بهاء طاهر يرصد الوجه الآخر لربيع الرواية

الكاتب المصري يشير في تصديره لكتابه "في مديح الرواية.. قراءة لروايات وروائيين" إلى أحد أوجه التناقض التي تملأ حياتنا الثقافية.


الرواية الآن تقتحم آفاقًا غير مسبوقة في أساليب الإبداع الفني وبجرأة غير مسبوقة أيًضا في تسليط الضوء على الأوجاع الحقيقية للمجتمع


لا يتجاوز تأثير أي رواية في أيامنا هذه مهما بلغت خطورة القضايا التي تطرحها حدود قرائها المعدودين

يشير الكاتب الكبير بهاء طاهر في تصديره لكتابه الجديد "فى مديح الرواية.. قراءة لروايات وروائيين" (صدرت مؤخرا طبعته الثانية عن دار الشروق بالقاهرة ) إلى أحد أوجه التناقض التي تملأ حياتنا الثقافية، فعلى الرغم من تسليم الجميع بأن الرواية العربية تشهد في السنوات الأخيرة ربيعا غير مسبوق، وهو ما يدلل عليه الكاتب بقوله: إن الرواية الآن تعيش  إبداعا أزهى عصورها، ولا يكاد حتى القارئ النهم يجد الوقت الكافى لمتابعة كل الإنتاج الجديد. والرواية الآن تقتحم آفاقًا غير مسبوقة في أساليب الإبداع الفني وبجرأة غير مسبوقة أيًضا في تسليط الضوء على الأوجاع الحقيقية للمجتمع"، لكن ليس ثمة صدى حقيقي لكل ذلك في المجتمع المعني، إذ لا يتجاوز تأثير أي رواية في أيامنا هذه مهما بلغت خطورة القضايا التي تطرحها حدود قرائها المعدودين، ويحيل بهاء طاهر إلى كتابه "أبناء رفاعة.. الثقافة والحرية"، وقد رصد فيه تراجع دور الثقافة، أو ما أسماه الاستغناء عن الثقافة منذ مطلع السبعينيات بفضل جهد عمدي من الدولة ومؤسساتها لتهميش دور الثقافة والمثقف في المجتمع وفي الحياة العامة.
هذا الاستغناء – المتعمد والممنهج – عن الثقافة أفقد الرواية تأثيرها فاقتصر دورها بالنسبة للقارىء على التسلية، بعدما كان لها دور في تكوين الوعي العام لجمهور القراء، بدءا من صغار التلاميذ إلى كبار الكتّاب وحتى زعماء الدولة، فالرئيس عبدالناصر اعترف بتأثير عودة الروح لتوفيق الحكيم عليه، وفي الستينيات كان ظهور رواية جديدة لنجيب محفوظ أو غيره حدثًا مهما يترقّبه الجمهور، ويحتفى به النقاد، وتصبح رواية مثل "ميرامار" أو "السائرون نياما" موضع نقاش طويل، كثيرا ما يجر على المؤلف متاعب مع السلطة، ولكن الرواية تحقق هدفها وتصل إلى جمهورها.
أما الآن  – وبحسب الرؤية المتشائمة للكاتب – فأقصى ما يطمح إليه أي روائي، إن وجد من ينشر له عمله دون أن يدفع بنفسه ثمن النشر، هو أن يتناول أحد النقاد عمله في مقال ثم ينتهى الأمر بعد ذلك بالرواية إلى غياهب النسيان، فالروايات تصدر بوفرة ثم تسقط فى بئر الصمت، ولولا قلة من القراء مازالت قادرة على فرز الأعمال الجيدة وابقائها حية في ذاكرتنا الثقافية، لاندثر فن الرواية مثلما لقي فن المسرح عندنا مصرعه من قبل.
الكاتب قارئا
لا يكفي إذن أن تصدر الرواية، عليها كذلك أن تجتاز اختبارين مهمين، أولهما حكم الجمهور الذي قد يصيب ويخطىء، ثم اختبار الزمن فمع مرور السنين تصبح الروايات الحقيقية جزءا من الذخيرة الباقية للفن الروائي.
والكاتب بهاء طاهر يشارك في الاختبار الأول، باعتباره واحدا من الجمهور، ويوضح منهجه بقوله "في العادة أبدأ قراءة الرواية بنوع من البطء، أقرأ صفحات قليلة في أول يوم ثم أتركها. في اليوم التالي يتسلل سحر الرواية إلى نفسي فأقرأ أكثر، ثم بعد ذلك أكاد أصل النهار بالليل منغمسا تماما في القراءة إن كانت الرواية طويلة الحجم، تصبح أحداث الرواية وأشخاصها عالمي الحقيقي، ويمسي العالم الخارجى مجرد شبح وتطفل مزعج على دنيا الرواية، لا أبذل جهدا لكي أنساه لأنني أنساه بالفعل". 

Arabic novel
عالم البحر عنده رمز للوطن كله

وفق هذا المنهج يقدم طاهر في الجزء الأول من كتابه ثماني قراءات، يبدأها بالوقوف على عتبات نجيب محفوظ قارئا لثلاثيته عن مصر القديمة، ويشبه تاريخها في مجراه العام مسرحية من ثلاثة فصول، وتتمثل بذرة الصراع الدرامي في ذلك العصر في النزاع بين الملوك والكهنة الذي عصف بالحكومة المركزية، فنشبت أول ثورة شعبية في التاريخ، حطّمت الملوك والكهنة على السواء، ويوضح بهاء طاهر طريقة نجيب محفوظ في معالجة هذه الدراما، ويرصد من خلالها أن فكرة القدر التي اهتم بها نجيب محفوظ في الإطار المصري القديم ظلت تشغله في أعماله التالية الواقعية واللاواقعية على حد سواء، واكتسبت أبعادا جديدة يحارب أبطاله ضدها فينتصرون أو يسقطون، ولن يكون في هذه الأعمال هو القـدر الميتافيزيقي وحده، بل سيصبح قدرا اجتماعيا أو سياسيا أو نفسيا نابعا من داخل الأبطال.
عبرات أخرى
بعد أن يقدم  بهاء طاهر قراءة مادحة لروايات: "محاولة عيش" لمحمد زفزاف، و"مسك الغزال" لحنان الشيخ، و"خميل المضاجع" للميلودى شغموم، "مصرية" لفوزية أسعد، "هليوبوليس" لمي التلمسانى، و"عمارة يعقوبيان" لعلاء الأسواني، و"دكة خشبية تسع اثنين بالكاد"، لشحاتة العريان، يقدم قراءات للروائيين عبر الجزء الثاني "عبرات أخرى"، قراءات لأربعة روائيين، جاءت مقالاته حولهم في إطار استعادة وتقييم مشروع كل منهم عقب انتهائه برحيلهم، وتحت عنوان "فتحي غانم والحياة في الرواية"، يؤكد على تميزه بالجمع بين الحرفة والموهبة، وأيضا الفكر الروائي الذي تتدرج في سياقه الأحداث، ولا يقصد به الكاتب الأفكار المجردة التي قد تنص عليها الرواية أو التي يمكن استنتاجها من الأحداث، بل يقصد الحالة الوجدانية والعقلية التي تضع فيها الرواية قارئها، فتبقى راسخة في وعيه أو في لاوعيه حتى بعد أن ينسى أحداثها وأفكارها، فهو ذلك النوع من الانفعال العميق الذي يجعل الرواية العظيمة جزءا باقيا منه.
وعن الدكتورة لطيفة الزيات يقول "من لم يعرفها عن قرب، يجد سيرتها مبسوطة بأدق خلجاتها فى كتاب (أوراق شخصية)، سيجد صراحة لم يألفها وهي تتحدث عن ضعفها وأخطائها، عن حبها وفشلها، عن اكتشافها وتعرفها على ذاتها الحقيقية، ستأسره شفافية الأسلوب وعمق التحليل، وسيكون صورة فريدة عن عظمة الإنسان حين يقبل التحدى الذى تفرضه الحياة كل يوم فيصنع نفسه والعالم من حوله". 
يستعرض الكاتب سيرة لطيفة الزيات المناضلة والأكاديمية المبدعة دون أن يتوقف عند أي من أعمالها الروائية وأشهرها "الباب المفتوح"، في حين أن مقالته عنها ترد باعتبارها قراءة في الروائية، وهو نفس ما اتبعه في مقالته عن عبدالفتاح الجمل، فتحدث عن الكاتب والمناضل دون الوقوف على أي من أعماله، ويختتم الكتاب بمقالة عن صالح مرسي الذي لم يكن يرتدي الأقنعة، والذي قدم عالم البحر والصيادين، ومن خلال صراعهم مع البحر ـ القدر ـ وصراعهم مع الظلم ـ البشر ـ وكان عالم البحر عنده رمزا للوطن كله، وانحيازه للصيادين انحيازا لكل المقهورين وضحايا الاستغلال.
وقد فعل صالح ذلك كله فى "زقاق السيد البلطي" كما فى "رأفت الهجان" وبقية رواياته، الصراع قائم كما كان منذ البدء، والقضايا تزداد تطوًرا وعمقا، ثم إنه أضاف شيئًا جديًدا في رواياته الأخيرة، وهو الإيمان العميق بالإنسان وبالوطن. (وكالة الصحافة العربية)