة عبر قائمة الحرية ليتصدر المشهد الانتخابي من جديد، والسؤال اليوم ماذا سيحصل في 22/5؟

بظني ستحصل المفاجأة التي يتنبئ بها أغلب المراقبون وهي تصدر القائمتين المتمردتين للإنتخابات وتراجع "القائمة الأم" أمامهما.

لكن هل ستجري الانتخابات حقاً؟

بعض الرسائل القادمة من الولايات المتحدة تلمح بل تقر أن التأجيل بات حتمياً، وإذا حدث ذلك، نقول ما يقوله الشارع الفلسطيني الذي تعود على الاحباط من قادة فصائله "كل إعلان انتخابات أو اتفاقات فلسطينية داخلية وأنتم بخير".

ستطوى صفحة اسمها تفاهمات "الرجوب العاروي"، لتفتح صفحة جديدة حول اتفاقات جديدة وبأسماء جديدة… وهكذا ستدور الأيام كما ابتدأت إلى أن يتغير الحال ويحصل التغيير المرتقب القادم لا محالة.