جمهورية الدليم وخيارات عشائر الأنبار

الحديث عن مخاطر تقسيم العراق اصبح من الماضي، ولم تعد دعوات من هذا النوع تصدق او يجاريها عاقل، بعد أن بلغ السيل الزبى ولم يعد للصبر من منزع.


تحركات لتحويل الأنبار الى إقليم كخطوة مقبولة دستوريا تمهد لقيام "دولة الدليم" المنتظرة


الدلائل التاريخية القديمة تشير الى ان أكبر كنز للذهب تحت الارض هو في صحراء الأنبار

جمهورية الدليم.. دولة يجري الإعداد لإنطلاقتها، وترتيب وضعها الدستوري والقانوني، من خلال مجموعة نخب عراقية وشيوخ عشائر، ومن هم ضليعون في تاريخ القبائل العراقية التي تنتمي أغلبها الى عشائر الدليم المعروفة، ولديهم من الإرث التاريخي والدستوري والقانوني ما يهيىء لهم قيام مثل هذه الدولة، كما يبدو!
ويمتد تاريخ إنبثاق إمارة الدليم التي كان يرأسها عيثة حمد الذيابي، الى العام 1705، حيث أطلق عليها السلطان العثماني آنذاك تسمية (سنجق الدليم)، لكن التسمية الرسمية تحولت من سنجق الدليم الى لواء الدليم في زمن الوالي العثماني مدحت باشا عام 1869، وهو العام نفسه الذي صدرت فيه أول جريدة عراقية إسمها الزوراء، حيث يفتخر أبناء الاسرة الصحفية بذكرى إنطلاقتها كل عام بعد إثنين وخمسين عاما بعد المائة  في عامنا هذا 2021.
وسبق ان اشرت في مقال بعنوان (الأنبار بين ظلم التاريخ وظلم التسمية)، ونشر بموقع ميدل أيست أونلاين ومواقع أخرى في  10-11/2/2020 الى ان تأريخ الأنبار وأصل تسميتها تعرضا الى ظلم كبير، وهي المدينة العراقية العربية التي نزح أهلها من اليمن وكانت غالبيتهم من المناذرة، وقطنوا في تلك الصحراء الممتدة على طول نهر الفرات في مناطقها الغربية الغنية بالزراعة وجني الغلال والخضرة الدائمة والبساتين العامرة، وهي تمتد حتى مدينة الرمادي الحالية، ولم تكن الفلوجة أو الصقلاوية ذات أهمية كبرى في ذلك الزمان، إذ ان بعض المؤرخين يقع في خلط فاضح، حين يشير الى أن التسمية وردت في العهد الساساني أي في عهد احتلال الفرس للمنطقة الغربية من وادي الرافدين الممتد الى بلاد الشام، وان ملك بني ساسان سابور الأول كما يزعم بعض المؤرخين في أعوام 241 -272م، هو من أقام فيها ثم وسعها، وحول إسمها الى فيروز شابور أي الملك المنتصر، بالرغم من أن كل الدلائل التاريخية تشير الى أن الأنبار التي قصدها ملوك الفرس، لم تكن مدن الانبار الحالية، وانما إقتصر وجودهم فيها على منطقة قريبة من الصقلاوية وهي منطقة أقرب الى مدينة الفلوجة الحالية، وهناك عسكر أمراء فارس، وأقاموا فيها مخازن لاسلحتهم وعتادهم من الخيل والمؤن، وتحولت الى ما يشبه الخان، أي الاستراحة على الطريق في التسمية القديمة. ومدينة الصقلاوية المهملة حاليا لا يمكن أن تختزل تسمية محافظة بأكملها لكي يتم تسميتها بمحافظة الانبار، وهو الخطأ الذي وقع فيه من أطلق إسم الانبار على كامل محافظة الانبار وترك المدن العائدة لتلك المنطقة الممتدة من غرب الأنبار وحتى وسط مدينة الرمادي الحالية، التي أشير الى أن تسمية الرمادي من تل عال هناك يسمى تل الرمادي، بينما تشير أغلب الدلائل الى أن تسميتها تنطلق من لون الصحراء (الرمادي) وهو اللون المتعارف عليه عالميا بالرمادي اي الأقرب الى لون الصحراء، حيث أن المناطق الصحراوية تحتل مناطق شاسعة من أراضي تلك المحافظة.
وأشرت في المقال كذلك الى ان الخليفة العباسي أبوالعباس السفاح اتخذ من منطقة قريبة من الصقلاوية مقرا له، حتى أواخر الدولة الأموية، وأنشأ فيها داراً للخلافة وسماها الهاشميةَ وشيد بها قصوراً له ولأهله حتى وافاه الأجل ودفن بها، وقيل أن قبره ما يزال شاخصاً في أطلالها، إلا أنه لم يتخذ من مدن الرمادي الحالية الممتدة الى الشام أي مقر له، ولهذا فضل الصقلاوية كونها بعيدة عن أهل الشام الذين ما يزالون يتابعون أخبار بني العباس للاقتصاص منهم، بعد أن أخذوا منهم الخلافة، والمعارك التي احتدمت آنذاك، ولو كان مقر الخلافة في مدن الرمادي الحالية لقصدها بنو أمية، ولهاجمهوها، ولكن أبو العباس السفاح ومن بعده أبو جعفر المنصور كان يسعى لإبعاد مقراته ومقرات الخلافة عن بني أمية في الشام، ولهذا فقد أقام على مقربة من بغداد الحالية وفي أطرافها وهي التي تسمى الآن بالصقلاوية، على أكثر تقدير، وهي مدينة صغيرة لم يكن لها أهمية سوى أنها تقع على خاصرة نهر الفرات وتوفر حماية لمقر الخلافة، وبعيدا عن أعين بني أمية الذين يرسلون الجواسيس لملاحقة رجال بني العباس.
وقبل ايام أفصحت شخصية عشائرية من أهل الانبار في حوارات تلفزيونية، عن محاولات إقامة (دولة الدليم) أو ما يسمى مؤقتا (إقليم الانبار)، مشيرة بأن هناك محاولات لتحويل الأنبار الى (إقليم الأنبار)، كخطوة مقبولة دستوريا، ويكون لها علم خاص بها، تمهد لقيام "دولة الدليم" المنتظرة، حيث تؤشر أحداث العراق المريرة في السنوات الأخيرة أن حالة التعايش أصبحت مهددة، وأن وجود المحافظات الغربية أصبح يعيش حالات فوضى وتغيير ديموغرافي وسيطرة جماعات خارجية على مقدرات تلك المحافظة، ما استدعى من أخيار الأنبار ووجهائها أن يبحثوا لهم عن (مخرج مشرف) لخلاص تلك المحافظات من الظلم والجور الذي تعانيه، ومن إهمال رجالاتها وعدم مشاركتهم في صنع القرار داخل دولتهم القديمة العراق، وتطلب الأمر بكل تلك تلك المجريات الخطيرة أن يبحث أهل الانبار عن (إعادة الاعتبار) للمكانة التي فقدوها، وراح كل من هب ودب يتحكم في مقدرات محافظاتهم!
ويبدو كما تشير مصادر برلمانية لديها إطلاع واسع على مجريات الاحداث أن محافظة الانبار قد تهيأت لها الأرضية لتحويل المحافظة الى (دولة)، يكون نظامها جمهوري، ويحكمها رئيس ورئيس وزراء وحكومة مشكلة من وزراء على غرار أية دولة تقام حديثا، والبعض من النواب من أمثال الشيخ عبد الله الخربيط كما قال بدا يهيىء منذ الآن لأن يرشح رئيس مجلس النواب الحالي محمد الحلبوسي، ليكون رئيسا لجمهورية الدليم المقبلة، أو ما يسمى مؤقتا (إقليم الأنبار)، ولا ندري بالفعل من يكون الرئيس القادم لها، على وجه التحديد، الا أن أهل الانبار وشيوخها ونخبها هم من يقررون لاحقا رئيس الدولة المرتقب، بعد أن يهيأوا لهم دستورا وعلما ونظام حكم عصري يتوائم مع المجتمع الدولي ورغباته بان يرى دولة تؤمن بالتطور والحداثة والسلام والاستقرار، ولا تشكل مصدر تهديد للآخرين، تبنى دولة عصرية متقدمة، ولديها من الثروات الطبيعية المكتشفة حديثا ومن الإمكانات والقدرات البشرية وتجارب الحكم على مدى قرون، ما يؤكد نجاح تجربة من هذا النوع، ستشجع محافظات غربية أخرى للإنضمام للوائها، بل أن حتى الدلائل التاريخية القديمة تشير الى ان أكبر كنز للذهب يكتنز تحت الارض هو في صحراء الأنبار وفي هضابها الغربية، لكننا نخشى أن تتقاتل عشائر الأنبار على هذا الذهب إن تم إستخراجه في يوم ما، ويبدو أن أمد الكشف عنه يحتاج لعقود من الزمان.
ومما يمكن سرده عن التاريخ المعاصر للواء الدليم، كما يشير مؤرخون أنه في زمن الاحتلال البريطاني (عام 1917م) كان العراق فيه ثلاث ولايات هي: بغداد والموصل والبصرة.
وفي 12/11/1920 أي في عهد (الانتداب البريطاني) أقر مجلس الوزراء العراقي التقسيم الاداري للعراق الى 10 ألوية بضمنها لواء الدليم وكل لواء يرأسه (متصرف).
في الفترة من 1922ــ1924 استحدثت أربعة ألوية أخرى ليصبح العراق مكونا من 14 لواء. وفي سنة 1961 تحول اسم لواء الدليم الى لواء الرمادي، ثم تحولت في السبعينات الى (محافظة الانبار) تيمنا بإسمها التاريخي الذي يمتد الى عصر ما قبل الاسلام، حيث كان الفرس يستخدمون بعض مناطق العراق الغربية كمخازن للحبوب وللأعتدة (عنابر) أو (أنابر) عند توجههم الى الشام، ويسمى كل مخزن غلال (عنبار) أو (أنبار) ثم سميت المحافظة بهذا الإسم.
ومن وجهة باحثين، فإن تحويل الأنبار الى (دولة) مستقلة لها علمها ودستورها ونظام حكمها، يمكن أن يعيد لها هيبتها وسلطتها التي استلبت وقد فقدت مكانتها ودورها التاريخي، يوم كانت علما بارزا يشار له بالبنان، وكان لرجالاتها دور كبير ومؤثر في قيام الدولة العراقية، ولهم باع طويل، تسرده وقائع التاريخ، لمن يريد أن يغوص في أعماق أغواره الممتدة عبر القرون.
تحية لدولة الدليم المرتقبة، وأمنيات الكثيرين أن يسهم الإخوة العرب بما يمتلكونه من مقدرات وثروات ووسائل دعم، لاقامة تلك الدولة المرتقبة، حيث ستكون مثلا لفخرهم وعزتهم وعودة لاعلاء المكانة للعرب جميعا، وشعبها الطيب الكريم المتسامح والذي يغترف من عمق تاريخه الثر ما يكفيه شرفا لإقامة هذا الوليد القديم الجديد، إن أريد للانبار أن تستعيد مكانتها ودورها التاريخي، وستكون عشائر الدليم بكل توجهاتها داعمة لهذا المشروع الحضاري، والذي سيكون منطلقا لكل مدن ومحافظات العراق الأخرى، للانضمام اليه أو على شاكلته. أما الحديث عن مخاطر تقسيم العراق فقد اصبح من الماضي، ولم تعد دعوات من هذا النوع تصدق او يجاريها عاقل، بعد أن بلغ السيل الزبى ولم يعد للصبر من منزع، كما يقال.