بورخيس الأعمى الذي فتح كل نوافذ العالم

بارنستون يقدم لنا سيرة بورخيس كما سمعها منه، فكان كتابه مرآة أطلعتنا على بورخيس كما هو.


الواقع ليس موجوداً والخيال وحده هو الحقيقة


بعد قراءتنا لبورخيس تتغير قراءتنا لكافكا بشكل جوهري

قال بورخيس "نحن من صُلب الماضي، نصفنا اختراع، والنصف الآخر ذاكرة"، هذه المقولة  كان يتمثلها دائما الشاعر الأميركي ويليس بارنستون، الذي كان مؤمنا بأن الواقع ليس موجوداً والخيال وحده هو الحقيقة، بارنستون اتخذ من بورخيس سلفا له، قرأه وترجمه إلى الإنجليزيه، رافقه في رحلاته وقرأ عليه الكتب، قضيا أوقاتا كثيرة معا جعلت الشاعر الأميركي "يبدو وكأنه خارج لتوّه من إحدى قصص بورخيس". بحسب تعبير الدكتور عابد اسماعيل الشاعر والمترجم السوري، الذي ترجم لبارنستون قصائد كتابه "ساعة حياة" ثم عاد ليترجم كتابه "مع بورخيس… مساء عادى فى بوينس آيرس"، الذي أعادت دار المدى العراقية إصداره مؤخرا.
عنوان طويل يشير في نصفه الأول لكتاب أصدره البرتو مانجويل الذي ساقه القدر ليعمل في مكتبة وهو في السادسة عشرة من العمر، وهناك التقاه بورخيس وعرض عليه أن يقرأ له نظير أجر، فبدأت العلاقة التي شكلت وعي ووجدان مانجويل، بعدها بأربع سنوات التقى بارنستون ببورخيس في مركز الشعر بنيويورك، كل منهما أصدر كتابا عن الرجل المكتبة، وكلا الكتابين يتجول بنا في عوالم بورخيس السحرية، لكن مانجويل كتب يومياته هو، ذكرياته هو عن بورخيس، رسم لنا بقلمه صورة الكاتب الكبير كما رآه، أما بارنستون فقدم لنا سيرة بورخيس كما سمعها منه، فكان كتابه مرآة أطلعتنا على بورخيس كما هو،  كلا  الكتابين تمثل بورخيس ومقولاته وأعماله، لكن مانجويل اهتم بالنصف المخترع، بينما بارنستون اهتم أكثر بالنصف المستدعى من الذاكرة، وهذا  في رأيي هو الفارق الأهم بين الكتابين.
صوت الأعمى
يبدأ بارنستون كتابه باستعادة لقائهما الأول في 1968، وكان بورخيس قد فقد بصره، وكان "يقف في الصفوف الخلفية وحيدا دون عكازه، يتطلع حوله بعينين هائمتين، بدا تائها، وهي حالة اعتاد عليها وقبلها برضا".

إننى أجد عزاءً حقيقيًّا فى فكرة أنه بعد بضع سنوات أو أيام سأكون ميتًا، وبالتالى فإن كل الإحباط يصبح بلا معنى

يقول بارنستون "انسجمنا مباشرة وكأننا رحنا نكمل محادثة بدأت منذ سنوات"، ويفرق بين صوتين لبورخيس، الرجل المكتوب المسموع في كل كتاباته، والرجل الأعمى المنطوق، ولم يكن حديث بورخيس سوى بوح شفوي لنفس الفعالية الخلاقة الكامنة في نصوصه المكتوبة. وحينما فقد بورخيس بصره كاملا، صار يتحدث عن النصوص التي سينشرها بنفس الصوت الذي كانه في حياته الشخصية، فكان كل من كلامه وكتابته يعطى مصداقية للآخر، يقول بارنستون “بورخيس الذي عرفته كان أعمى، لكنه كان قد فتح كل نوافذ العالم لكي يظهر صباح ضوئه المبتكر، كان العمى هدية منتصف العمر"، فعندما كان يرى، غالبا كان يكتب عن شوارع ضبابية مكفهرة، فلما اكفهرت عيناه، وضع الضبابية جانبا وأعطانا رؤيته للحاضر، بانوراما لواقع حقيقي، تاريخي ومتخيل، فقد كان العمى يمنحه إحساساً مختلفاً بالأشياء وبالزمن، دفعه لأن يعيش بالذاكرة، ويعتقد أن الخيال مزيج من الذاكرة والنسيان.
وكان ذلك اللقاء بداية صداقة بين الشاعرين امتدت حتى وفاة بورخيس متأثرا بسرطان الكبد في الرابع عشر من يونيو/حزيران 1986، ثمانية عشر عاما تفيض ذكرياتها عبر ثلاثمائة صفحة، تشكل خمسة فصول مفعمة بصوت الأعمى الذى كان رائيا.
مساءات عادية
بارنستون رافق بورخيس فيما بعد طويلاً، وترجم أدبه إلى الإنجليزية، يقول "في يومنا الأول في بوينس آيرس انصرف بورخيس للتذكر، وراح يتهكم من مواهبه ومكانته، تجادلنا وتضاحكنا كمتآمرين قدامى، بلا توقف أو التقاط أنفاس"، يسأله كيف يكتب قصائده فيقول "أتجول وهي معي حتى تقوى على، بعدئذ أمليها لأنني لا أستطيع أن أحتفظ بها في الظلام أكثر".
يقود بورخيس عبر شوارع بوينس آيرس، التي يعرفها جيدا، ويعرف متى وكيف يوزع خطواته، وكان عقله يركز فقط على الأمور الجوهرية، تبادل الكلمات والأفكار والمشاعر، لم يكترث بوجود قوى أخرى حتى وهما يسيران في شارع مكتظ والباصات الضخمة تتجه نحوهما، فقد كان بورخيس محصنا بمناعة ضد الحوادث، يقول الكاتب "لطالما صعقنى حظه وأنا أتذكر كم من الحافلات الطائشة استقلها، ودائما دون حزام الأمان، بما في ذلك ليلة أمضيناها في شيكاغو عندما كنا غارقين في الحديث، كنت مسئولا عن عدم مراقبة الطريق، لم يقع أي حادث لكنني مازلت أتساءل فيما إذا كنت حقا أقل عمى منه".    

Jorge Luis Borges
بوح شفوي

ويندهش من قدرة بورخيس الجالس خلف مكتبه بجانب شباك عريض يفصل المكتبة التي يعمل بها عن الشارع، فيأتى من  يقاطعه، فكان يتوقف عن الكتابة ولو في منتصف الجملة، ويتجه إليهم ويسألهم عن أحوالهم، وسرعان ما يعود إلى الكتابة وكأن لا أحد قاطعه. وقد كانت المكتبة الوسط الطبيعي لبورخيس، كان بورخيس في ظلام المكتبة يجد طريقه بدقة الماشي على حبل مشدود.
وفى رحلة إلى نيويورك، ألقى  محاضرة عن كافكا وأسلافه، فيها يعلن أن "كل كاتب يخلق سلفه، إذ عمله يبدل من مفهومنا للماضي مثلما يبدل المستقبل"، وقارئ كافكا سيجد قصائد بورخيس متماهية معها. ما يقول بارنستون الذي يلمس ظلالا لكافكا في قصة "مكتبة بابل"، ويشير إلى مقالة بورخيس "كافكا وأسلافه". ويرى بارنستون بأن كافكا يمثل ابتكارا أدبيا لبورخيس فبعد "قراءتنا لبورخيس تتغير قراءتنا لكافكا بشكل جوهري".
المرأة والموت
كان بورخيس محبا للنساء، وكانت له صداقات نسائية كثيرة، كن أديبات أو قارئات وناسخات لأعماله،  كان يحب أن يبقى معهن دائما، لكن لم يتخذ منهن عشيقات، ولم تربطه علاقة حب عميقة إلا بماريا فاسكويز، وكان رمزا للمفارقة والتناقض، فهو شخص يعيش وحيدا، ويستمتع بعاداته وتأملاته، ويدعى بأنه يرحب بالموت لأنه سيحرره من الحياة ومن الآخرة معا، لكنه كان يخاف من أن يكون عذاب الآخرة حقيقيا وأبديا، فيتحاور مع الكوابيس ومع العذاب، باحثا عبر التأمل عن السلام.  
كانت  ماريا فاسكويز تقرأ له، وتنظم مواعيده، وكان لا يستطيع الاستغناء عنها لدرجة أنها عندما حكت له مرة عن عروض أتتها للعمل فى اليابان، فابتسم وقال: "إذن هناك كاتب أرجنتينى وُلد عام 1899، سيذهب ليعيش فى اليابان".
وحينما سأله بارنستون عن الموت قال "يمكن أن يأتيني كطائر أسود في الليل، لن أبالي. بالرغم من أنني أقول للآخرين بأنني مريض ومتعب من متعة كوني بورخيس كل ليلة، ما زال لدي قصائد لأكتب، كتباً لأقرأ، وأمكنة لأرى"، وكان يقول "إننى أجد عزاءً حقيقيًّا فى فكرة أنه بعد بضع سنوات أو أيام سأكون ميتًا، وبالتالى فإن كل الإحباط يصبح بلا معنى". (وكالة الصحافة العربية)